كان من العسير التنبؤ بحراك عربي جديد، يطالب بحقوق وحياة ونظام حكم أفضل للإنسان العربي، بعد سنوات من احباطات الموجات الأولى لحراكات الشعوب، المستلبة، والمغدورة، والأكثر صعوبة كان تخيل انطلاق هذا الحراك في بلدان كالجزائر و السودان ، وكليهما بقت بعيدة لفترة طويلة عن تركيز منظومة الإعلام النفطي العربي، بما يبقي عواملها الداخلية وقواها المحلية القادرة على العمل كروافع للتغير أو موانع له في موضع جهل لدى قطاع واسع من الجمهور والمتابعين.
ورغم التمايز في بدايات الحراك بين هذين البلدين، يمكن ملاحظة تبلور واقع متشابه في مآلات هذه الحراكات، فكلا البلدين بات تحت السيطرة الفعلية للقوات العسكرية فيه التي تؤكد شراكتها في إسقاط النظام السابق، فيما تطالب قوى الاحتجاج بإسقاط كامل للنظام وتتهم الأطراف الحاكمة حاليًا بأنها جزء من النظام السابق.
ورغم وجود خلاصات عامة هناك ضرورة حقيقية لفهمها، كطريقة لفهم اشكالات الدولة العربية اليوم ودورها وموقعها؛ كجزء من منظومة عالمية تهيمن عليها قوى إمبريالية، فإنه لا يمكن القفز عن اختلافات جوهرية، حول السمات الخاصة المميزة لكلا البلدين، وكذلك تمايز هذه الموجة من الحراك عن نظيرتها في العام ٢٠١١م .
المشهد
في الجزائر أعلن المجلس الدستوري بداية يونيو الجاري عن تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى، وتمديد عهدة الرئيس الحالي عبد القادر بن صالح، ذلك في ضوء رفض قوى الاحتجاج لإجراء الانتخابات بتاريخ الرابع من يوليو القادم، وهو الموعد الذي كانت تصر قيادة الجيش الجزائري على اجراء الانتخابات فيه. موقف قوى الاحتجاج والمعارضة واضح في ضرورة استكمال الإطاحة برموز الحقبة السابقة، بما فيهم الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح، معتبرة ذلك الضمانة الوحيدة لحدوث تغيير حقيقي في طبيعة السلطة الحاكمة، ومنادية بوجود سلطة انتقالية تهيئ البلاد لإجراء انتخابات نزيهة بعيدًا عن تأثير منظومة السلطة التي تعتبرها لا زالت قائمة.
وهو موقف لم يغيب عن إعلان المجلس الدستوري لحظة، من خلال دعوته ل "تهيئة الظروف الملائمة لتنظيم الانتخابات وإحاطتها بالشفافية والحياد، لأجل الحفاظ على المؤسسات الدستورية التي تمكن من تحقيق تطلعات الشعب السيد".
ومع استمرار الاحتجاجات تقدمت قوى المجتمع المدني بمبادرة لتسوية الأزمة بين قيادة الجيش التي تعتبر السلطة الفعلية في البلاد، وبين قوى الاحتجاج، نصت على تعيين شخصية توافقية أو مجلس رئاسي توافقي، للتهيئة لإجراء انتخابات نزيهة خلال فترة لا تتجاوز ستة أشهر إلى سنة.
في خلفية هذا المشهد يبدو صراع السلطة والنفوذ بين أقطاب السلطة الحاكمة محتدمًا، تواصل فيه المؤسسة العسكرية الجزائرية، بقيادة الجنرال أحمد قايد صالح، جهدها لاستعادة مساحات نفوذها التقليدي التي تأثرت في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، تمظهرت على شاكلة اعتقالات وملاحقات قضائية طالت رموز حقبة بوتفليقة، وشملت رئيسي حكومة سابقين، وشقيق الرئيس بوتفليقة، والأهم أنها تشمل استبعاد لجنرالات وضباط مخالفين للوجهة التي يقودها قائد الجيش الحالي.
في السودان، هناك دم، الكثير من الدم الذي أراقته قوات الدعم السريع، حينما باغتت الاعتصام الاحتجاجي أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة، تزامن مع تصعيد في الموقف السياسي للمجلس العسكري، الذي بات يتهم قوى الحرية والتغيير بالسعي لحكم السودان دون انتخابات.
