مثلما مثــَل الرفيق " جورج حبش " علامة نضالية بارزة فى مسيرة النضال الوطنى الفلسطينى ، والقومى العربى ، فقد ترك ، منذ حداثة عهده ، بصمات عميقة على نضال قطاعات عريضة من أبناء الشعب المصرى ، وبالذات الشباب .
وكما تأثر بحركة نضال الشعب المصرى ، وببطولات أبنائه ، وتضحياتهم ، فى معارك التحرر والاستقلال والتقدم ، فقد أثر فى وعى وتوجهات أجياله الجديدة ، وبالذات تلك التى تبلور فكرها قبل وخلال سنى هزيمة 1967 ، وما بعدها ، وقد كنت واحدا ًمن هؤلاء ، الذين قـُـيَِِض لهم الالتقاء بالرفيق "جورج حبش " ، بصورة غير مباشرة ، عبر التعرف على كفاح وأيديولوجية " الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين " ، من خلال مناضليها ومطبوعاتها ، ثم من خلال أنشطتها ، التى كانت ـ بعملياتها النوعية ـ ملء السمع والبصر ، فى تلك الآونة ، ثم مباشرة ً ، بعد ذلك ، حينما أسعدتنى الظروف أن ألتقيه ، وأحاوره ، وجها ً لوجه .
وفى كل هذه الحوارات مع " الحكيم " ، والتى استمرت على امتداد سنوات ما قبل الرحيل من بيروت ، إضافة ًإلى بعض المرات التى تصادف وجوده فى دمشق ، بعد ذلك ، وقت زيارتى لها ، لمست لمس اليقين نبل مقاصد هذا القائد الكبير، وعمق تأصل فكرة " المواطنة " الفلسطينية والعربية ، خاصة عندما كان يسوقنا الحديث عن التوترات الطائفية التى تجتاح دول كثيرة فى المنطقة ، وفى مقدمتها مصر .
لقد غابت عن مخيلته تماما أى نظرة عنصرية أو عرقية ، تـُميز بين بنى البشر على أساس الدين أو الجنس أو اللون أو العرق او الثروة ، وتجلت فى وعيه خلاصة القيم الإنسانية الرفيعة الصافية ، المنحازة للطبقات الفقيرة والمحرومة ، وللكفاح ضد الاستغلال والاستعمار ، بكل أشكاله ، وضد اغتصاب مقدرات الأمم والشعوب ، أما عشقه الأبدى فقد وهبه ، خالصا ً من كل شائبة ، لتراب فلسطين الكاملة ، المقدس . لقد كان لكل حفنة رمل ، ولكل حجر فى فلسطين ، ولجميع مساجدها وكنائسها وبياراتها وربوعها وقراها ومدارجها وحواريها ... نفس القيمة والقداسة والأهمية ، ومن أجلها جميعا ثار فى وجه الاغتصاب ، وتمرد على القهر... ، فقد كان " الجميع ، يتذكر، مثلما حدث دوما ً فى فلسطين ، وفى مسقط رأسه : " اللـد " ـ مسيحيين ومسلمين ، يلتقون فى وجه العدو المشترك " (1) .
ومع الحضور الفلسطينى المضيئ ، فى ذاكرة " الحكيم " ، وعلى لسانه ، وفى حركته ، التى لم تكن تهدأ أبدا ً ، كانت مصر دائما فى وجدان وعقل الرفيق "جورج حبش " ، حيث تنبه ، منذ يفاعته ، إلى طبيعة الرباط العضوى ، المصيرى ، بين مصر وفلسطين ، ولأهمية الدور المصرى ، وتأثيراته العميقة ، على مسار ومصير الشعب الفلسطينى وقضيته ،.
وإضافة ً إلى هذا ، فهو يعترف بتأثيرالثقافة المصرية العميق ، فى تكوينه المعرفى والثقافى : " لأننى كنت مشدودا ً إلى الأدب المصرى ، وفوق ذلك تتبعت النشاطات الأدبية فى مصر ، من خلال مجلتين هما : " الرسالة " و " الثقافة " (2).
