نشر نادي الأسير الفلسطيني نصًا كتبته الشابة تسنيم حسن، شقيقة الأسيرة شذى، التي اعتقلها جنود الاحتلال من منزلها في حي عين مصباح برام الله بعد اقتحامه، فجر الأربعاء 12 ديسمبر. وشذى هي منسقة أعمال مؤتمر مجلس الطلبة في جامعة بيرزيت.
وكتبت تسنيم تصِف ما جرى قبل وخلال وبعد جلسة المحكمة الصوريّة التي عقدها الاحتلال، أمس الأحد 15 ديسمبر، ومدّد فيها اعتقال شذى لاثنتين وسبعين ساعةً، سيّما بعد تجربةٍ مشابهة في كل التفاصيل، اختبرتها تسنيم قبل سنواتٍ خلال اعتقال والدتها. وفيما يلي النص الذي نشرته شقيقة الأسيرة شذى:
في هذا الممر يا شذى قبل 12 عامًا سِرتُ، كنتُ صغيرةً خائفًا من مكانٍ لا أعرفه، وخطاي ثقيلة رغم سرعتها، لأنني كنتُ ذاهبةً لأرى "ماما" في المحكمة، واليوم يا شذى.. أنا أذهب معها لنراكِ، نفس الممر، نفس الاجراءات، ونفس الجلسة التي جلستها، كلها تعيد نفسها.
مرت محامية كانت تسأل دائمًا عن ماما وقت اعتقالها، سلمت عليها، وسألتها إن كانت تذكرها، ونظرت إلي وأنا أجلسُ ذات الجلسة، وقالت لأمي: بتذكر بنتك!
وجلسنا ننتظرُ بشوقٍ، ومرت الساعات وكأنها الدهر، أخبرَنا المحامي أنهم أحضروا شذى وأننا سندخل لنراها خلال ما يسمونها "المحكمة" وأنا وأمي نذكر بعضنا بأن لا ترى منا دمعة.
وجاءت شذى، باسمة المحيا، كعادتها تضحك.. أول ما قالته.."ما تعيطو ولا بعيط" وضحكت، سألت عن شهد وإن كانت قد قدمت امتحانها، سألت عن "بابا" وعن أخوتي وأخذت تحدث المحامي، كنتُ أنظرُ لها أنا وأمي وهي تحرك يديها الصغيرتان المكبلتان بالأصفاد، وترتبُ حجابها الذي أخذو منه كل الدبابيس، ترتدي زي السجن الكبير جدًا عليها.
سألتها إن كانت تشعر بالبرد، فضحكت وحركت يدها بما معناهُ "كثيرًا"، سألتها أمي إن كانت قد أكلت، فردت عليها "شوي"، وشذى في عادتها تأكل لقيمات، فأكيد أن الـ "شوي" هي لقمة. سألتها، مين معك.. قالت بشرى وأفنان ولينا، سألتها مرة أخرى.. "أعطوكي جاكيتك يا شذى" فردت، "لا، لإنو إلو طاقية".. السجن بارد يا شذى، ابتسمت وقالت..كتير بارد.
كانت أقل من 10 دقائق، مرت كلحظة وطلب "القاضي" تمديد اعتقالها لمدة 72 ساعة، سألت شذى المحامي عن إذا ما كان هذا التمديد يعني شيئًا، فشرح لها، عادت وابتسمت، قبل أن يناديها الجندي.. "يلاااا"
نظرت لنا، وهي تقول "ادعولي.. ادعولي كتير" وادارت وجهها عنا، ونزلت دمعة منها..
نادتها أمي بصوتٍ عالٍ.. شذى شذى.. ليش بتعيطي، إنت قوية، ما تعيطي.. خليكي قوية يا شذى.. إن شاء الله بتروحي، الفرج قريب يا شذى..وغابت شذى خلف الباب.
هذا المشهد يعيد نفسه، في ذات المكان قالت أمي ذات الكلام عندما بكيت حين رأيتها في المحكمة أول مرة وفي يديها أصفاد الحديد.. نادت علي يومها بصوتٍ عالٍ وقالت لي، "ليش بتعيطي يا تسنيم، أنا مش مطولة وبروح".
أنا أعرف أنها كانت تبكي في قلبها عليّ في ذلك اليوم يا شذى، واليوم هي تبكي في قلبها عليكِ، لكنها أمي الجبل الذي نستندُ عليه، ومنبعُ القوة الذي نرتوي منه، والحضن الدافئ بالدعاء لنا والآمان وقت الخوف، حاشا لله أن يخذل قلبها وأن لا يردكِ لها.
تكللكِ الدعواتُ يا شذى، دعواتٌ قلوبنا، ودعوات من نعرف ومن لا نعرف، وحسبنا أن الله يعرفها كلها، هو القاضي وهو الحاكم بالفرج.
*فيديو لتسنيم ووالدتها قبل جلسة المحكمة أمس 15 ديسمبر 2019- من "شبكة القدس ":

