Menu

"الماركسية والعالم الإسلامي" لرودنسون: هل كان التوفيق بينهما ممكناً؟

مكسيم رودنسون

بوابة الهدف_وكالات_إبراهيم العريس

كثيرة هي التساؤلات التي كان المفكر الفرنسي ماكسيم رودنسون، يحاول طرحها في واحد من أبرز كتبه المتعلقة بالعالمين العربي والإسلامي، «الماركسية والعالم الاسلامي» الذي صدر في بداية سنوات السبعين من القرن العشرين. كان ماكسيم رودنسون في ذلك الحين يعتبر واحداً من اكبر الضالعين في قضايا الشرق والعروبة والاسلام، اهتماماً بهذين العالمين، اللذين لم يعايشهما من خلال المكتبات والمؤلفات، كما يفعل عادة معظم المستشرقين والمستعربين، بل من خلال معايشة فعلية، ومجابهة وجاهية. فماكسيم رودنسون الذي كان حين أصدر هذا الكتاب في السابعة والخمسين من عمره... أمضى سنين عديدة من حياته في بلدان المشرق – وأحياناً المغرب – العربي... وفي شكل خاص منها تلك السنين الثمانية الممتدة من عام 1939 حتى عام 1947، والتي أمضاها بين لبنان وسورية و مصر والعراق، منها ست سنوات صرفها كمدرس للغة الفرنسية في مدرسة إسلامية بمدينة صيدا، في جنوب لبنان. ولعل أبرز ثلاثة اسئلة يطرحها رودنسون من خلال كتابه هذا هي: كيف يمكن المرء ان يكون ماركسياً مستقلاً؟ وما هو نفوذ وأثر الماركسية في العالم العربي؟ وأخيراً هل من الممكن القيام بتحليل ماركسي للعالم الاسلامي؟ وعلى امتداد صفحات «الماركسية والعالم الاسلامي» يجمع رودنسون ويقدم ويحلل بعضاً من اهم مقالاته ومحاضراته ومناقشاته التي أجراها، في شكل خاص، انطلاقاً من عام 1958 (اي العام الذي ترك فيه الحزب الشيوعي الفرنسي) من حول هذه المواضيع.

> بشكل من الأشكال يكاد كتاب رودنسون هذا أن يكون سيرة ذاتية. وفي المقدمة نفسها، يبرر صاحب «الاسلام والرأسمالية» نشره لكتابه الجديد هذا بقوله: «منذ سنوات عديدة لم يكفوا في المشرق العربي كما في باريس، عن مطالبتي بتحضر مثل هذا الكتاب»... ويؤكد رودنسون ان ما من سبب اقنعه بضرورة هذا الكتاب، اكثر مما فعلت الهجمات التي تعرض لها، وحتى قبل المباشرة بإعداده. بالاضافة الى المقدمة، هناك التمهيد المقسوم، الى اربعة فصول، اولها فصل يعرض بشكل احصائي للعالم الاسلامي: تحديده، اتساعه، تطوره الاقتصادي، اتجاهاته السياسية... الخ. وبعد ذلك يأتي في شكل مباشر الفصل الذي هو في الاساس، إذ إن المؤلف أراد منه أن يكون نوعاً من الرد على الكاتب المصري ابراهيم سعد الدين. وكان هذا الأخير قد وجه الى رودنسون، حين كان في القاهرة يلقي عدداً من المحاضرات بناء على دعوة مجلة «الطليعة» سؤالاً يتعلق بـ «هل يمكن المرء ان يكون ماركسياً مستقلاً؟» يومها «ولأن السؤال فاجأه» لم يجب رودنسون في شكل مباشر... بل أخّر الجواب حتى وصل الى باريس وصاغه ليشكل في ما بعد فصلاً من الكتاب، وواحداً من أهم النقاشات حول استقلالية الماركسي، وبعده عن التنظيم، ونظرته النقدية – المستتبعة لذلك – حتى الى العمل الماركسي نفسه. في هذا الفصل وفي الفصل التالي «حول سياسة ماركسية في العالم العربي» يوضح رودنسون ما يرمي اليه من كتابه ككل، بحيث يمكن اعتبار كل ما جاء في الكتاب لاحقاً، تفسيراً وتبريراً وشرحاً، لما جاء في هذين الفصلين. وفي نهاية التمهيد تأتي المحاضرة التي ألقاها في القاهرة في 28 كانون الأول (ديسمبر) 1969 بعنوان: «الماركسية ودراسة العالم الاسلامي»، وفي هذه المحاضرة يلح رودنسون على معالجة توفيقية للعلاقة بين الاسلام وبين الماركسية، وهي معالجة يقول عنها انها «خيبت آمال عدد من المستمعين الماركسيين المصريين، لكنها كانت مفيدة في الوقت نفسه لأن عدداً، من المستمعين، كان يتألف من طلاب في جامعة الأزهر».

