Menu

الجيش هو السبب: أزمة الميزانية "الإسرائيلية" متعددة الطبقات

بوابة الهدف - متابعة خاصة

يبدو أن موضوع الميزانية، سيصبح أحد محركات الأزمة السياسية في الكيان الصهيوني، بسبب غياب حكومة فاعلة قادرة على تمرير الميزانية من جهة وتسرب الوقت لإقرار الميزانية الجديدة، وبسبب عجز الجيش أو ارتباكه في عقد صفقة مع وزارة المالية التي يقودها وزير غير مضمون هو موشيه كحلون، والخشية ألا يوافق أزرق-أبيض في حال وصوله إلى الحكومة على أي اتفاق يعقده الجيش مع وزارة المالية. في الوقت الذي يدور فيه الحديث عن زيادات من جهة وتقليصات من جهة أخرى وما يتطلبه تمرير الخطة متعددة السنوات أو تجديدها.

وقي ظل الوضع الراهن، فإنه من الواضح أن ميزانية 2020 لن يتم إقرارها، حتى ولو تشكل ائتلاف ما، فإن الميزانية لن تلحق بالموعد القانوني في 31 كانون أول/ ديسمبر القادم، ولو فرضنا جدلا أن هذا سيحدث، فإن مراقبين اقتصاديين في الكيان الصهيوني يجزمون أن تلك الميزانية ستستجيب لاحتياجات التحالف وليس لاحتياجات السوق الفعلية ومصروفات الدولة. طبعا إذا لم يكن هناك ميزانية في الموعد المحدد فسيتم منح الحكومة –إذا تحققت- تمديدا حتى آذار/مارس، وإلا فسيكون هناك انتخابات جديدة وستسقط الحكومة.

في حال إنشاء حكومة- مهما كانت- سيكون عليها التعامل السريع مع الميزانية باعتبارها أولوية، لذلك لا توجد طريقة لتصميم الميزانية لمعالجة مشاكل الاقتصاد الصهيوني الفعلية، ولن تكون هناك ميزانية تمنح الحكومة فرصة لتحديد أولوياتها وإنما ما يستجيب فقط للضغوط بين أطراف التحالف، ولن يكون هناك اهتمام بالتفاصيل وسيعمل الوزراء تحت الضغط كي لايتم إسقاط الحكومة، وبالتالي سترتفع أصابع الائتلاف جميعه لتمرير الميزانية مهما كانت.

ولكن المعضلات ليست متعلقة فقط بالجدول الزمني، فقد كان رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو قد صرح عشية رأس السنة العبرية، عن الحاجة على 4 مليارات شيكل على الأقل لإغلاق الثغرات الأمنية يجب إضافتها لوزارة الحرب، صرح نتنياهو بهذا رغم أن الحكومة تستعد في الميزانية الجديدة لتخفيضات تبلغ حوالي 13 مليار شيكل حتى لو لو تضف أي أموال لميزانية وزارة الحرب، وهي أموال كثيرة جدا سبق لكحلون أن صرح أن المالية لاتملك أي منها.

في العادة وكمعيار عام تنفق دول العالم ما قدره 2.1% من الناتج المحلي في ميزانية الدفاع، بينما يبلغ الإنفاق "الإسرائيلي" 4.3% من الناتج المحلي الإجمالي، ولا يوجد سوى بعض الدول تجاوزت هذه النسبة ودول العالم العربي تنفق عموما 5.6% من ناتجها المحلي على ميزانية الدفاع، أكثر من "إسرائيل".

ورغم ذلك لاتزال "إسرائيل" تنفق الكثير من المال على ميزانيات الأمن ولو جمعنا ميزانيات كل من إيران و مصر والعراق ولبنان والأردن معا فلن تبلغ مستوى الإنفاق "الإسرائيلي" مقارنة بالناتج العام.

في تفاصيل الإنفاق العسكري، يبدو الجيش الصهيوني أشبه ببالوعة للأموال كما يحدد سامي بيرتس في مقالين نشرتهما "ذي ميركر" الإقتصادية، فكل "إسرائيلي" خدم 3 سنوات في الجيش هو لايعتبرها سنوات عمل بل سنوات خبرة اجتماعية على الأغلب، كون الجيش هو بوتقة الصهر الفعلية "للإسرائيليين".

لكن مجموعة أخرى تخدم ثلاث سنوات أيضا، ثم تخرج بحقوق التقاعد، وهؤلاء هم رؤساء الأركان فإضافة إلى معاشاتهم التقاعدية التي تشمل استحقاقات المعاش التقاعدي للخدمة الإلزامية وتأجيل الخدمة والمغادرة المدرسية والعديد من الإضافات للمتقاعدين الذين تزيد أعمارهم عن 40 عامًا، يحصل هؤلاء على تقاعدهم كرؤساء أركان، و في الممارسة العملية، كما كشف مراقب الدولة في تقرير عام 2017، فإن الزيادة في مخصصات رئيس الأركان تضيف إلى معاشات الموظفين الدائمين حوالي 15 بالمائة. يحصل الذين يسجلون حتى عام 1998 على 4٪ سنويًا لكل سنة إلزامية (12٪ معاش إضافي لجميع الخدمات الإلزامية) والذين يتلقون بعد 1998 يحصلون على 2٪ إضافية في السنة (6٪ لجميع الخدمات الإجبارية).

