Menu

في العراق: شعب يستقل

غزة _ خاص بوابة الهدف

قال مساعد وزير الخارجية الأمريكي ديفيد شينكر "الاستخدام المفرط للقوة في الناصرية كان أمرا صادما ومروعا ،ندعو حكومة العراق إلى إجراء تحقيق ومحاسبة المسؤولين الذين حاولوا إسكات المتظاهرين السلميين بأسلوب وحشي".

لم يقتل أحد من العراقيين بقدر ما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية، في حربها الأولى والثانية على العراق، والحصار الطويل الذي جوعت فيه العراقيين بين الحربين، أو في فترة الاحتلال التي مارست فيه قوات الاحتلال الأمريكي أصناف شتى من الجرائم المنافية لأبسط القيم الانسانية، وفي أدنى الاحصائيات يقدر عدد العراقيين الذين تسبب الغزو الأمريكي للعراق في مقتلهم ٢ مليون إنسان.

اذا كان للنظام السياسي الحالي في العراق أب فهو الولايات المتحدة الأمريكية، فسلطات الاحتلال التي قادها بول بريمر هي التي قررت شكل نظام الحكم في العراق، و مسارات عمل هذا النظام ومحتواه القيمي والمادي، فالاصرار على تحطيم بنى المجتمع العراقي وتقطيع جسده وهويته، لم يكن الا مكملا لما اراده الاحتلال للعراقيين، وما كان لنظام المحاصصة الطائفية أن يستطيع ممارسة كوارثه بحق العراقيين، دون الفتنة الطائفية والاحتراب الاهلي الذي اصطنعه النظام بالتعاون مع الغزاة.

إرادة الرصاص تهتز

قتل أكثر من 400 شخص منذ اندلاع الاحتجاجات المناهضة للحكومة في العراق في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وكان معظم القتلى من الشباب، علاوة على أكثر من عشرة من أفراد الأمن.

ورغم رهان الحكومة العراقية، وبقية المكونات المسيطرة في العراق، على الرصاص والقمع والقوة الغاشمة في وجه الهبة الشعبية، فقد أصر العراقيون، على الاستمرار في انتفاضتهم، ليبدي النظام أولى اشارات اهتزازه بتقديم رئيس الحكومة العراقية لاستقالته، تزامنا مع مذكرات واحكام قضائية ضد بعض جنرالات الأمن العراقي المتورطين في قتل المتظاهرين.

و رغم أن الدستور العراقي الحالي لا يحتوي على آلية قانونية يتعامل بها نواب البرلمان مع استقالة رئيس الوزراء، فقد كان اجتماعهم الأحد برأي من المحكمة العليا، فيما يتوقع من رئيس الجمهورية، وفق الدستور الحالي، أن يطلب من أكبر الكتل البرلمانية تعيين رئيس جديد للوزارء يكلفه بتعيين حكومة جديدة.

ورغم هذا الاهتزاز في المنظومة القائمة يبدو أن طريق التغيير الحقيقي لا زال طويل أمام العراقيين، فحكومة عادل عبد المهدي، التي اعلنت ان استقالتها هي استجابة لدعوة من المرجع الديني علي السيستاني احد صناع هذا النظام، ستبقى كحكومة تصريف اعمال، وبالتأكيد لا تبدو الكتل البرلمانية الطائفية الكبرى المخولة بترشيح رئيس جديد للوزراء، جزء من معادلة التغيير في العراق بقدر ما هي جزء من تركيبات القمع والفساد وادامة أهداف الاحتلال والهيمنة.

كما إن الحديث عن إصلاح النظام الانتخابي و اقرار قانون انتخابي جديد، لا تشكل بالضرورة وصفة لتغيير حقيقي في العراق، في ظل الخلل البنيوي والهيكلي في نظام الحكم وبنيته وفلسفة عمل الدولة و أجهزتها في عراق ما بعد الغزو.

نقطة الخيار

انتفاضة الشعب العراقي بخطابها الوطني، وما حملته من مطالب عادلة ومحقة، في مواجهة نظام بهذه الدرجة من السوء والبؤس، تطرح جملة من التحديات على الجميع في هذه المنطقة، وعلى نحو مؤسف لا زالت معظم القوى التقدمية، والثورية، وتلك المعادية للهيمنة الأمريكية في هذه المنطقة والعالم، تظهر تكاسل واضح عن اتخاذ صف الشعب العراقي، بل ويصر بعضها على اتخاذ موقف معادي لاتجاه الشعب العراقي و إرادته وتطلعاته، في إصرار واضح على الخسارة والهزيمة، فلا أحد يهزم الشعوب الثائرة.

وفي المقلب الآخر بدء صناع هذا النظام في محاولات متعددة للاستدراك دفاعا عن منظومة القمع والهيمنة المهددة، حتى لو كان ذلك بالتضحية ببعض وجوه هذا النظام و اطرافه، فالولايات المتحدة تقدم خطاب نقدي للمنظومة الحاكمة وتدعي حرصا كاذبا على حرية العراقيين وحقوقهم، وتقفز المرجعية الدينية الشريكة في المشروع الاستعماري وتجلياته الطائفية في العراق، للدعوة لاجراءات اصلاحية حكومية وانتخابية.

السؤال الأساس اليوم لكل القوى التقدمية وتلك المعادية للهيمنة الاستعمارية، هل هناك أي مصلحة ترجى في ادامة هذا النظام على حساب طموح وارادة وتطلعات الشعب العراقي؟