منذ أواخر فبراير تمتلئ شوارع الجزائر بالجماهير المنتفضة، ومع كل "تراجع" للفريق الحاكم يتلمس الحراك الاحتجاجي ويصيغ مطالب إضافية، لضمان تحقيق تغيير حقيقي ينعكس على حياة الشعب الجزائري، في بلد غائب نسبيًا عن الإعلام العربي، تبدو تكهنات المحللين والخبراء اللاهثين للحاق بالحدث الجزائري ضرب من الاستشراق أكثر من كونها تحليلات تستند لإدراك ووعي حقيقي بطبيعة هذا البلد العربي وتاريخه.
يتابع الإنسان العربي ما يجري في بلد المليون شهيد، متخوفًا من نهايات مأساوية آلت إليها تطورات الثورات والحراكات الشعبية في بلدان عربية عدة، ولكن مع ذلك لا أحد يجرؤ على القول بعدم أحقية الشعب الجزائري في صناعة تجربة التغيير الخاصة به، بعيدًا عن نماذج تجري محاولة لتعميم تخيلها كمآل حتمي لأي حراك جماهيري مطالب بالتغيير، أو عن محاولات لاستلاب الاحتجاج الجزائري وتوظيفه من قبل أطراف عدة طالما عاثت خرابًا أو استعمار في بلادنا العربية.
أولًا/ بلاد في زمن الثورة:
"يا فرنسا قد ولى زمن العتاب وطويناه كما يطوى الكتاب"، هذا مقطع من السلام الوطني الجزائري، فعلى عكس بلدان عربية عدة انتكست نظمها ونخبها وتخلت عن شعارات التحرر العربي والاستقلال القومي ومعاداة الاستعمار، لا زالت الجزائر تستحضر جو الثورة التي انتهت بكنس الاستعمار الفرنسي، منتزعة استقلال مخضب بدماء حوالي مليون شهيد، فالعروبة لم تسقط بالنسبة للجزائري، و فلسطين لا تزال بوصلة مركزية واضحة لا تعرف التحريف أو التلعثم على لسان كل جزائري، والعداء للاستعمار واضح وضوح الشمس، هذه حقائق حاضرة في المجتمع والشارع الجزائري.
على المستوى الرسمي لا تبدو السلطات الرسمية بهذه الثورية، لكنها أيضًا لا تتخلى عن القضايا المركزية للشعوب العربية، ولنقل أنها لا تستطيع التخلي عن هذه القضايا بالحد الأدنى، وحتى في علاقاتها الدولية رفضت السلطات الجزائرية مرارًا وتكرارًا إحداث تغيير في النشيد الوطني للبلاد بما يطوي صفحة العداء الخطابي لفرنسا بلد الاستعمار.
النخبة الحاكمة في الدولة الجزائرية لا زالت تستمد مشروعيتها، وتستند بإرثها لحرب التحرير، بل إن الشخصيات التي يجري تلقف أسماؤها من قبل الإعلام العربي بوصفهم رجال الجزائر الأقوياء هم بشكل أو بآخر من امتدادات حقبة التحرير أو حملة لبعض من ارثها؛ فالرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة كان من رجال جبهة التحرير، ولاحقًا دبلوماسيًا عمل في خدمة الرؤساء المتتابعين من قادة جبهة التحرير، ويكفي أن نراجع أسماء رؤساء الجزائر تباعًا حتى نكوّن فكرة عن حضور تلك الحقبة في واقع السلطة والدولة الجزائرية، وأوسع وأعمق من ذلك في المجتمع الجزائري.
ثانيًا/ أوهام التنميط:
يستند العديد من المتابعين لتشابه بدايات الحراك الجزائري النشط مع بعض النماذج العربية، أو لتشابه بعض مظاهر السلطة في الجزائر مع أخرى في بلدان عربية للحكم القطعي بتشابه النتائج والمآلات النهائية.