كانت هذه الإضافة موضع جدل قانوني منذ عدة سنوات بين الجيش ووزارة المالية. الجزء القانوني الوحيد منها هو 2 ٪ سنويا من الخدمة المنتظمة لأولئك الذين تم تجنيدهم بحلول عام 1998، و وزارة العدل تعتقد أيضا أنها إضافة غير قانونية، وأنها تدعم موقف وزارة الخزانة بأنه يجب أن يتم تخفيض رئيس الأركان، لكنه في ظل الوضع السياسي الذي يسمح بذلك، ينقل الكرة إلى ملعب السياسيين.

تدفع الدولة سنويا 8 مليارات شيكل معاشات للموظفين الدائمين والأمنيين، منها 1.3 مليار لرؤساء الأركان، وهو مبلغ يزيد بـ800 مليون شيكل عما حددته وزارة المالية، هذا يعني زيادة 4 مليارات على الخطة المتعددة، وهي التي يتحدث عنها نتنياهو.

لا تزال الحكومة الجديدة بعيدة عن الأنظار، لكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يعرف أن هناك زيادة 4 مليارات دولار للمؤسسة الأمنية، ويربط هذا بالزعم أن إيران " كما يقول، تنتج "95٪ من مشاكلنا الأمنية".، وقال هذا في خطاب يهدف إلى إقناع الحزب الأزرق والأبيض والجمهور بإلحاح فوري بإقامة حكومة وحدة، برئاسته بالطبع. وقال: "يمكن لإسرائيل أن تدافع عن نفسها، لكنها تتطلب إعدادًا عامًا وأدوات وموارد".

طبعا من غير الواضح أي حكومة ستكون ومن سيكون رئيس الوزراء ومن سيكون وزير الحرب وحتى وزير المالية، كما أنه من غير الواضح إذا كان من سيأتي بديلا من نتنياهو سيقبل 4 مليارات شيكل أو يزيدها ربما، خصوصا أن أزرق-أبيض يضم ثلاث رؤساء أركان سابقين ونتنياهو يعرف أنهم جزء من النظام الذي أول إلى الأزمة أصلا وهم أيضا يعرفون.

وبالتالي فإن التاريخ يخبرنا أن ما نشهده من توتر بين وزارتي الحرب والمالية حاليا هو جانب صغير من معارك الشد والرخي والمناورات والمطالب والابتزازات التي ستحدث بالفعل عند تشكيل حكومة عاملة.

ويلاحظ بيرتس أن وزارة المالية لم تجلب أي أموال لتغطية الثغرة، لاتوجد إصلاحات اقتصادية ولكن مجرد إدارة لميزانية مأزومة، وقد استمر هذا هكذا طوال الحملتين الانتخابيتين وحتى يتم تشكيل الحكومة، ولكن بمجرد إنشائها، من الواضح أن هناك حاجة إلى خطط وخطوات لإغلاق العجز، وإيجاد حلول لاحتياجات الميزانية التي سينشئها الائتلاف الجديد. من الواضح أيضًا أن الشهية للأنظمة الباهظة الثمن مثل البنية التحتية والصحة ستكون كبيرة، بل ومن الواضح أن نظام الأمن سيتغلب عليها.

هذا هو الوقت الذي سيضطر فيه نظام الأمان إلى العثور على مصادر في الداخل أيضًا. هذا هو الوقت الذي يترجم فيه وعد نتنياهو "العثور على الموارد" إلى أقسام أكثر تفصيلاً وإيلاما، هذه أيضًا فرصة لوزارة المالية لمحاولة وضع بعض بنود الميزانية في مؤسسة الأمن، مع مراعاة، بطبيعة الحال، مسألة من هو وزير الحرب ومن هو وزير المالية ومدى اهتمامهم بطلب ميزانية، من الناحية النظرية، قد يكون هناك موقف يكون فيه وزراء المالية والأمن من حزبي الليكود والأبيض والأزرق، وهذا في أقصى حالاته قد يجعل الائتلاف –الذي يبدو مستحيلا حاليا- ينهار بسرعة.

إذا اعتقد أي شخص أنه بمجرد حدوث انفراج وإنشاء حكومة وحدة، سيكون هناك تعاون ناجح، يكون مخطئا، و نتذكر متى نجحت حكومة وحدة - بعد الأزمة الحادة التي شهدتها الثمانينيات. حرب لبنان الأولى، كان التضخم بنسبة 450 ٪، والعجز المخيف في الميزانية، وارتفاع معدلات البطالة، والبنوك المنهارة، ما جلب برنامج الاستقرار الذي أعاد تأهيل الاقتصاد ورفعه إلى النمو، الذي برزت نتائجه حتى الآن.