وفى بدايات سعيه مع زملائه لاستكشاف معالم طريق العمل القومى ، مع نهايات عقد الأربعينيات من القرن الماضى ، ، التقى الرفيق " جورج حبش " ، وهو فى عام دراسته الخامس بكلية الطب التابعة للجامعة الأمريكية ببيروت ، بمجموعة وطنية مصرية صغيرة ، كان يقودها " حسين توفيق " ، وهو شخصية مصرية كانت معروفة ، آنذاك ، وقد لجأ إلى سورية بعد اشتراكه فى عملية اغتيال أحد رموز التعامل مع العدو الانجليزى ، الوزير" أمين عثمان " ، صاحب توصيف علاقة مصر بانجلترا باعتبارها " زواجا ً كاثوليكيا ً " ، لايقبل الانفصام !
وحسبما يعلن الرفيق "حبش " فقد استهدف الحوار مع " المجموعة المصرية " ، ومجموعتين أخريتين من سوريا ولبنان ، تكوين " كتائب الفداء العربى " ، لكن هذه التجربة انتهت ، وتقطعت العلاقة مع مجموعة مصر ، على أرضية الاختلاف فى الموقف من عملية اغتيال " أديب الشيشكلى " ، الفاشلة ، التى وقعت فى سوريا ، وباعتباره أحد المسئولين عن نكبة شعب فلسطين ، عام 1948(3) .
وحينما تكونت جماعة " القوميين العرب " عام 1952، لم ينقطع اهتمام الرفيق "جورج حبش " بـ " الساحة المصرية " ، التى شهدت ، فى ذلك العام ، وقائع " الثورة الأم " ، كما كانت تسميها الحركة ، فقد رحبت الحركة ، بثورة يوليو / تموز 1952(4) ، وإن عارضت ، من حيث المبدأ ، تدخل العسكريين فى السياسة ، ولم ترتح " إلى تطور العلاقات بين قادة الثورة المصرية والولايات المتحدة الأمريكية " فى مراحل الثورة الأولى ، ولا لانغماس القادة الجدد فى قضايا مصر الداخلية ، ولا لإلغاء الأحزاب المصرية بمرسوم حكومى واستبدالها بـ " منظمة ضعيفة ، " هيئة التحرير " ، مرتبطة تماما ، بالحكم القائم " (5) .
ومنذ عام 1955 امتد نشاطها للعمل وسط الطلاب المصريين (6) ، وبدءا ً من عام الوحدة ، 1958 ، تحولت " الحركة " من الطور " الطليعى " إلى مرحلة " التنظيم الجماهيرى " ، بعد أن " حدث انسجام تام بين استراتيجيتها واستراتيجية عبد الناصر " ، وبعد أن وقع الانفصال " أصبح عدد الحركة بالآلاف " فينا يبدو أنه رد فعل جماهيرى مضاد لتوجهات الانفصاليين (7) .
وفى هذا السياق تحتل العلاقة مع الرئيس " جمال عبد الناصر " موقعا هاما فى سجل حياة وكفاح كلا من الرفيق "جورج حبش " و" حركة القوميين العرب " ثم " الجبهة الشعبية " ، ويروى الرفيق "جورج " فى حواره مع " فؤاد مطر " ، أنه بعد قيام الوحدة فى 22 شباط ( فبراير ) 1958 دخلت الحركة مرحلة جديدة ، " وطرحنا على أنفسنا سئوالا ً أساسيا ً ، وهو لماذا نبقى بعد أن تبلورت قيادة " عبد الناصر " وأفقها التحررى ، وبعدما تبنى "عبد الناصر"،إلى درجة التنفيذ ، الشعارات التى رفعتها الحركة ؟! " .
وكان الجواب الذى تم التوصل إليه : " إن القيادة الحقيقية للجماهير هى قيادة " عبد الناصر ، الذى يتفق خطها السياسى مع خطنا " 0(8).
