في زحام الأحداث السياسية، تهتز العلاقة التاريخية ل مصر بالقضية الفلسطينية، ويخفت صوت خيار المقاومة مع تراجع الاهتمام بقضية العرب المركزية.
هذه العلاقة تتجسد حية في الفيلم التسجيلي “ساكن” للمخرجة الفلسطينية/الأردنية ساندرا ماضي، إنتاج 2014، عرض بالقاهرة في سينما زاوية.
تواصل فيه المخرجة تقديم تجليات مختلفة للقضية الفلسطينية التي شغلت مشروعها الفني منذ بداياتها، منها أفلام «قمر ١٤» (46 دقيقة)، عن بطل الملاكمة فرج درويش، ابن مخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين. «ذاكرة مثقوبة» (62 دقيقة)، عن تجربة مناضلين منسيين. «نهر البارد… مخيم اعتقال» (52 دقيقة)، الذي يرصد مشاكل أهالي مخيم نهر البارد في لبنان، بعد تدمير المخيم عام 2007. و«نهر البارد- قلبي المعلق على الحائط بوتد» (72 دقيقة)، فيه عرض لانتفاضة أهالي مخيم نهر البارد حتى تحقيق مطالبهم.
وفي “ساكن” تواصل المخرجة كشف عوالم المناضلين المنسية، مستعرضة العلاقة الوجدانية بين مناضل فلسطيني قعيد الفراش وشاب مصري يرعاه في مستشفي جيش التحرير بالأردن، التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، حيث يقيم المناضل إبراهيم، بعدما تسببت إصابته في بيروت، خلال الاجتياح الإسرائيلي لها، بشلل كامل جسده.
على مدار ساعة ونصف، لا تخرج أحداث الفيلم من المستشفى، مركزة على العلاقة الإنسانية البسيطة والفريدة بين الرفيقين طوال 15 عامًا، منذ قابلت إحدى قريبات إبراهيم “وليد”، الشاب المصري الريفي دقيق الجسد، الذي ارتحل للأردن بحثًا عن عمل، وأخبرته بحاجتهم إلى “رفيق” لمريض.
بدا خائفًا ألا يكون أهلا لمهمة رعايته وحمله لضخامة حجمه، وأن يتسبب في إيذائه دون قصد، إلا أن إبراهيم طمأنه، وسرعان ما قامت بينهما علاقة شديدة الخصوصية، فظل وليد راعيا لإبراهيم، يعود لقريته شهورا كل عام، خلالها تزوج وأنجب ثلاثة أبناء.
تتابع المخرجة الجوانب المختلفة لعلاقة إبراهيم ووليد، وقلق إبراهيم من احتمال عودة وليد إلى مصر، سواء بسبب مشاكل الإقامة أو لأنه لم يعد قادرا على مشقة العمل، ولا البعد عن زوجته وأطفاله. فيما يحاول وليد البحث عن حلول، لأنه لا يستطيع أن يترك إبراهيم لأنه يعتمد عليه ولا يرتاح إلا معه. يقول: “حاسس أنه مسؤول مني أنا كأحد أطفالي”.
فمنذ سنوات يعيش مرافقا له في المستشفي الذي رفض إبراهيم مغادرته رغم استقرار حالته لأنه شعر أنه سيموت بمجرد خروجه منه. وهذا ماحدث فعلا، فحين رحل وليد في زيارة قصيرة لعائلته في مصر، وأخرج المستشفي نزلاءه لمدة أسبوع فقط لرش المستشفي وتطهيره، ففارق إبراهيم الحياة بعد إبعاده عن المستشفي وسفر وليد.
اعتمدت المخرجة على تتبع التفاصيل اليومية البسيطة للحياة في المستشفي والروتين اليومي لرعاية وليد لإبراهيم في كل تفاصيل حياته، من إطعامه إلى تقليم الأظافر، وأجواء مشاهدتهما المشتركة لنشرات الفضائيات، ومناقشات زوار إبراهيم حول قضية فلسطين، وتطورات الأحداث العربية.
حياة إبراهيم حافلة بمفارقات عجيبة ومأساوية، ورغم ذلك نراه متمسكا بالحياة وراغبا في التصالح مع حالته. يبدو تاريخه الشخصي نموذجا دالا لتاريخ وطنه، فتي ابن الثامنة عشر، ضحية لعبث الإدارة السياسة. ترك عائلته في الكويت، عام 1980، ليلتحق بالمقاومة في بيروت، شارك في مواجهة اجتياح بيروت وجنوب لبنان، عام 1982، وأصيب بـ”نيران صديقة” من فصيل حليف للمقاومة، خلال نقاش تدهور إلى شجار بالأسلحة، أثناء مهمة تأمين مرور موكب ل ياسر عرفات ، ليمضي باقي حياته قعيدًا، المفارقة أن الموكب لم يمر من الطريق الذي كان يؤمنه.
“ساكن”، ليس فقط اسم الفيلم، وإنما إيقاعه الرتيب الساكن، ولا يمكنك تجاهل دلالته الرمزية على ما أصاب العرب من موات تجاه القضية الفلسطينية. فإبراهيم القعيد، لم يفقد إيمانه بالمقاومة، ويتلقى رعاية روتينية حكومية، كما حال القضية الفلسطينية.
ورغم أن الفيلم يحفل بخفة روح إبراهيم الذي لم يفقد حب الحياة وعناد المقاوم وحتي رومانسية الثائر الحالم رغم معاناة الحياة اليومية والروتين الممل وإحساس العجز القاتل، ورغم عذوبة العلاقة الإنسانية بين رجلين جمعتهما صداقة فريدة فنجد إبراهيم يتحدث لزوجة وليد تليفونيا بود شديد وخفة ظل، إلا أن الفيلم يشع حالة من الحزن تتسلل لروح مشاهدة تدريجيًا، حتى تصل ذروتها مع انتهاء الرحلة برحيل إبراهيم الذي كان يتوقعه منذ دخوله المستشفي ورفضه الغامض للخروج منه والعودة إلى منزل عائلته.
«ساكن» من إنتاج شركة كربون أحمر، حاصل على جائزة صندوق تمويل الأفلام الوثائقية الطويلة في مؤسسة الشاشة في بيروت 2013، ودعم مالي آخر من «أدفا بيرثا». ومهرجان الإسماعيلية للأفـــلام التسجيلية.
ولدت المخرجة ساندرا ماضي في الأردن لأبـوين فلسطينيين، وهي مخرجة مستقـــلة وممثلة بدأت مشوارها الفني في مجال المسرح حيث قدمت 18 عملا مسرحيا وأعمالا عديدة لمسرح الطفل وأعمالا تلفزيونية عدة، قبل أن تتجه إلى السينما وتعــمل مخرجة أفلام تسجيلية مستقـــلة.
المصدر: وكالات

