الحرب على التربية والتعليم، والمصطلحات، والرواية التاريخية، هي حرب في صلب الصراع الفلسطيني-الصهيوني، حرب أدواتها التلاعب بالعقول، ومسح الوقائع وتزويرها، وكي الوعي لتقبل ما يقوله العدو، والرضى به، باعتباره الحقيقة التي يحاول "المنتصر" فرضها على "المغلوبين"،في محاولة لتحقيق ما يمكن أن نسميه، "التطهير العرقي المعرفي" بما يتجاوز "بوتقة الصهر" بمراحل.
صراع المغلوبين للمحافظة على الذات تاريخي ومصيري، ينجحون أحيانا ويفشلون أحيانا أخرى لأسباب مرتبطة بشدة القمع وقسوة الهزيمة واستسلام النخب السياسية والثقافية للأمر الواقع.
كتاب المدنيات الصهيوني الجديد "أن نكون مواطنين في إٍسرائيل" الذي من المفترض أن يتم فرضه على الطلبة الفلسطينيين في الداخل ابتداء من العام القادم، بعد ست سنوات من مراجعته وتنقيحه وتغيير بعض جوانبه، لايبتعد عن هذه الحرب وطبيعتها، وعلى الطالب الفلسطيني أن يقبل أن فلسطين هي "فلستينا" وأن "البلاد" هي "أرض إسرائيل" وأن " القدس "هي "أورشليم القدس" وغيرها، مما يهدف إلى تزييف الوعي، والرضى بالواقع الاحتلالي، الذي لايكتفي بابتلاع الأرض والموارد، ويريد الآن مصادرة مستقبل أصحاب الأرض الأصليين عبر مصادرة وعيهم بذاتهم وقضيتهم وبلدهم.
وهو كتاب، رغم صدوره عن مؤسسة احتلالية، لم يشف غليل وزارة نفتالي بينت الفاشية، التي أجبرت المترجمين على تحريف الترجمات، لتنتج مصطلحات مشوهة، تجهيلية، لاتمت للواقع بصلة، كتاب عبارة عن قنبلة عرقية متفجرة جديدة تلقى في وجوهنا لم يتردد مسؤولون "إسرائيليون" في الوزارة ذاتها بالقول إنه يعزز أجندة سياسية يمينية ومحافظة، كما نقلت يديعوت أحرونوت في تقريرها المطول عن الموضوع.
ونحن نعلم أن هذا الأمر ليس جديدا، بل هو جزء من تاريخ الصراع، تزييف الأسماء والمواقع والجغرافيا ارتبط مبكرا بالاستيطان، وهكذا صار استخدام المصطلحات العبرية للدلائل على المواقع االجغرافية في فلسطين، أمرا واقعا للأسف سواء بقوة المعايشة اليومية أو الركون للغالب في تفاصيل حياتنا اليومية المنضبطة لأحلامه ومساعيه.
نعلم اتصاف تعليم "الأقلية العربية" بتبعيته التامة للقيم والمناهج بالتعليم اليهودي، ونعلم أن 4% فقط تقريبا من حصص التاريخ في المنهاج العربي مخصصة للتاريخ اليهودي والصهيوني ونسبة التاريخ العربي لا تتجاوز 20% وفي مجال الثقافة والأدب فيتحتم على خريج الثانوية العربي أن يعرف عن بياليك (الصهيوني) أكثر مما يعرف عن المتنبي شاعر العربية. وفي دراسة أجراها البروفيسور ماجد الحاج بحث فيها أهداف التعليم العربي، ومضامينه مقارنة مع التعليم اليهودي في مواضيع التاريخ واللغتين العربية والعبرية، والمدنيات والدين، استنتج الحاج أن السياسة الرسمية في مناهج التعليم تجذر الشعور القومي في المدارس اليهودية وتحاول في المقابل طمس المضامين القومية في المدارس العربية بحجة السعي لخلق جيل عربي مخلص لإسرائيل بينما الهدف في الحقيقة هو إبعاد الطلاب العرب عن كل ما ينمي لديهم الشعور القومي عكس أهداف التربية اليهودية.
