تُمسك الفلسطينية كريمة زعرب بيديها صينية تحوي أطباقا من الحناء (الحنة)، أُحيطت بأوراق ورد، وقطعا صغيرة من الحلوى والشموع، وبفرح ظاهر على مُحياها، تتجه صوب ابنها المنشغل برفقة عشرات الفتية والشبان بالتمايل والرقص على أنغام إحدى أغنيات الزفاف الشعبية والتراثية، في ساحة مجاورة لمنزلهم في مدينة رفح، جنوب قطاع غزة.
يتقدم العريس محمد نحو والدته التي وضعت في يده اليمنى «الحنة»، ثم أغلقتها بإحكام، كي يتلون كفه بلون الحناء المائل إلى الحمرة، في مشهد لا تزال العائلات الفلسطينية، تحافظ على تقاليده. أسرة زعرب، واحدة من العائلات الفلسطينية التي لا تزال تحيي تقليد ليلة «الحنة»، التي تسبق الزفاف بيوم أو يومين.
وتشهد هذه الليلة احتفالاً، للشباب وللفتيات بشكل منفصل، إذ يقوم العريس برفقة أصدقائه وأقاربه الشباب، بالرقص والغناء، على أنغام الفنون التراثية القديمة، وترديد أغاني الزفاف التقليدية. وما إن تقترب الحفلة من نهايتها مع ساعات الليل، حتى تقوم والدة العريس، ترافقها جدته، وخالاته وعماته ونسوة الحي، بالإمساك بأطباق الحناء، التي تزينها الشموع، والورود والحلوى، ووضعها في يد العريس اليمنى، وأيادي أقاربه، وأصحابه أو الراغبين في ذلك.
ويشرح زعرب التقليد بسعادة قائلا «قبل الفرح، نقيم ليلة سمر (سهرة شباب)، وفي ختام الحفلة، تأتي والدتي وجدتي، ويتم وضع الحناء في يدي اليمنى فقط، وتقوم بتوزيع بقيتها على الحاضرين». ويكتفي العريس، والشباب بوضع الحنة في اليد اليمنى، فيما تتجه والدة العريس صوب سهرة الفتيات، وتحديداً، نحو العروس لنقش يديها بالحنة.
وتتزاحم أيادي الفتيات، لتسبق العروس في الحصول على يد رُسمت عليها وردة، أو فرع شجرة، أو تحولت على أيادي النساء الماهرات في النقش إلى لوحة فنية. وتقول والدة العريس «هذه عاداتنا ورثناها منذ القدم، ولا نزال نحافظ عليها، نصفق ونغني، نضع الحناء في يد العريس، أما العروس فننقش عليها أشكالاً جميلة».
وبالرغم من أن ليلة الحناء اشتهرت في فلسطين، لدى العائلات التي هاجرت من مدنها وقراها في العام 1948 عقب النكبة، إلا أن هذه العادة بدأت تظهر من جديد لدى أغلب العائلات في قطاع غزة، التي أعادت إحيائها، وإن اختلفت في التسمية، وطريقة الاحتفال. فلا يكاد عرس في قطاع غزة، إلا وتسبقه بيوم أو يومين حفلة خاصة بالعريس يحييها الشباب، وأخرى للعروس بمشاركة الفتيات والنسوة.
وتجد الكثير من العرائس في «الحنة»، وسيلة تميز ليلة عمرهن، خاصة في ظل انتشار الأشكال المختلفة للنقش والرسم على اليدين. وتشتهر شجرة «الحنّاء» في فلسطين، ولها ثمر رائحته مميزة تعرف بـ«تمر الحنة»، أما أوراقها فتستخدم كصبغة للشعر، لإخفاء الشعر الأبيض، إضافة إلى استخدامها في رسم النقوش الجميلة على أيادي النساء.
وحالياً يباع مسحوق الحنة في أسواق العطارة جاهزاً، وقد يتم إعداده في البيت، عن طريق سحق الأوراق وعجنها بالماء، وإضافة أنواع من النباتات البرية مثل «الكركديه» لجعل لونها أحمر أو بنيّا.
وتقوم إحدى المسنّات بنقش الحناء على أنامل وأكف الفتيات والعروس، وهي تردد الأغاني التراثية الخاصة بها مثل «ايويها، ريتو هالفرح مبارك، ايويها.. سبعة ثمان بركات، ايويها.. كما بارك محمد، ايويها.. على جبل عرفات، ايويها.. يا قاعدة على المراتب قعدة البنا، أيويها.. والكحل بعيونك زقفتلوا غنا، ايويها.. حط القدم على القدم ما اسمعتلو رنا، ايويها.. ويجعل البطن يلي حملك مسكنو الجنة..».
وتقوم نسوة من أقرباء العروس بتزيين يديها وقدميها بالحنّاء، ونقشها بشكلٍ جميل، وكتابة أول حرف من اسمها واسم عريسها على يديها، قبل زفافها بيوم، في ساعات الليل. ومن أغاني الحنة: «ازبط نقش الحنة يا محنّي، ازبط نقش الحنة يا لالا، انشا الله بتتهنى يا عريس، انشا الله بتتهنى يا لالا، سبل عيونه ومد ايده يحنونه، خصره رقيق وبالمنديل يلفونه، ناديت ع أم العريس جاية تهنيها، سبل عيونه ومد ايده يحنونه، والحنة لك يا هالغالي ريتك تتهنى».

