Menu

أطباء وقضاة متواطئون

التعذيب في سجون "إسرائيل".. منظومة متكاملة لإخفاء الجريمة

تعذيب الاسرى- صورة توضيحية

فلسطين المحتلة_ بوابة الهدف

أكّدت مؤسسة "الضمير" لحقوق الإنسان أنّ هناك تكاملًا في الأدوار بين المحققين والأطباء والقضاة في كيان الاحتلال لإخفاء الإجرام والإرهاب الممنهج المتمثّل في تعذيب الأسرى الفلسطينيين في مراكز التحقيق، في محاولة لنزع الاعترافات منهم.

وقالت "الضمير" إنّ سلطات الاحتلال تُمارس التعذيب الجسدي والنفسي بحق المعتقلين الفلسطينيين منذ اللحظة الأولى للاعتقال، وخلال نقلهم إلى مراكز التحقيق التي يستكمل فيها المحققون تعذيبهم نفسياً وجسدياً، إذ يتعرض غالبيتهم للشبح على الكرسي لساعات طويلة، وحرمانهم من النوم، والتحقيق المستمر والمتواصل، والتكييف البارد، واستدعاء أفراد من العائلة للضغط على الأسرى، فضلًا عن العزل لفترات طويلة".

جاء ذلك في تقريرٍ مفصّل نشرته المؤسسة، الخميس 23 يناير، حول سياسة التعذيب في سجون الاحتلال، والتي شهدت خلال الأشهر الأخيرة تصعيدًا حادًا. وتطرّق التقرير إلى عدّة ملفّات، متّصلة بهذه السياسة ومنهجيّة التستّر عليها وإخفائها. وبيّنت "الضمير" أنّها تابعت المؤسسة حالات 50 أسيرًا جرى اعتقالهم منذ سبتمبر- ومابعده- بينهم طلبة ونشطاء ومدافعون عن حقوق الإنسان وسياسيّون، تعرض جميعهم للتعذيب النفسي الشديد وسوء المعاملة وللتحقيق لفترات طويلة ومتواصلة وحرمان من النوم والراحة، والعديد منهم تعرض للتعذيب الجسدي الشديد بأساليب ووضعيات مختلفة".

تواطؤ الأطباء

وكشفت "المؤسسة" أنّ الأطباء في عيادة مركز تحقيق المسكوبية الصهيوني كانوا شركاءَ للمحققين في جريمة تعذيب الأسرى والتستّر عليها، إذ لم يعملوا على توثيق آثار هذه الجريمة، في تقاريرهم الطبية، بل كانوا يصادقون على أن صحة المعتقل جيدة ويمكن استكمال التحقيق معه حتى وهو لا يقوى على الوقوف، والكدمات تملأ جسده، بسبب التعذيب الشديد والشبح بطرق مختلفة ولفترات طويلة".

وتبين لمؤسسة الضمير أن التقارير الطبية التي تمكنت من الحصول عليها للمعتقلين في مركز تحقيق المسكوبية لا تُظهر أن الأطباء عملوا على توثيق الحالات وفق معايير بروتوكول إسطنبول لتوثيق حالات التعذيب والمعاملة غير الإنسانية، مما يُظهر تواطأهم مع محققي المخابرات في ارتكاب جرائم التعذيب والتستر عليها وإخفائها".

وأشارت المؤسسة إلى أنّها تمكّنت من توثيق "حالة واحدة للمعتقل وليد حناتشة، والحصول على صور أظهرت آثار التعذيب والكدمات والعلامات على جسده بعد أن طلب المحامي من القاضي العسكري التحقق من الوضع الصحي لوليد ورصد التعذيب، وبعد التحقق أمر القاضي بالتقاط صور لهذه الآثار وتقديمها للمحكمة". لكن حالات لأسرى أخرى تعرضوا للتعذيب لم تتمكّن المؤسسات الحقوقية من توثيقها، منهم الأسير سامر عربيد.

منع زيارة المحامي

وقالت "الضمير": خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، أصدر الاحتلال نحو 200 أمر "منع لقاء المحامي" بحق غالبية المعتقلين في مركز تحقيق المسكوبية، كان يتم تجديدها عدة مرات. وخلال هذه المدة قدمت المؤسسة 22 التماسًا للمحكمة العليا بالكيان، للطعن في هذه الأوامر، 18 التماساً منها تم رفضه. علمًا أن قرار منع لقاء المحامي بالمعتقل يسري حتى في جلسات المحاكم، إذ يُمنع لقاؤهما.