وهذا الكتاب ليس الحالة الأولى بطبيعة الأحوال، ولنمتذكر ما يسمى "مشروع المئة مصطلح" الذي حاولت التربية الصهيونية فرضه في مناهج التعليم، قبل سنوات طويلة، والذي مثل نموذجا عن تلاعب الفاشية والذي حاولت الوزارة إرفاق مع خطة ددوفرات للتغيير الشامل في بنى ومضمون جهاز التعليم "الإسرائيلي" والتي تمكن المحتل من تطبيقها جزئيا في المرحلتين الابتدائية والإعدادية في عهد الوزيرة ليمور ليفنات الليكودية المتطرفة، بدعم من رئيس الحكومة آنذاك أريل شارون، وكانت الخطة تشمل وفق تصريح رئيسها د. يعقوب كاتس إلى «بلورة الوسائل لتعميق القيم الصهيونية والديمقراطية لدى الناشئة الإسرائيليين» ويلاحظ انه رغم التوزع المتساوي للمصطلحات بين الصهيونية والديمقراطية أن المضامين الصهيونية تطغى في الخطة على حساب التربية للهوية المدنية، ناهيك عن أن هذه المصطلحات متنافية أصلا جوهرياً.
بموجب تلك الخطة يتم فرض مضامين خاصة بالحركة الصهيونية وبروايتها التقليدية على التلاميذ العرب في محاولة من وزارة المعارف (آنذاك) للتأثير على صناعة الهوية للمواطنين العرب، حيث أظهرت قائمة المصطلحات المكرسة للعرب الرغبة في إنتاج العدمية في القومية، كأن تاريخ العرب قد توقف في العصور الوسطى، دون ذكر للتاريخ الحديث أو إلى الوجود الفلسطيني في البلاد، كما خلت القائمة المعدة للطلاب اليهود من المواضيع التي تشي بالوجود العربي في البلاد، كما ازدحمت النصوص المعدة للعرب بـ (التعاون) و (السلام) وغيرها بينما المعدة للتلميذ اليهودي ازدحمت بـ (الإرهاب العربي) و (تمجيد منظمات الفاشية مثل إيتسل وهاجاناة) وقد وصف نبيه أبو صالح رئيس اللجنة العليا لمتابعة شؤون التعليم العربي في حينه أن خطة (المائة مصطلح) تشكل لبنة جديدة في السياسات اللا إنسانية واللا ديمقراطية التي تمارسها حكومة "إسرائيل" ضد العرب.
للتذكير أيضا، وكمثال على التضليل الساطع ورد تعريف (حرب الاستقلال) كالتالي: «حرب الاستقلال (1947-1948) بدأت هذه الحرب والتي تسمى أيضا حرب التحرير في 30 نوفمبر تشرين الثاني 1947 أي في اليوم التالي لصدور قرار هيئة الأمم المتحدة بتقسيم البلاد، إلى دولتين. شن العرب سكان البلاد الحرب على سكان البلاد اليهود.. » ونورد هنا كدليل بحث قائمة المصطلحات الخاصة بكل فئة: المعد للمدرسة العربية: ابن خلدون، ابن رشد، ابن سينا، الاستسقاء، أسواق العرب، أهل الكتاب، البلاغة، التقويم الهجري، الثالوث المقدس، الجاهة، الجاهلية، الحج، الحديث، الخطابة، الخليفة، الخيمة، الشريعة، الصلح، العماد، العهد الجديد، الضيافة، عيد الأضحى، عيد الفطر، الفولكلور، القرآن الكريم، الكلام، الكنيسة، المؤذن، المروءة، المسجد، المطران، المعلقات، الموشحات، الميلاد المجيد، وبالتأكيد لا يخفى على القارئ تغييب المصطلحات الهامة التي تجعل لوجود القومي معنى واقعيا مرتبطا بالمثل والقدوة والتي تشكل عمادا أساسيا لارتباط الطلاب العرب بعروبتهم القومية وتاريخهم وتراثهم.
وبالمقابل يجبر التلاميذ العرب على دراسة قائمة مصطلحات الصهيونية المعدة لهم وهي: إعلان قيام الدولة، اليعزر بن يهودا، اميل حبيبي (لاحظ التزييف في وضع الكاتب العربي ضمن قائمة المصطلحات الصهيونية)، أنواع الاستيطان، إيلي كوهين، البارون روتشيلد، بنيامين زئيف هرتسل، بيت الكرمة، التاسع والعشرون من نوفمبر، جيش الدفاع، حروب إسرائيل، جفنة بينيش، حاماه ومجدال (سور وبرج)، حاييم نحمان بياليك، حاييم وايزمن، دافيد بن غوريون، زئيف جابوتنسكي، سارة أهروتسون، شموئيل عفنون، عبد العزيز الزعبي، مؤسسات قومية، محاكمة أيخمان، مسرح هيمار، معاهد التعليم العالي، مناحم بيغن، عسكرية قبل قيام الدولة، الهجرات بعد قيام الدولة، المطران حجار، هنريتا سولد، وعد بلفور، اسحق رابين، يد فاشيم (نصب المحرقة).
