Menu

تقريرالاحتلال في الخليل: استيطان للأرض ومحو للتاريخ

بيسان الشرافي

غزة/الخليل _ خاص بوابة الهدف

تعيش مدينة الخليل الواقعة جنوب الضفة الغربية المحتلة، في حالة عدوانٍ متسارع ومستمر، يُسابق الزمن ليأكل أراضيها ويسرق منازلها، وليروّع أطفالها ويسلب أهلها راحة نومهم، جراء الاعتداءات الممنهجة من قبل المستوطنين ومن سلطات الاحتلال بقراراتها الاستيطانيّة الجائرة.

شهدت المدينة خلال الأيام الماضية، قراراتٍ صهيونيّة جديدة من نوعها، تسعى لتفكيك أواصرها، وقطع واحدٍ من أهمّ معالمها القديمة، حيث قرّر وزير الحرب "الإسرائيلي" نفتالي بينيت هدم سوق "الجملة" الكائن وسط المدينة، من أجل بناء حيٍ استيطاني جديد مكانه.

تبع القرار "الإسرائيلي"، مخططٌ يقضي بتغيير بعض معالم المسجد الإبراهيمي، أحد أهم المعالم التاريخية والدينية في فلسطين، فقد تداول نشطاء ومختصّون صورًا للمخطط الذي بناء جسر للمشاة داخل المسجد، إضافة إلى وضع أساسات لمصعد في أروقته الداخلية. وسبق ذلك تداول مقاطع مصورة لمجموعات من المستوطنين ينقلون أتربة في أكياس مغلقة، من داخل القسم الذي يسيطر عليه الاحتلال كاملًا.

في الخليل، يتصاعد مشهد الإرهاب الاستيطاني منذ أسابيع طويلة، فقد نفذ المستوطنون في الأيام الأخيرة من شهر تشرين الثاني/نوفمبر، اعتداءاتٍ همجيّة أدت إلى إصابة عددٍ من المواطنين، وإصابة طفلٍ رضيع بالحجارة في رأسه، أثناء احتفالهم بما يُسمى "عيد سارة" اليهودي.

ويسعى الاحتلال "الإسرائيلي" من خلال هذه الهجمات المتكرّرة والقرارات المُتسارعة، إلى فرض سيطرته على المدينة التي قسّم بعض معالمها في اتفاقاتٍ سابقة، مع السلطة الفلسطينية، بدءًا من مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994 وبروتوكول إعادة الانتشار للعام 1997.

مدينة استيطانية متكاملة

يؤكد تيسير أبو سنينة، رئيس بلدية الخليل، أن الاعتداءات الاستيطانية المتسارعة سواء من مجموعات المستوطنين أو جنود الاحتلال، في المناطق المغلقة وقرب الحواجز، هدفه الضغط على المواطنين، لترك المدينة والهجرة منها، تمهيدًا لتهويدها.

أبو سنينة قال لـ "بوابة الهدف"، إن قرار وزير حرب الاحتلال نفتالي بينت بهدم سوق الخضار القديم "سوق الحسبة"، وبناء حيّ استيطاني جديد مكانه، سابقة تُشكّل اعتداءً على أملاك وصلاحيات وحقوق بلدية الخليل، من أجل خلق تواصل بين البؤر الاستيطانية الخمسة المقامة في الخليل.

ولم ينتظر الاحتلال انتهاء المُهلة التي أعطاها لبلدية الخليل، والمحددة بـ 30 يومًا، لإخلاء السوق –دون إعطائها حقّ الرفض-، إذ قام بعملية المصادرة واقتحام المنازل الواقعة بين الحسبة والحرم الإبراهيمي منذ أيام.

وأوضح أبو سنينة أن الهدف من ذلك، ليُشكّل الاحتلال مدينة استيطانية مكتملة ومتواصلة، يقع الحرم الإبراهيمي في مركزها. ويُعد الأمر ذا خطورةٍ كبيرة جدًا على مدينة الخليل وتراثها وتاريخها، كما يشكّل اعتداءً على قرار "يونسكو" باعتبار الحرم في الخليل جزءًا من التراث الإنساني العالمي.

