لم تكن جولتين انتخابيتين كافيتين ليتمكن بنيامين نتنياهو من سحق خصومه، ويتفوق بشكل مريح بحيث يكون قادرًا على تشكيل ائتلاف يحمله إلى الحكم مرة أخرى. والنتائج الأخيرة تضعه في موقف محرج أمام ممرات إجبارية سقفها جميعًا وقوفه قريبًا أمام القضاء في جلسة استماع قد ترسله إلى السجن، بعد أن فشل الساحر في إخراج الأرنب الموعود من قبعته.
في انتخابات نيسان، كان الليكود قد استفاد من ارتفاع عدد الناخبين اليمينيين ولكن هذه المرة استنفذ حيله وتحذيراته من الناخبين العرب، جعلته يستولي على مقاعد حلفائه اليمينيين، يبدو أن الناخب اليميني التبس عليه الأمر بين إنقاذ نتنياهو كرمز يميني أساسي وإنقاذ اليمين بمجمله وهما أمران تبين إنهما مختلفان.
ألاعيب نتنياهو في التحذير من الناخبين العرب، استخدمها خصومه أيضًا وأثبتت نجاحها لدى الجميع ولكن كل ضمن معسكره وهكذا فكعكة ارتفاع نسبة الناخبين كان على نتنياهو تقاسمها مع جميع الأطراف، وبؤس الأطروحة التي تقول بحشد ناخبين من لون معين لهزيمة الآخرين ثبت سواء لدى اليمين وغيره من متبني هذه الأطروحة خصوصًا القائمة المشتركة.
رغم أن الأذى الذي لحق بنتنياهو أكبر نوعيًا، فالمقعد الإضافي الذي حازه جاء من حليف أرثوذكسي مقرب، وقد انطبق هذا على الجميع فكل التيارات أكلت من بعضها، وارتفاع نسبة الناخبين جاءت متوازية تقريبًا.
الأذى الذي لحق بنتنياهو نتيجة دعوته للتصويت له تحديدًا، وإتباعه إستراتيجية تفكيك اليمين لمصلحة الليكود، تمظهر في انزياح كتلة من الأصوات لمصلحة ليبرمان، رغم أنه تم تصنيفه كيميني مارق.
هذا اليميني المارق يصبح مرة أخرى "ملك الائتلاف" إن صح التعبير، فكلا المعسكرين يحتاج له ليكتمل نصابه، وهذا ربما، أي امتناعه عن كليهما ما دفع نتنياهو وغانتس لاستكشاف إمكانية حكومة وحدة، مازال مبكرًا الحكم عليها، وكثير من التحليلات اليوم تقول إن موقف ليبرمان هو شخصي ضد نتنياهو أكثر مما هو مبدئي بخصوص الدين وقانون التجنيد ومطالبه الأخرى.
يتذكر منتقدو ليبرمان كيف كان في الماضي مؤيدًا للمتطرفين وكان صديقًا مقربًا من أريه درعي وكان أيضًا قد أيد موشيه ليون مرشح الحريديين لبلدية القدس ، عام 2018.
من جهة اليمينيين الآخرين فقد بدا الأداء كلاسيكيًا باستثناء بينت وشاكيد اللذين كان أداؤهما سيئا جدًا حسب التقييمات، وقد خسرا أصوات أولئك اليمينيين الذين اتجهوا إلى الليكود أو ليبرمان بسبب تشدد اليمين الجديد بالقضايا الاجتماعية ورغبة الناخبين بممثلين أكثر ليبرالية.
بعد كل هذا فإن "إسرائيل" لم تتغير أبدًا، ولكن ما جرى مجرد لعبة سياسية آخذة في التحول إلى مسرحية مملة، فمنذ استقالة إيهود أولمرت كان المجال السياسي الإسرائيلي قد أعاد تنظيم نفسه في معسكرين، ليسار ويمين بل معسكر "بيبي" و"مناهضي بيبي" وكل من يعتقد إنه سيحل محل نتنياهو سيجد نفسه في نهاية المطاف يقود جماعة نتنياهو بالذات.
أخيرًا، نتنياهو قد تم إعاقته ولكنه ما زال يقاتل، ورغم إنه لا يفضل الانضمام إلى حكومة وحدة مع غانتس، لكنه سيبقي الخيار مفتوحًا فهو يريد أن يكون رئيسًا للوزراء خلال السنوات القليلة المقبلة كحد أدنى، وسيفعل ما يلزم للوصول إلى هدفه، بما في ذلك التضحية بحلفائه من الجناح اليميني الذي أبقاه في السلطة لأكثر من عقد، وهو يبتز غانتس استراتيجيًا بادعاء أن هذا يتهرب من الوحدة من أجل انتخابات ثالثة مرهقة للجميع.
الخيار الآخر هو أن يوافقوا على حكومة التناوب، والأرجح أن نتنياهو لايريد هذا أيضًا، لا إن لم يكن بشرطه الخاصة، ولكن لن يكون ضميره معذبًا إن ذهب إلى انتخابات ثالثة وهو أمر مشكوك فيه في ضوء اقتراب لحظة الحسم القضائي بالنسبة له، رغم أن هذا خيار أقرب للاحتمال أي انتخابات ثالثة خصوصًا في ضوء إعلان يائير لابيد رفضه الانضمام إلى حكومة تضم نتنياهو وإذا فعلها غانتس وشركاءه الآخرين سيفقدون الكثير من مصداقيتهم، تبقى الأيام القليلة القادمة ضرورية لحسم السيناريوهات.