وتعمقت هذه العلاقة مع تبلور الانحيازات الاجتماعية الناصرية ( توزيع الأرض على فقراء الفلاحين ، التأميمات والقرارات " الاشتراكية " ... إلخ ) ، ومع تبلورالخط العـروبى والتحررى لنظام الرئيس " عبد الناصر " : المعركة ضد الأحلاف العسكرية ( مشروع ملء الفراغ لإيزنهاور ، حلف بغداد ، الحلف الإسلامى ، ... إلخ ) ، تأميم القنال ، حرب العدوان الثلاثى ، الوحدة ، ... إلخ : إذ " فى حين لاقت السياسة الداخلية للجمهورية العربية المتحدة تأييد " حركة القوميين العرب " ، لاقت سياستها العربية والخارجية تأييدا ً أكبر " (9) . وأدى وقوع الانفصال إلى مزيد من التقارب بين " عبد الناصر " و" الحركة " ، وخاصة بعد خطاب " عبد الناصر " فى الاحتفال بالذكرى الحادية عشرة للثورة ، ( 22 يوليو / تموز 1963 ) ، والذى دعا فيه إلى تكوين " حركة قومية عربية موحدة تندمج فيها كافة الحركات القومية فى الوطن العربى (10) . ومن هنا بدأ الاتصال المباشربين " الحركة " و" عبد الناصر " ، وبدأت التجمعات القومية ، ومن بينها " حركة القوميين العرب " تحل تكويناتها الخاصة ، فى أقطار عربية عديدة ، ك العراق وسوريا ، وغيرهما ، والاندماج فى تنظيم السلطة ( الناصرية أو المتحالفة معها ) ، " الاتحاد الاشتراكى العربى " ، و" قد ظل القوميون العرب ، خلال عامى 1964 , 1965 على اتصال وثيق بالرئيس " جمال عبد الناصر" ، فى وقت بدا فيه ممكنا ً توحيد كافة المجموعات الناصرية على الصعيد الإقليمى ، وكانت مجموعة " محسن إبراهيم " هى التى أخذت زمام المبادرة فى المؤتمر القومى للعام 1965 بتقديم اقتراح يتضمن دمج " حركة القوميين العرب " بالناصرية ، على الصعيد القومى " (11).
لكن هذه التجربة ، التى شابتها صدامات متتالية بين أعضاء " الحركة " و" الأجهزة " الناصرية ( البيروقراطية ) انتهت إلى فراق ، بعد أن أدرك كل من الرئيس " جمال عبد الناصر " و " حركة القوميين العرب " : " أن مشروعهما المشترك قد وصل إلى طريق مسدود " ، بل أنه " مع حلول العام 1967 ، كانت العلاقة مع " عبد الناصر " قد تدهورت إلى حد متدن جدا ً " (12).
وتكرس الفراق بين الاتجاهين فى أعقاب حرب يونيو / حزيران 1967 ، وماترتب على نتائجها الكارثية من تطورات ، بعد سلسلة من المؤتمرات لمناقشة الأوضاع المستجدة ، إذ كانت حصيلة هذه المؤتمرات ، التى بحثت الأسباب التى أدت إلى هزيمة الجيوش العربية : " الطلاق الكامل مع الناصرية " ، التى أدينت باعتبارها " حركة بورجوازية صغيرة محكوم عليها بالفشل " ، و( الدعوة ) إلى استبدال الناصرية " ببداية جديدة " من شأنها أن تغير" حركة القوميين العرب " : من منظمة شبه برجوازية إلى حزب لينين ى ـ ماركسى " (13) .
وعلى الرغم من انتهاء " شهر العسل " بين " الحركة " و" النظام الناصرى " ، فإن التقدير المتبادل بين" الحكيم " و" عبد الناصر" لم يتوقف ، ولم يمنع هذا الأمر من التعاون بين الطرفين فى المعركة المشتركة ضد الصهيونية والإمبريالية ، ورغم انتقادات " الجبهة " للعديد من السياسات والممارسات " الناصرية " ، فقد أبدى " عبد الناصر " ، دائما ً، استعداده لتدريب مقاتلى " الجبهة الشعبية " ، " وقد حدث ذلك بالفعل ، ففى مطلع 1969 أرسلنا إلى القاهرة عناصر لكى تتدرب ، وكان هؤلاء يعودون مدربين ، ومعهم السلاح الذى قدمته مصر إليهم " (14) .