ففي 7 يوليو 2017، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "يونسكو"، الحرم الإبراهيمي في الخليل، على قائمة التراث العالمي باعتباره موقعًا تراثيًا عالميًا فلسطينيًا، كما اعتبرت أن استخدام الحجر الجيري المحلي يميّز أبنية البلدة القديمة في الخليل، حيث شيدت المباني الأثرية في القرن الأول الميلادي.

آنذاك، أثار القرار سخط الحكومة "الإسرائيلية" التي فشلت مساعيها في التأثير على القرار بخصوص المدينة التي تحتوي العديد من الأماكن المقدسة، وهو ما جعل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يوصي بالانسحاب من المنظمة في أواخر 2018.

ويُضيف أبو سنينة أنّ الحي الاستيطاني المُزمع بناؤه، يقع في مركز مدينة الخليل، وفي مركز شارع الشهداء، "وهذا يؤسس إلى قتل الأمل في فتح هذا الشارع الذي يُعد الشريان الرئيسي في المدينة".

أمّا الناشط في مواجهة الاستيطان عيسى عمرو، فقد قال إن هذا القرار سيزيد من أعداد المستوطنين وسيؤدي إلى زيادة أعمال التطهير العرقي والتمييز، وتمديد إغلاق المنطقة المغلقة منذ مجزرة الحرم الإبراهيمي.

عمرو قال لـ "بوابة الهدف"، إن الاحتلال يُريد من خلال ذلك تغيير معالم البلدة القديمة وقتل الهوية الفلسطينية العربية لمدينة الخليل، كما يُريد السيطرة على المسجد الإبراهيمي ووصل البؤر الاستيطانية الموجودة بالمستوطنات المحيطة في المدينة.

وأضاف عمرو أنه تم توثيق 42 ألف انتهاك من قبل الاحتلال والمستوطنين في الخليل خلال 22 سنة، بينما تزايدت انتهاكات المستوطنين خلال الفترة الماضية، والتي تتعدّد بين الاعتداء على المنازل بالحجارة والزجاجات الحارقة، والاعتداء على المواطنين، وتغيير أسماء الشوارع والأحياء الفلسطينية، والاستيلاء على المنازل، والاعتداءات المتكررة على أطفال المدارس من قبل جيش الاحتلال.

يصفُ الناشط الحقوقي الأمر بأنّ "الخليل أصبحت مدينة أشباح ومعزولة عن بقية المدن الفلسطينية".

إنهاء عمل المراقبين الدوليين

في كانون الثاني/يناير 2019، قرّرت حكومة الاحتلال إنهاء عمل بعثة المراقبين الدوليين في مدينة الخليل، والتي بدأت عملها بموجب "البروتوكول" الذي تم التوصل إليه عقب مجزرة المسجد الإبراهيمي، التي وقع ضحيتها 29 فلسطينيًا، على يد المستوطن الصهيوني باروخ غولدشتاين.

قال أبو سنينة لـ "بوابة الهدف"، إن قرار إنهاء البعثة آنذاك، كان يُنذر بتصاعد الانتهاكات والاعتداءات، فقد كان مؤشرًا لذلك، وهو ما كان يُعد "طلقة الرحمة" على بروتوكول الخليل، كما أنه يؤشر إلى عدم جدوى أي لقاء أو حوار أو مفاوضات تتم مستقبلًا، لأن أي اتفاق يمكن الوصول له ولا يلتزم به الاحتلال فهو عبث، وهذا يؤسس إلى توتير الأوضاع وانفجارها في الخليل.