السردية الأولى تربط الحراك الجزائري بحتمية اتخاذ مسار نظيره المصري في ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، بالاستناد للدور القوي للمؤسسة العسكرية في الجزائر، ولاستهداف الجمهور الجزائري للنخبة الاقتصادية من رجال الاعمال المحيطين بالرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة وعائلته، فيما تنبت سردية ثانية تضع النموذج السوري كمسار للحراك الجزائري مستندة للتنوع العرقي في التركيبة الجزائرية من عرب وأمازيغ، والأشكال في هذه النمذجة إغفال للتفاصيل الحقيقية لتاريخ الجزائر ومجتمعها وتطورات القوى فيها وطرق صعودها، أو حتى جدليات التجاذب بين مراكز القوة في هذا البلد، والنماذج السابقة.
فهل يدرك من يصفون هذه النماذج للمتابع العربي ما الذي تركته "العشرية الحمراء"، لدى المواطن الجزائري من دروس، وتشبث بالسلم الأهلي ورفض لأشكال الاقتتال؟ وهل تابع هؤلاء اختلاف طريقة تعامل الدولة الجزائرية مع المحتجين عن النماذج العربية المناظرة، والمكونات المهنية والنقابية والاجتماعية البارزة واللافتة في مشاركتها في هذا الحراك؟ وهل خضعت الأطر الطلابية والنقابية في الجزائر لفحص جدي في هذه المتابعات؟
قد يكون هناك جزم بشأن تأثير اختلافات المسار التاريخي للحالة الجزائرية، على مآلات هذا الحراك وفرصه، لكن على سبيل المثال لا الحصر، لنتناول سنوات سنوات "العشرية الحمراء" التي شهدت الاقتتال الواسع في مواجهة الحركات الجهادية مطلع التسعينيات، والتي دفع الشعب الجزائري ثمنها غاليًا من دمه واستقراره، وأعادت تصعيد دور المؤسسة العسكرية واقترابها من السياسة مجددًا، وحتى مساهمتها في اختيار عبد العزيز بوتفليقة كرئيس للجزائر، وصياغته للمصالحة الوطنية التي أسهمت في إعادة الاستقرار المجتمعي والسياسي للجزائر بشكل كبير.
عن صراعات الجزائر:
عرفت الجزائر منذ الاستقلال صراعات متكررة على السلطة، لعل أبرزها كان في الحركة التصحيحية التي قادها وزير الدفاع ونائب رئيس المجلس الثوري "هواري بومدين" وأزاح بها رفيق دربه "أحمد بن بلة" عن كرسي الرئاسة ووضعه قيد الإقامة الجبرية. ومع ذلك يمكن النظر لما تركته هذه الصراعات من خبرة سياسية لدى رجال الدولة الجزائرية، في كيفية إدارة خلافاتهم وحتى تجاذبهم في السلطة وعمليات صنع القرار.
ففي ١٩/ يونيو/ ١٩٦٥، أزاح بومدين إلى جانب ١٩ من ضباط الجيش الجزائري رئيس الجزائر أحمد بن بلة للخلاف مع الأخير في طريقة إدارته للبلاد، ومع هذا لم تشهد الجزائر اضطرابًا يذكر آنذاك، واستمرت سياساتها الخارجية في نفس الاتجاه الداعم لحركات التحرر في العالم وخصوصًا في أفريقيا والعالم العربي، ولم تعرف الجزائر في عهد بومدين انقلابًا على سياساتها داخليًا أو خارجيًا. وفي إحصاء بسيط لمسيرة رؤساء الجزائر، فقد توفي واحد منهم فقط بينما هو في السلطة، بينما انسحب الآخرين طوعًا، واغتيل محمد بوضياف لتوجه أصابع الاتهام في اغتياله لحزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحل آنذاك، والذي تبنت تشكيلاته المتفرعة العنف الجهادي ضد السلطات الجزائرية، فبشكل أو بآخر أثبت جهاز الدولة الجزائري خبرة على تبديل رأسه، والمضي قدمًا بسياسات تتمتع بقدر كبير من الثبات، وإن كان ما يميز التحدي الحالي الذي يمثله الحراك، في قدرة هذا الجهاز على استيعاب المطالب الجماهيرية والحفاظ على حالة السلم الأهلي والمجتمعي في الوقت ذاته.