وقد تفاجأ " الحكيم " بالوفاة السريعة للرئيس " جمال عبد الناصر " ، الذى " كان له فى نفسى مكانة الأب أو الأخ الأكبر أو الصديق العزيز " ، ( ... ) و" فى تقديرى أن " عبد الناصر كان فى إعداده السريع للجيش يُعًد للمعركة ، ولا أتصور أنه كان سيتنازل عن أرض 1948 مقابل أرض 1967 " .
" إننى أعرف عبد الناصر " جيدا ً ، ولا أعتقد أنه يمكن أن يسجل فى تاريخه أنه أول حاكم عربى اعترف بوجود إسرائيل "(15) .
تجربة شخصية :
وعلى المستوى الشخصى ، فإن ظروف مشاركتى فى أنشطة " جماعة أنصار الثورة الفلسطينية " ، التى تشكلت فى كلية الهندسة بجامعة القاهرة ، فى أعقاب مذابح " أيلول " / سبتمبر 1970 ، لدعم كفاح شعب فلسطين وثورته ، وكذلك اشتراكى فى قيادة الانتفاضات الطلابية الوطنية الديموقراطية ، ذات الطابع اليسارى ، فى مفتتح سبعينيات القرن الماضى ، والتى تفجرت فى الجامعات المصرية ، بعد الهزيمة فى 1967 ، للمطالبة بالإعداد لحرب التحرير ضد العدوان الصهيونى ، ولاسترداد الأرض المصرية والعربية المحتلة ، وأيضا ً بسبب زمالتى للعديد من رفقاء الدراسة بالقاهرة ، من مناضلى الجبهة ، كان منهم الرفيق " كايد الغول " ، قد وفرت لى الفرصة لأن ألتقى بالرفيق" جورج حبش " ، ببيروت ، فور وصولى إليها ، هربا ً من قرار اعتقالى ، ضمن 176 مناضلا اتهموا بالتحريض على الانتفاضة الشعبية المجيدة ، فى 18 , 19 يناير / كانون ثان 1977 ، والتى نعتها السادات بـ " انتفاضة الحرامية " ، تعبيرا ً عن كرهه الشديد لها ، وذعره الكبيرمن وقائعها ! .
ومنذ الوهلة الأولى للقائى بـ " الحكيم " ، وسط أصداء انفجارات القنابل المدوية ، وزخات الرصاص التى لم تنقطع ، فى بيروت الحرب ، بين الثورة وخصومها ، عام 1978 ، أسرتنى شخصيته اللمَاحة الدافئة ، وذكاؤه المتقد ، وتكشفت لى على الفور قدراته القيادية البارزة ، وتلمست ، فى التو ، عمقه الثقافى ، وصلابته الفكرية ، ونزاهته الأخلاقية ، واستقامته الأيديولوجية .
ورغم فارق السن بيننا ، ( هو من مواليد 1925 ، وأنا ولـُدت بعده بنحو ربع القرن ) ، ورغم أننى كنت ألتقى زعيما فلسطينيا بارزا ً ، كان ملء السمع والبصر فى العالم أجمع ، فى تلك الآونة ، فلم أشعر مطلقا ً بأن حاجزا ً ًما يقف بينى وبينه ، يمنع التواصل ، أو يحول بينى وبين التفاعل الإنسانى ، والثورى ، مع هذه القامة الكبيرة ، وأدركت آنذاك أن وصف " الحكيم " الذى أطلق لم يكن وحسب لأنه درس الطب ، أو لأنه مارس مهنة تشخيص الأمراض والعلل : أمراض الجسد وعلل الوطن ، وإنما أيضا ً ، وربما بالأساس ، لما تميز به من حكمة القائد ، وبـُعد نظره ، وعمق بصيرته .