يُضيف أبو سنينة في حديثه عن المخططات الاستيطانيّة للتغيير في المسجد الإبراهيمي، قائلًا "محاولة تغيير معالم الحرم بدأ منذ سنوات، وكل التغييرات من إغلاق الشارع الرئيسي بالخليل وإجراءات الاحتلال أسست إلى القرارات الأخيرة، لتصبح الخليل شبيهة بيافا في الاستيطان الذي يأكلها".

أمّا عمرو، فقد قال إن هذه القرارات سبقها إعلان بناء وحدات استيطانية في شارع الشهداء، وقرار زيادة عدد هذه الوحدات لاحقًا، عدا عن الاستيلاء على منزل عائلة الزعتري العام الماضي ومنزل عائلة أبو رجب، وحديثًا محاولة المستوطنين السيطرة على منزل عائلة الشريف.

هل من مواجهة؟

رئيس بلدية الخليل، أكد لـ "بوابة الهدف"، أنهم سيواجهون القرار بكل الوسائل المتاحة، مشددًا على أنهم "لا يمكن أن يقبلوا  تنفيذ هذا القرار"، مضيفًا "سنقاوم على الصعيد الشعبي والرسمي والسياسي وعلى الصعيد القانوني، شكلنا لجنة قانونية وشكلنا لجنة متابعة لهذا الموضوع".

وتابع "أرسلنا رسائل إلى كل الأصدقاء ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدولية ذات العلاقة، إضافة إلى أصدقائنا من بلديات وغيرها، ونسقنا مع القيادة الفلسطينية ومع الخارجية الفلسطينية ودائرة المفاوضات، ونحن نعمل ونتواصل مع الفصائل والقوى الوطنية لتأخذ دورها في تحريك الشارع والعمل الشعبي ضد القرار".

في الدور القانوني، قال أبو سنينة إنه "تم تشكيل لجنة قانونية، تقوم بالعمل على إعداد ملف قانوني حول الموضوع والانتهاكات الإسرائيلية في مدينة الخليل، سيتم عرضه على الدول والجهات المختصّة".

لكنّ الناشط عمرو، يرى أنه على السلطة الفلسطينية تفعيل بنود التي توفرها " اليونسكو " بموجب قرارها الصادر عام 2017.

كما أكّد على أهمية "التوجه إلى الجنايات الدولية ومجلس الأمن، ليكون هناك رد فعل موازي يؤدي إلى وقف الاستيطان في مدينة الخليل"، كي لا تتحوّل إلى وضعِ مشابه لما حدث في القدس المحتلة.

بالنظر إلى حالاتٍ شبيهة بما يحدُث في الخليل، والتي تكرّرت مع استمرار مشهد الاستيطان والتهويد في أنحاء الأرض الفلسطينيّة المحتلة، فإنّ مدينة القدس عايشت أكثر الحالات مشابهةً للخليل، والتي سيطر الاحتلال على معالمها تدريجيًا، ويسعى مؤخرًا إلى التقسيم الزماني والمكاني في المسجد الأقصى، ويقوم على تهويد مبانيها وأحيائها.

ولم يكُن للسلطة الفلسطينية باعتبارها الجهة الرسمية الممثلة للفلسطينيين، من دورٍ في مواجهات قرارات التهويد والاستيطان في القُدس، وأدى التخاذل الرسمي إلى بلوغ هذه القرارات حدّتها باعتبار المدينة عاصمةً للدولة العبرية عام 2017، من قبل الإدارة الأمريكية.

وفي كلّ الأحوال، لا يُتوقّع ذلك من السلطة، فيما يتعلّق بمدينة الخليل، وإن كانت قد دعت لإضرابٍ شامل في المدينة يوم الاثنين 9 ديسمبر، إلّا أنه بدى ردًا باهتًا على هذه القرارات، إذ يستطيعُ جنديٌ واحد من الجيش "الإسرائيلي" إغلاق الحرم الإبراهيمي ومنع الفلسطينيين من الصلاة فيه، تحت أيّ حجّة، ودون قرارٍ أعلى من حكومته.