> هذه الجملة فقط توضح، بما لا يدع مجالاً لأي شك، ان رودنسون لم يكن يتجه بكتابه – بالدرجة الاولى الى الماركسيين – وانما الى المسلمين من غير الماركسيين، محاولاً إيجاد التوفيقية التي تحدثنا عنها... والتي كان قد تحدث عنها قبله روجيه غارودي في كتابه «ماركسية القرن العشرين» إذ قال ان للمسلم – في تاريخه الفكري والثقافي – ما يساعده على استيعاب الماركسية الراهنة بخاصة من خلال كتابات ابن رشد وابن خلدون وغيرهما. وبعد هذا التمهيد تأتي فصول الكتاب متلاحقة عبر ستة اقسام رئيسية: الاسلام في النضال الاجتماعي والايديولوجي، الصراعات القومية والصراعات الطبقية، حول التغلغل الماركسي في الشرق المسلم، الماركسية والقومية العربية، حول الثقافة المعاصرة في العالم الاسلامي، حول التطور الراهن للشرق الاوسط. وعلى امتداد هذه الاقسام يحوي الكتاب أربعة وعشرين بحثاً... بعضها لم يكن قد سبق نشره في من قبل. بحيث أن نشرها كلها هنا معاً... شكل سابقة مهمة في التاريخ المعاصر، ليس للحركة الاشتراكية والشيوعية الحديثة في العالم الاسلامي (العربي في شكل اساسي) فحسب، بل ايضاً للتاريخ المعاصر لهذا العالم الفسيح الذي يكاد بعض الكتاب الغربيين يؤكدون في ذلك الحين انه سيشهد، خلال العقدين التاليين، صراعاً حاداً ورهيباً بين الماركسية والاسلام. قد يكون هذا التأكيد منطقياً بالطبع... ولكن رودنسون، الماركسي اللاماركسي «كما يؤكد هو احياناً بمرارة» يخلص الى العكس، يخلص الى انه من الممكن، في نهاية التحليل، الوصول الى فهم ماركسي للعالم الاسلامي... ام لعله كان يقصد فهماً اسلامياً للماركسية. فمن المهم طبعاً التأكيد على ان همّ رودنسون هو طرح هذه المشكلة الديالكتيكية... ولقد طرحها بالفعل...بيد أن إجاباته عليها لم تكن سوى محاولات متناثرة هنا وهنالك. محاولات لها طابع التنظير أكثر مما لها طابع العمل الميداني الصرف. والواقع ان رودنسون نفسه يسأل الماركسيين عدم الملامة إن هو فضل هذا العمل (العمل التنظيري) لأنه بنظره اكثر اهمية، اذ يقول في المقدمة «... افضل الآن فهم الاسباب الحقيقية (...) وهذا ما يفصلني بالتأكيد عن معظم الماركسيين الذين، بسبب تمزقهم الدائم بين الفكر والعمل، رغم الاتفاق العجائبي الذي يدّعون تحقيقه بين الاتجاه النظري، والرؤية الإستراتيجية، اتجهوا غالباً الى هذه الرؤية الاخيرة (...) هنا مارس العمل الايديولوجي مهمته على أحسن وجه. لقد ادركت في لحظة من اللحظات ان علي ان اختار. صحيح انني لا أحقد ولا الوم اولئك الذين اعطوا الافضلية للعمل النضالي، بل وانني لمقتنع ان هذا الأمر ضروري. لكن توجهاتي الشخصية دفعتني نحو عدم تفضيل اي شيء على عملية الفهم...».

> ولد رودنسون (الذي سيرحل عن عالمنا عام 1994)، في باريس عام 1915، وهو أبدى منذ صباه اهتماماً حاسماً بالقضايا الماركسية ليتحول في ما بعد الى عالم اجتماع ومستشرق ثم لينضم الى الحزب الشيوعي في الوقت نفسه الذي انصرف فيه الى تعليم اللغات السامية القديمة والاتنولوجيا الشرق اوسطية. في الحزب الشيوعي الفرنسي أدار صحيفة اسمها «الشرق الاوسط» وناضل في شكل جدي: نزل في التظاهرات، سجن، كتب العرائض، وسافر الى كل مكان. لكنه سرعان ما ترك الحزب الشيوعي عام 1958، وكان ذلك اثر عملية وعي «حركها في عدد من المناضلين الآخرين... تقرير خروتشوف».

ويقول رودنسون في مقدمة الكتاب ان نشر تقرير خروتشوف الذي حطم – نظرياً – صرح الستالينية، كان هو ما قاده الى إمعان النظر في عدد كبير من القضايا... والى اعادة النظر في مواقف قديمة، اساسية، له ايضاً. وفي الكتاب يفرد رودنسون صفحات طويلة ليتحدث عن «النموذج الستاليني لشخصية القائد الشيوعي» وفي هذا المجال يقارن بين شخصيتين: السزري خالد بكداش واللبناني فرج الله الحلو، وذلك – في شكل خاص – في الفصل الذي «يؤرخ» فيه للحزب الشيوعي السوري. من بكداش الى الحلو، ومن توريز الى ناظم حكمت، ومن سلطان غالييف الى هيكل، ومن عبد الناصر الى مصدق... ينتقل رودنسون في كتابه عارضاً للعلاقة بين الأمرين الأساسيين اللذين كرس لهما اربعين عاماً من حياته: الماركسية والعالم الاسلامي، واللذين كرس لهما – أيضاً – القسم الأعظم من كتاباته، واللذين في سبيلهما شارك في ندوات وزار شرقنا الأوسط عشرات المرات كما كان لا يزال يفعل بين حين وآخر حتى سنوات قليلة قبل رحيله. هو الذي ظلّ حتى الرمق الأخير يتساءل عما إذا كان وفّق في طرح الموضوع.

نقلا عن الحياة