وإذ تعددت اللقاءات بين " الحكيم " وبينى ، كلما تيسرت الظروف ، على امتداد فترة وجودى فى بيروت ، منذ أواخر عام 1978 ، وحتى ما قبل الغزو الصهيونى للعاصمة اللبنانية النبيلة ، عام 1982، بأيام ، دارت بيننا حوارات ممتدة حول كل مايهم الثورة الفلسطينية والعالمية، وأوضاع الأمة العربية ، والتحديات التى تواجهها والتهديدات التى تحيط بها ، وحول تجربة " الحركة القومية " وتحولاتها ، اقترابا من مواقع اليسار والماركسية ، وحول مصر ، أساسا ً ، والتطورات الجارية فوق أراضيها ، فى ظل اختطافها من قبل " السادات " ونظامه ، والتحولات العاصفة فى السياسة الرسمية المصرية ، التى ترتبت على زيارته " المشئومة للقدس المحتلة ، وتوقيعه اتفاقية العار ، اتفاقية " كامب ديفيد " ، وانقلابه على السياسة الوطنية والقومية لمصرفى عهد الرئيس " عبد الناصر" .
ولأن اهتمامه بمصر لم يكن أمرا ً عارضا ً ، بل كان نزوعا ً أصيلا ً لديه ، فقد كان رهانه على أبناء الشعب المصرى ، وثقته فيهم ، لا يشوبه شك أو يداخله ريبة ، وهو رهان حقيقى ينبع من إدراك واع للدور الاستثنائى ، الذى لعبه ، ويلعبه ، هذا البلد الكبير، فى تقرير مصير المنطقة ، ورهان " موضوعى " ، مبنى على دراسة معمـَقة لتاريخ نضال شعب مصر، على مَرالقرون ، وكـَر الأحقاب ، ولإدراكه الثاقب لتأثير التطورات داخل " أم الدنيا " ، مصر " المحروسة " على القضية الفلسطينية ، وقضايا الأمة العربية ، ، سلبا ً وإيجابا ً .
وأذكر، فى هذا السياق ، وكيف لى أن أنسى ، قوله لى ، فى أعقاب توقيع " السادات لاتفاقية " كامب ديفيد " المشئومة : " إن دور مصر فى المنطقة هو الأساس ، وخروجها عن ساحة الصراع خسارة كبيرة لنا جميعا ً، ستترك آثارا ً سلبية هائلة على كفاحنا ومسيرتنا . وعلينا أن نبذل جهدنا الأقصى لكى نقاوم مسار تصفية القضية ، حتى تعود مصر إلى سابق عهدها ودورها "
وفى المرات الأخيرة التى قيض لى الالتقاء بـ " الحكيم " بدمشق ، استمر الحديث المتقطع بيننا ، رغم مرضه وإشفاقى الشديد عليه من إرهاقه صحيا ً ، وقد لاحظت تصاعد اهتمامه بقضية الديموقراطية ، " الفريضة الغائبة " فى بلادنا ! .
كان وعيا ً عميقا ً يتأسس لديه حول مركزية قضية الديموقراطية فى نضال الشعب الفلسطينى وسائر أبناء الأمة العربية ، وباعتبارها مدخلا ً لا بديل عنه لهزيمة قوى الأعداء ، فقد كان يرى " أننا فشلنا ، وأن جزءا ً كبيرا ً من هذا الفشل يعود إلى أننا لم نكن ديموقراطيين ، والديموقراطية يجب فهمها بشمولية : فى البيت والمدرسة والحزب والجمعية . إنها تعنى الحوار واحترام الرأى الآخر ، وتأسيس آليات ، وبنى تحولها إلى نظام حياة ، وتشمل الاقتصاد والسياسة وتداول السلطة ... إلخ " (16) .
ومع التطورات العاصفة المصاحبة لاشتداد وتيرة الكفاح من أجل الدبموقراطية والحرية والتغيير الديموقراطى ، فى مصر، منذ أواخر عام 2004 ، تشكلت " الحركة المصرية من أجل التغيير " ، ( كفايه ) ، وكان لى شرف المشاركة فى تأسيسها ، وهى الحركة التى رفعت شعار " لا للتمديد ... لا للتوريث " ، فكسرت حاجز الرهبة من بطش السلطة ، وانتزعت حق التظاهر فى الشارع ، وفتحت بوابة الاحتجاج السياسى والاجتماعى ، فى مصر ، على مصراعيها .
