Menu

العلاقات العربية الأمريكية: إمعان تاريخي في العداء القومي والديني

محمّد جبر الريفي

لا توجد دولة في العالم اليوم معادية للعرب والمسلمين أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية فهي وحدها التي ترفع راية العداء القومي والديني، في حين باقي الدول الكبرى ومنها الدول الغربية التي كان لها تاريخ استعماري كبريطانيا وفرنسا وإيطاليا فقد كفت هذه الدول عن ممارسة مواقف العداء الصارخة، في وقت اكتفى بعض أطرافها بإتباع سياسة ذيلية لواشنطن كبريطانيا مثلًا. وحدها أيضًا الولايات المتحدة من دون الدول الكبرى في العالم التي تخطط للهيمنة السياسية والاقتصادية والأمنية على المنطقة العربية، فلا روسيا ولا الصين ولا الاتحاد الأوروبي، باعتبار هذه الأطراف أقطاب دولية ولها مصالح سياسية واقتصادية في العالم، تتطلع في سياستها الخارجية كأولوية قصوى للهيمنة، كالقطب الأمريكي الذي لم يعد يشكل القطب الأوحد في العالم بعد زوال الاتحاد السوفييتي السابق وتفكك منظومة المعسكر الاشتراكي.

كان انتهاء الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء على دول المحور بداية للحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي السابق، خلالها أخذت أمريكا تعمل على تصفية الوجود البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط والخليج بتطبيق نظرية ملء الفراغ التي تنسب لوزير الخارجية الأمريكي دالاس في عهد ايزنهاور. مشروع الشرق الأوسط الجديد هو مشروع أمريكي خالص، وسياسة الخطوة خطوة لتحقيق مكاسب سياسية للكيان هي نظرية أمريكية وضعها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كيسنجر اليهودي الألماني الأصل، ومن خلالها احتكرت واشنطن رعاية ما أطلق عليها بالعملية السلمية التي تمخضت عن توقيع ثلاث اتفاقيات كلها كانت لصالح الكيان الصهيوني، حيث تم الاعتراف بشرعية وجوده فوق الأرض العربية. أما أسلوب الغزو العسكري بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية على المستوى العالمي بحصول حركات الاستقلال على هدف التحرر الوطني، فقد مورس من قبل أمريكا بغزو أفغانستان ثم العراق الدولة الرئيسية في العالم العربي وتدمير قدراته العسكرية لصالح الكيان الصهيوني وحفظا للمصالح الامبريالية النفطية في منطقة الخليج. الغزو الصهيوني للبنان في يونيو عام 82 تم بالتواطؤ مع وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون، وقد أسفر عن طريق جولات المبعوث الأمريكي المكوكية فيليب حبيب بإخراج قوات الثورة الفلسطينية من بيروت، لتتوزع في بعض الدول العربية.

بتدخل الولايات المتحدة في مسارات الصراعات الداخلية العربية فيما سمي بثورات الربيع العربي انحرفت هذه الثورات عن أهدافها التي انطلقت من أجلها بتعميم الديمقراطية، وتم استنساخ أنظمة تموج بفوضى سياسية وأمنية تطبيقًا لمقولة الفوضى الخلاقة التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندا ليزا رايس.

الفترة الوحيدة التي تميزت بوجود علاقة عربية أمريكية ايجابية كانت في عهد الرئيس كندي التي تبادل فيها رسائل عدة مع الرئيس جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة آنذاك، تضمنت أفكارًا سياسية موضوعية هامة لحل القضية الفلسطينية، وعلى أثرها قام الرئيس عبد الناصر بالدعوة لتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة الأستاذ احمد الشقيري ليكون الطرف الفلسطيني مشاركًا عند الحديث مع الولايات المتحدة. طيلة الفترة الممتدة بعد اغتيال الرئيس كندي كان الانحياز الكامل للكيان الصهيوني مع اتباع سياسة عداء سافر للأنظمة العربية الوطنية، يقابلها توثيق العلاقة مع الأنظمة العربية الرجعية، ودون اهتمام البيت الأبيض بالممارسة الديمقراطية التي عادة تجد عند الغرب أهمية خاصة.

أما ترامب الرئيس الحالي الذي ترتبط سياساته بتحالف أصولي مسيحي مع الأصولية اليهودية، إضافة للتحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب، يتضح أكثر فأكثر وبصورة جلية العداء الأمريكي، فيتم الاعتراف ب القدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني، وتُحجب المساعدة الأمريكية عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التي تأسست بقرار من الأمم المتحدة على إثر النكبة عام 48، في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، ويتم الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان العربي السوري المحتل، ويعلن الرئيس الأمريكي بنفسه أن الدولة الفلسطينية الممكن إقامتها هي في غزة، وجزء من سيناء، أما ما يعرف بفلسطين التاريخية من النهر إلى البحر فهي إسرائيل.

هكذا بكل بساطة واستخفاف بالعقلية السياسية العربية، يرسم ترامب الخارطة السياسية العربية، وبهذه المواقف السياسية يتضح بأنه ليس هناك دولة في العالم كبرى أو صغرى تناصب العرب العداء بكل وقاحة واستفزاز واستهانة بالمشاعر القومية والدينية أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية، ومع ذلك فالعلاقات التي تربطها مع النظام العربي الرسمي ما زالت علاقات وثيقة ودية، والأغرب من هذه الظاهرة التي لا تنسجم مع ما يحدث في الظروف الحاضرة، أنها تتعمق أكثر كلما ازدادت مواقف العداء للقضايا القومية العربية، حيث لا يشوبها أي موقف سياسي أو اقتصادي عربي فاعل.

إن مجمل العلاقات العربية الأمريكية الآن، هي علاقات راسخة متينة تقوم أصلًا على سياسة الإذعان للموقف السياسي الأمريكي، وعلى ارتهان العقلية السياسية العربية للدور الأمريكي في المنطقة وعموم الشرق الأوسط. علاقات تقوم على التبعية الكاملة بكل أشكالها مع دول الخليج الذي طالبها ترامب نفسه بدفع أموال للخزينة الأمريكية مقابل الدفاع عنها من إيران الدولة الإسلامية. أما العلاقة مع باقي أطراف النظام السياسي العربي فهي علاقة التنسيق والتفاهم على المخطط الأمريكي الصهيوني القادم؛ موقف التخلص من عبء القضية الفلسطينية المزعجة جدًا لحكام المنطقة.