نائب رئيس المجلس العسكري الحاكم الفعلي للبلاد هو من قدم هذه الاتهامات، محاولًا نفي تهمة المجزرة التي ارتكبتها القوات التي يقودها شخصيًا، والتي باتت موضع اتهام لدى السودانيين بما يذكر بجرائم الحرب التي اتهمت هذه القوات سابقًا بالتورط فيها في دارفور، وهنا الحديث عن قوة مليشيوية تشكلت بقيادة "حميدتي" من خارج المؤسسة العسكرية السودانية قبل أن يرسمها عمر البشير باعتبارها "قوات الدعم السريع" ويضع تحت عهدتها موارد وإمكانيات كبيرة، بل ويوكلها بالمشاركة إلى جانب تحالف العدوان في الحرب على الشعب اليمني.
"حميدتي" المدعوم إماراتيًا وخليجيًا، عبّر عن نواياه في آخر تصريحاته أمام حشد جماهيري في ضواحي الخرطوم، مدعيًا وجود تفويض شعبي لدى المجلس العسكري لتشكيل حكومة مؤقتة لحين إجراء انتخابات، ملمحًا لاستبعاد خيار الحوار مع قوى الحرية والتغيير التي تقود النشاط الاحتجاجي وتعتبر أهم التعبيرات السياسية عنه.
من جهتها قادت قوى الحرية والتغيير حملة عصيان مدني شمل معظم المدن السودانية، رافعة مطالب بنقل السلطة فورًا لمجلس مدني انتقالي، وإجراء تحقيق في المجزرة التي تم ارتكابها بحق المعتصمين أمام مقر القيادة العامة للجيش، وهو ما قاد لوساطات عدة أفضت لعودة نوع من الحوار غير المباشر، الذي يبدو أن السلطات التي يسيطر عليها "حميدتي" مصممة على تجاوز مخرجاته قبل أن تظهر.
عن التغيير والسلطة:
المسعى الأساسي المفترض لأي حراك ينتمي للجماهير وقطاعاتها الأوسع، هو أن يحاول خلق منظومة حكم تعمل في خدمة هذه الجماهير، من خلال انتزاع السلطة من النخب الحالية الحاكمة، ما يميز الحراك في الجزائر والسودان هو فهمه للتجارب السياسية في بيئته ومحيطه العربي –وإن كان هناك من يأخذ على قوى الحرية والتغيير قبولها بالتفاوض مع المجلس العسكري، وعدم اعتباره بأنه استمرار لذات النظام، بعد ان أجرى انقلابًا داخليًا لمصلحة استمراره- وإدراكه بنسبة كبيرة لوجود حاجة حقيقية لنقل السلطة، بجانب إدراكه للمواضع الحقيقية للسلطة القائمة، فلم يغرِ الحراك في أي من البلدين نجاحه في إسقاط الرئيس، أو حاشيته المقربة، ولكن بالأساس تواصل العمل لأجل تغيير أكثر جذرية.
السلطة التي اهتزت في الجزائر والسودان تعرض ذات المخرج على الأقل نظريًا، إجراء انتخابات محكومة بالظرف القائم، أي تحت تحكم السلطة القائمة، وذلك بغرض إفراز وشرعنة وجوه جديدة لهذه النخبة الحاكمة، تواصل الإمساك بالسلطة لمصلحة هذه الشريحة التي تحرم الجزء الأوسع من الجمهور العربي في هذين البلدين من حقه في السلطة والثروة، وهنا يتضح التساؤل الرئيسي: هل صندوق الاقتراع وحده يكفي لتمكين الشعب من السلطة الحقيقية، أم أن هذا الصندوق يصبح مجرد أداة أخرى للتطويع والسيطرة إذا لم يكن جزء من تغيير شامل لواقع السلطة ومنظومة الحكم؟
قد يلائم حديث الحكام عن صناديق الاقتراع مزاج الحكومات الغربية، فهذا يضمن حدوث تغيير شكلي، لا يمس بالمصالح الغربية، أو يأتي بتغيير في السياسات الداخلية والخارجية لبلدان الحراك، بل وقد يتخذ كأداة لإزاحة بعض المراكز المناوئة ضمن السلطة القائمة، ويجعلها أكثر طواعية واستباحة لشروط المعسكر الغربي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية.