ولذا كان من الطبيعى أن يحتل الحوارحول تطورات الصراع من أجل الحرية فى مصر ، ومعوقات النهوض الجماهيرى فى وجه قهر السلطة وطغيانها ، جانبا ً كبيرا من اللقاءات مع رموز الجبهة وقيادييها ، كما مع " الحكيم "، فى اللقاءات التى تجددت فى الفترة الأخيرة من حياته ، وشارك فى جانب كبير منها ، الرفيق المناضل " أبو أحمد فؤاد " ، القيادى بالجبهة ، خاصة ً بعد أن شرفنى " الحكيم " باختيارى عضوا ً فى مجلس أمناء " مركز الغد العربى للدراسات " ، ومقره مدينة دمشق ، باعتباره المنبر الحى ، الذى آثرأن يطل عبره ، على أبناء شعبه ، ورفاقه ، ومحبيه ، بعد أن قدم مثلا ً يحتذى بالاستقالة من موقع " الأمين العام " لـ " الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين " ، قانعا ً بدوره الثفافى من أجل تنمية الوعى العربى العام بأبعاد صراع المصير ضد الإمبريالية والصهيونية ، وأشياعهما فى بلادنا ، ولكى يضرب ـ مجددا ً المثل ، فى الإيثار ، ولتجديد دماء الجبهة ، ورفدها بمجموعة جديدة من القيادات ، رفيعة المقام ، من نوعية المناضلين الكبيرين : الشهيد " أبو على مصطفى " , والأسير " أحمد سعدات " ، ورفاقهما .
هذه لمحات من مسيرة حافلة لرمز من رموز كفاحنا وكفاح شعب فلسطين ، نعرف جميعا ً كم كان عطاؤه وكم كانت تضحيته .
لم يمت " الحكيم " ،
فهو يحيا فى وجدان شعبه وضمير وطنه .
لقد " انتقل " وحسب .
صعد ،
لإنه ـ كما يقول " محمد إقبال " ـ " مقامه لا يمكن أن يكون تحت قبة القصر الملكى " ،
فهو نسر ،
والنسور "... مقامها " قمم الجبال " ! .
************
نم قرير العين يا رفيقنا الغالى :
فهاهى مصر التى راهنت عليها حين شكك فيها الآخرون، وآمنت بها حين كفر بها الكثيرون ، هاهى مصر لم تخذلك ، ثارت على جلاديها ، وحطمت قيودها ، وعادت كما كنت تأمل إلى "سابق عهدها ودورها " ،
عادت إلى فلسطين
والعروبــــة ،
والثــــــــــورة ،
والكرامـــــــــــــة .
الهوامش :
1 ــ فؤاد مطر ، حكيم الثورة : قصة حياة الدكتور"جورج حبش " ، الطبعة الأولى ، منشورات " هاى لايت " ، لندن 1984 ، ص : 14.
2 ـ فؤاد مطر ، ، مصدر سبق ذكره ، ص : 17.
3 ـ المصدر السابق ، ص ص: 28 ـ 29 .
4ـ باسل الكبيسى ، " حركة القوميين العرب " ، مؤسسة الأبحاث العربية بيروت ، 1985 ، ص : 91 .
5 ـ المصدر نفسه ، ص ص : 92 ـ 93 .
6 ـ فؤاد مطر ، مصدر سبق ذكره ، ص : 55 .
7 ـ المصدر نفسه ، ص : 57 .
8 ـ المصدر نفسه ، ص : 65 .
9ـ المصدر نفسه ، ص : 102 .
10 ـ المصدر نفسه ، ص : 109 .
11ـ باسل الكبيسى ، مصدر سبق ذكره ، ص : 111 .
12ـ المصدر نفسه ، ص : 113.
13ـ المصدر نفسه ، ص : 114.
14ـ فؤاد مطر ، مصدر سبق ذكره ، ص : 108 .
15ـ فؤاد مطر ، مصدر سبق ذكره ، ص : 112 .
16ـ محمود سويد ، التجربة النضالية الفلسطينية : حوار شامل مع جورج حبش ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت ، 1998، ص : 115 .

