Menu

تحليلالكاهانية ليست مفاجئة وليست تفاحة فاسدة في الكيان

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

ردا على الانتقادات بخصوص التحالف مع حزب "السلطة اليهودية" الفاشي، رد رافي بيرتس زعيم "البيت اليهودي" إنه عندما يحترق المنزل "لا يهمني محاكمة من يساعدني على إطفاء الحريق"، وتبدو هذه الإجابة نموذجية في سياق الحالة السياسية الصهيونية المتسمة بالنفعية عماما، ولكنها في الجوهر أيضا تعكس حقيقة عدم وجود خلافات جذرية تمنع هذه الأحزاب من التوحد حول القيم الفاشية العامة التي تطبع الكيان الصهيوني، وهذا الأمر لايحدث على اليمين فقط، بل أيضا على الجانب الآخر من الخريطة السياسية، فحتى يائير لابيد، لايتردد بالقول إنه مستعد للذهاب في حكومة مع الليكود بعد التنخلص من نتيناهو، وهذا الواقع الذي يسم الخريطة السياسية الصهيونية بعقيدة واحدة ثابتة جوهرها العداء للفلسطينيين، يجعل الحديث عن رحيل بنيامين نتنياهو أمرا فائضا عن الحاجة التي يتطلبها تحليل سياسي متين وصادق.

لذلك لايمكن أن يكون المرء متفاجئا من دخول عصابة كاهانا من جديد إلى الكنيست وإعادة إحيائها على يد بنيامين نتنياهو، كون صعود حزب يدعو إلى التفوق اليهودي، والحكم الديني والحرب الشاملة ضد الفلسطينيين ليس أمرا خارقا في السياسة الصهيونية، فما الذي كان يقوله نفتالي بينت، وليبرمان، وشاس والاتحاد اليهودي ونتنياهو بالطبع وفريقه الليكودي طيلة السنوات الماضية؟ هل كانوا يتغنون بالسلام مع الفلسطينيين؟

ورغم ذلك، فإن انفتاح نتنياهو تجاه حزب "أوتسما يهوديت" ليس غريبا، في سياق شخصيته السياسة التي تميل إلى جذب ذباب المفكرين المتطرفين من الخارج لدعمه وهذا يعكس نوعية الأشخاص الذين يحب نتنياهو أن يكونوا بالقرب منه، ولكن علينا ألا ننسى أنها ليست مشكلة نتنياهو، بال النظام السياسي الصهيوني، الذي ينجرف إلى التطرف، ومن الصعب على أي باحث جاد أن يجد فرقا جوهريا بين الليكود وقائمة بني غانتز، وحتى عمالي مزعوم كآفي غاباي، لم يتردد في دلق آرائه اليمينية التي تنسجم مع الإجماع القومي.

بالتأكيد لا يمكن سوى القول أن مائير كاهانا، الذي يستحضره نتنياهو كان فاشيا معياريا إن صح التعبير، ورغم ذلك يتجنب النقاش السياسي الصهيوني متعمدا الإشارة إلى الجذور الفاشية للكاهانية وحزبها الجديد، باعتبار أن الصهيونية تزعم مناهضة النازية والفاشية، وهذا يمنع أي نقاش جديد في الوسط السياسي والحزبي الصهيوني حول هذه الظاهرة.

ورغم اغتيال كاهانا عام 1990 في نيويورك، وحظر حركته "كاخ" في الكيان كمنظمة إرهابية عام 1994، وكذلك في الولايات المتحدة، إلى أن الكاهانية استمرت، عبر شخصيات حضرت بقوة في السياق الصهيوني على مدى العقود الماضية، مثل الأعضاء الأساسيين في "السلطة اليهودية" باروخ مارزل، إيتامار بن جفير، ميخائيل بن آري، وبينزي غوبشتاين وهؤلاء جميعهم تلاميذ كاهانا ونشطاء سابقون في "كاخ".

لايوجد فرق كبير بين البيان الانتخابي لـ "السلطة اليهودية" مع حركة "كاخ" وبرنامجها، فاليوم أيضا صار هذا البرنامج جزءا من التنافس الانتخابي الشرعي في الكيان الصهيوني، حيث يطالب الحزب بتطبيق القوانين اليهودية، وتغيير نظام التعليم والحرب الشاملة، وضم الضفة الغربية وغزة، وطرد الفلسطينيين، وإنهاء شتات اليهود في العالم لتحقيق النقاء العرقي في الدولة اليهودية ومنع اندماج اليهود في الشعوب الأخرى.

أمنيا يطالب الحزب بتغيير الاستراتيجية الأمنية لينتقل الجيش من سياسة الاحتواء إلى "التدمير والإزالة" وهكذا فقط برأيه يتم استعادة "الردع".

الحرب الشاملة، الطرد، الإبادة، القانون الديني الأرثوذكسي الإلزامي، محاربة الاجهاض، ، التفوق العرقي - تلك كانت بطاقات الدعاية الكاهانية، قبل ثلاثين عاما، وهي اليوم ذاتها، القيم التي ينادي بها حزب طلب منه نتنياهو التوحد مع غيره للذهاب إلى الكنيست، فهل فعلا "كاخ" مازالت محظورة في الكيان الصهيوني، أم أن حظرها أصلا كان لأسباب دعائية ترتبط بالوضع االدولي والدعاية "الإسرائيلية".

من صور التضليل الأخرى، أن يبدأ النقاش مع أشخاص مثل نتنياهو وكاهانا باعتبارهم يشوهون "القيم الإسرائيلية" وخارجين عن النسق، وكأنهم لايمثلون "الإجماع القومي " في دولة اليهود المزعومة.

من أين أتى كهانا بمصطلح "الطرد" أليس من ديفيد بن غوريون، أحد أبرز مؤسسي الدولة، ومنذ متى كان الزواج بدون الحاخام ممكنا في الكيان، جماعة "السلطة اليهودية" لم يخترعوا الأمر بل أسس له ديفيد بن غوريون، وهل "السلطة اليهودية" والليكود هي من احتل القدس والضفة عام 1967، أم أن العمل هو الذي قاد تلك الكرب، أليست الكنيست التي يقودها حزب العمل عي التي أعلنت ضم القدي، أليس "التهديد اليدمغرافي" في صلب أدبيات الليكود والعمل وجميع الأحزاب والحكومات الصهيونية عبر تاريخه، وليست أبدا من اختراع كاهانا وعصابته. أليس جدار الفصل العنصري هو جزء من الاجماع القومي الصهيوني، وكذلك المستوطنات، والفصل العرقي، والقدس؟

إن وصول "السلطة اليهودية" إلى الكنيست ليس سوى تعبير قد يعتبر فجا، حتى بمعايير منظمة كالآيباك، ولكنه في الحقيقة تتويج أو جزء من سياق طبيعي للطابع اليميني للدولة الصهيونية، وهو طابع تعزز طبعا في العشرين عاما الأخيرة ليزيل حتى العناصر التجميلية اسلابقة، معبرا عن جوهرية هذه الدولة وحقيقتها.

لذلك، لا نتنياهو، ولا "السلطة اليهودية" هما الثمار السيئة التي تفسد الصندوق، فـ"إسرائيل" كلها صندوق فاسد، لايمكن إصلاحه، والحل بتفكيكه وإزالته من العرض العام نهائيا.