وهكذا كان الهدف أن يفرض على التلاميذ العرب دراسة نكبتهم باعتبارها "مجد إسرائيل" وعن القتلة الذين تسببوا بدمار شعب فلسطين كأبطال.
بالتالي لاجديد في كتاب المدنيات الجديد، ربما، في سياق تارئيهي لعملية كي الوعي وتزييفه، وهو أمر يستدعي الغضب طبعا وأقل ما يقال فيه أنه يحتوي "مصطلحات منفصلة مهينة تعكس ترجمة متفجرة" على حد وصف مسؤول في التعليم العربي في الداخل.
الكتاب الجديد الذي سيتم توزيعه هو في الواقع ترجمة لكتاب "سياسة وحكومة إسرائيل،" للبروفيسور أبراهام ديسكين، وترجم من العبرية بتمويل من وزارة التربية والتعليم، وترجمة مدرسية جديدة بتمويل من منتدى الكتب الجامعية.
وقد كشفت المذكرات المتبادلة بين الوزارة والمترجمين التي حصلت عليها صحيفة يديعوت أحرونوت عن أن الوزارة أجبرت الفريق على تغيير بعض المصطلحات من الكتاب -واعتمدت التغييرات في نهاية المطاف النسخة النهائية- وتجدر الإشارة إلى أن بعض أعضاء فريق المترجمين كانوا مواطنين العرب، ولكن فريق من وزارة التربية والتعليم، هو الذي كان مسؤولا عن توفير التعليقات والموافقة النهائية على الكتاب ولم يضم في صفوفه أي عربي.
يزعم أحد أعضاء اللجنة أن "ما يميز كتاب البروفيسور ديسكين هو أنه أكثر عمقاً من الكتابين الآخرين " ، بالإضافة إلى أنه أكثر موضوعية ويجلب الحقائق. لا يقول ، "عليك أن تفكر هكذا" ، ولا توجد بيانات إيديولوجية مثل الكتابين الآخرين، وهو استتناج يليق بالعقل الفاشي الذي يقف وراء هذا المشروع.
وطبعا من الممكن تفهم هذا الترحيب، باعتبار أن الكتاب الجديد جاء ردا على التشكيك الغامض بشرعية "دولة إسرائيل" في الكتب الأخرى باعتبارها "قومية يهودي" وإضافة المزيد من التبريرات التي تعزز هذه الشرعية، وطبعا هذا يأتي منسجما تماما مع المشاريع العنصرية الأخيرة وبالذات قانون "الدولة القومية" الأخير ومنسجما تاماما مع النهج الذي يتبعه نفتالي بينت (البيت اليهودي) على رأس وزارة التربية والتعليم، ويه سياسة تم الاعتراف علنا إنها "تهويدية" معادية للعرب، تستهدف إخضاعهم تماما لمقولة الدولة القومية اليهودية واحتياجاتها.
ويزعم متحدثون صهاينة أن هذا الكتاب يأتي لتغطية غياب كتاب في المدنيات في المدارس العربية، بينما يوجد ثلاثة كتب في المدارس اليهودية بالإمكان الاختيار من بينها.
نذكر أخيرا أن مناهج تعديلية للعرب، كان تم إطلاق خطتها منذ ثماني سنوات في عهد الوزير الليكودي جدعون ساعر، للتأكيد على فكرة "دولة إسرائيل - الدولة القومية للشعب اليهودي".
وقد أشارت التغييرات حينها رغم أنها وصفت بـ"المعتدلة نسبيا" بالتأكيد على اتجاه لمزيد من القومية وإلى المزيد من اليهودية، وحتى قبل سنوات من تمرير قانون "القومية" أشارت التعديلات حينه إلى خصائص "دولة إسرائيل" كدولة يهودية بما يشمل جوانب مختلفة من مكان القانون اليهودي في المجال العام ، فضلا عن مناقشة وضع اللغة العبرية كلغة رسمية، وحيدة، كما أدرج التقويم اليهودي والعطلات والرموز وتعريف الطلاب على المجتمعات اليهودية في الشتات والتركيز على الهوية اليهودية المتنوعة في العالم.
في النهاية، نعيد التأكدي أن هذا الكتاب االذي تشي طولة مدة الإعداد له، باستراتيجيته في التربية الصهيونية، ليس سوى طلقة أخرى، واستكمال لمراحل طويلة من هذا النهج، ورفض التعامل معه، هو خطوة واحدة من سلوك لابد من اتباعه يشمل كل مؤسسات دولة الاحتلال، ونهجها الفاشي الإمحائي.