ثالثاً/ أخطار تهدد الجزائر:
بقي الجيش الجزائري والمؤسسة العسكرية إجمالًا هو الوريث الأبرز لإرث جبهة التحرير، التي قادت حرب الاستقلال ضد المستعمر الفرنسي، ولعل التماسك الكبير لهذه المؤسسة لعب دور أساسي في خلق نوع من الاستدامة المعقولة في نمط السلطة السائدة في الجزائر، وفي ظل الحراك تبدو المؤسسة العسكرية في قلب الحدث، فأي خلل ميداني أو اصطدام بالجمهور سيضع الجيش في موقف يهدد صورته وهويته، هذا الصدام يجري التبشير به بل والتنظير له في إعلام الفضائيات العربية، كما لو كان ضرورة ثورية ستعود بالمكاسب على المحتجين ومطالبهم، وهو ما يعيد للأذهان تهديد آخر تمثله المجموعات والتيارات الجهادية بإرثها الدموي في الجزائر، أو بنشاطها اللافت والمتزايد في منطقة المغرب العربي خلال العقد الأخير، خصوصًا مع التطورات العاصفة في الجارة ليبيا ، والتي قد تصل مفاعيلها للجزائر إذا ما حدث أي اهتزاز أمني فيها.
محاولات الوصاية الغربية على أي حراك عربي لم تنقطع حتى في الحالة الجزائرية، فرغم الهدوء النسبي في التصريحات الإعلامية التي تطال الحدث الجزائري، تبدو التحركات الاستخبارية والاتصالات التي تحاول تحريك خيوط في المشهد الجزائري كثيفة، أبرزها التحركات الفرنسية الهادفة للتأثير على مسار الأحداث، هذا بجانب الدور الأمريكي الحاضر بشكل خطير.
العامل الاقتصادي:
في بلد تبلغ نسبة البطالة فيه ١١% فإن وصول نسبة بطالة الشباب لمعدل ٢٩% من بين الشباب الجاهزين للعمل هو مؤشر مهم يجب الوقوف عنده طويلًا، خصوصًا في ظل وجود منظومة اقتصادية تمزج بين تبني اقتصاديات دولة الضمان الاجتماعي، وبين نموذج القطاع الخاص المتنامي والصاعد في عهد الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة. وبالعودة لقائمة مطالب المتظاهرين نجد باستمرار موقف واضح من "العصابة"، وهو المصطلح الدارج للإشارة إلى مجموعة رجال الأعمال المستفيدة من فترة حكم الرئيس بوتفليقة ومن نفوذ شقيقه "سعيد بوتفليقة".
خاتمة:
من المخل تفسير الحدث الشعبي الجزائري المهيب استناد لعامل واحد، أو افتراض سرديات وإسقاطها على المشهد الجزائري المعقد، فالتعقيدات التي تفرزها التحولات الاقتصادية والاجتماعية الجارية في الجزائر، وطبيعة التطورات في المحيط السياسي لهذه البلاد ذات المسار السياسي الفريد، تجعل مستقبل الأحداث مفتوح باتجاهات عدة، وتستدعي مراجعة الأدوار العربية المختلفة، وخصوصًا من القوى التقدمية والمساندة للشعوب التي يفترض أن تحرس هذا الحراك بوصف ما يمثله حتى الآن نموذج للأمل في التغيير استنادًا للعوامل والتفاعلات والقوة الذاتية للمجتمعات، دون رهانات كبيرة على الخارج تجلب وبالًا أكثر مما تجلب خيرًا.