على ماذا تدور المعركة؟
في بلد كالجزائر أو السودان تبدو أسباب الدعم الغربي الظاهري للمطالبة بالتغيير واضحة، إذا ما دققنا بطبيعة الدولة في هاذين البلدين والمرحلة التاريخية التي تمرا بهما وعلاقتهما بالمنظومة العالمية، فرغم سوء النظم القائمة وفشلها في تحقيق الديموقراطية والعدالة الاجتماعية والاستقلال الحقيقي لا تزال هناك نقاط استعصاء أمام فرض الهيمنة الكاملة عليها، وهنا يأتي دور التغيير المخادع الذي تطالب المنظومة الغربية به، تغيير يكفل امتصاص التململ أو الحراك الشعبي، بل واستخدام هذه الرغبة الجماهيرية في تفكيك أي استعصاء أمام التدخل الغربي، ففي السودان المطلوب هو اتمام عملية انتقال النظام الحاكم لمعسكر أصدقاء الكيان الصهيوني في الوطن العربي، وضمان فتح البلد على مصراعيه أمام النهب الغربي لثرواته، وهذا كله قد يتم بظلال حكومة تكنوقراط من شخصيات مرغوبة غربيًا تخضع لهيمنة المجلس العسكري وتترجم المصالح الغربية. أي تحافظ على تخلف البلاد وتمنع تطورها وتحرمها من الديموقراطية الحقيقية، وفي نفس الوقت تهمش الموقف الشعبين والجماهيريين السوداني والجزائري الواضح في تأييده لقضايا الأمة العربية وفي المقدمة منها الاستقلال والوحدة والعداء للهيمنة الغربية وللعدو الصهيوني.
كما لا يمكن إغفال الرغبة الغربية في الاستئثار بموارد النفط والطاقة، وخاصة في الجزائر، وكذلك مطالبات صندوق النقد الدولي بتفكيك ما تبقى من منظومة الرعاية الاجتماعية التي خلقتها ثورة التحرير الجزائرية، واجتثاث الإرث الوطني الذي حمله الجيش الجزائري فيما تبقى من ورثة جبهة التحرير.
في الطرف الثاني من المعادلة تسعى قوى التغيير في معظمها او في الشق الاكثر تقدمية من بينها، لترجمة المطالب المشروعة للجمهور لنظام حكم اكثر ديموقراطية بالمعنى السياسي، واكثر عدالة في توزيع الثروة والموارد، نظام يكفل لهذه الشعوب حقها المشروع في النمو والازدهار والاستفادة من ثرواتها دون نهب تقوده قلة مستأثرة لمصلحة عدو غربي ومستعمر خارجي.
المآلات المحتملة
من المبكر جدًا الحكم على نتائج الحراك في أي من البلدين، أو في مجمل المنطقة العربية، فمن الواضح أن قوة وثقل قوى التغيير لا زالت غير كافية للإطاحة بنظم الهيمنة والتبعية بضربة واحدة، وعلى شاكلة ثورة سياسية واجتماعية تحدث تغييرات هائلة وفعالة وتحولات عاجلة، وأن المعركة معركة نقاط تسجل فيها المجتمعات والشعوب نقاط لمصلحتها بتضحيات وأثمان كبيرة.
تجاه هذه المعادلة تبدو النخب الحاكمة محشورة بين خيار تلبية الرغبة الغربية بتغيير يبقيها مقابل مزيد من التنازلات لمطالب غربية وإمبريالية بالأساس، وبين التسليم بإرادة الجماهير والانحياز لها، ومهما حاولت هذه النخبة الحاكمة المناورة بين الخيارين والبقاء في موقع السلطة، تبدو في النهاية ملزمة باختيار الانحياز الواضح للشعب أو مواجهته مهما حاولت تأجيل هذه المواجهة بمحاولات تسكينية وترقيعية.
والسؤال ذاته يطرح نفسه على القوى الشعبية والتقدمية في العالم العربي، بل وفي العالم ككل، هل ستواصل العمل بالعقلية ال قطر ية الضيقة في كل بلد على حدة، أم أنها ستعطي مجال حقيقي للتضافر والتكامل بينها بما يسمح بخلق ثقل شعبي عابر للحدود وقادر على دعم إرادة التغيير الجماهيري في كل موضع؟!