وأكّدت المؤسسة أنّ "الرفض بهذه الوتيرة يُظهر تكامل الأدوار بين المحققين والقضاة فيما يتعلق بإخفاء جرائم التعذيب، إذ أدّت أوامر المنع هذه إلى تفرّد محققي الاحتلال بالمعتقلين واستخدام كافة الأساليب لتعذيبهم والتنكيل بهم، وحرمان محامي الأسير من تقديم دفاع فعّال أمام المحكمة".

محامي الدفاع- محامي الأسرى- لرصد وتوثيق آثار التعذيب أثناء فترة التحقيق وملاحقة هذا الانتهاكات، ودون تمكنه من تقديم الاستشارة للمعتقل في الفترة الأهم في الاعتقال".

وبيّنت أنّ "هذا الإجراء يعيق عملية الدفاع، إذ لا يتمكن المحامي من التحقق من كيفية سير إجراءات التحقيق مع موكله، فلا يستطيع رصد أو توثيق التعذيب، كما لا يُمكنه تقديم المشورة للأسير خلال الفترة الأهمّ في الاعتقال، وكذلك لا يستطيع معرفة ما قاله الأسير خلال جلسة المحكمة".

كما قدّم محامو مؤسسة الضمير 80 استئنافاً على قرارات تمديد توقيف المعتقلين الذين تعرّضوا لتعذيبٍ شديد، قُبل منها 12 فقط لتقصير فترة التوقيف.

قرارات منع النشر

أمّا عن هذا، فقالت مؤسسة الضمير، إن محكمة الصلح "الإسرائيلية" أصدرت أمرًا بمنع النشر، بتاريخ 10 سبتمبر، بناءً على طلب جهاز "الشاباك" وجهاز الشرطة الصهيونية، شمل جميع المعتقلين الذين خضعوا للتحقيق في مركز تحقيق المسكوبية، وجُدد هذا الأمر لمراتٍ عدة مُنع خلاله الجمهور، ومؤسسة الضمير التي تمثل المعتقلين من نشر أيّة معلومات تتعلق بالمعتقلين وبظروف التحقيق معهم.

وعقّبت المؤسسة على هذا بالقول "إن إصدار أمر بمنع النشر هو إجراء يتم من طرف واحد وبالتالي استغل جهاز المخابرات هذا الإجراء- القضائي- لمنع رصد وتوثيق التعذيب الذي مورس بحق المعتقلين في المسكوبية، وبهدف التغطية على جرائم التعذيب التي تُرتكب في مراكز التحقيق، ولمنع الجمهور والممثلين القانونيين من فضح التعذيب وسوء المعاملة التي عانى منها المعتقلون في الأشهر الأخيرة.

ورفض قضاء الاحتلال الاستئناف ضدّ قرار منع النشر، الذي ظلّ سارٍ أكثر من 3 أشهر، لم يكُن باستطاعة "الضمير" أو غيرها من المؤسسات الحقوقية توثيق حالات التعذيب وفضحها، وبالمقابل استمرار محققي الاحتلال باستخدام أساليب التعذيب النفسي والجسدي الشديدة بحق المعتقلين دون أي رقيب.

حصانة مُطلقة للمُجرمين

إن سياسة سلطات الاحتلال في تعذيب المعتقلين الفلسطينيين لانتزاع الاعترافات منهم ليست بالسياسة الحديثة، وعلى الرغم من توقيع دولة الاحتلال على اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو غير الإنسانية أو المهينة التي تحظر التعذيب وسوء المعاملة بشكلٍ مطلق منذ العام 1991، إلا أن سلطاتها ما زالت تمارس التعذيب بشكلٍ ممنهج وبوتيرة أعلى وأشد، وهو ما تجلّى في الأشهر الأخيرة الماضية.

وبحسب "الضمير" تطرقت المحكمة العليا "الإسرائيلية" للتعذيب من خلال سلسلة متلاحقة من قراراتها. ففي عام 1999، بقرار رقم (5100/94)، لم تمنع المحكمة التعذيب بشكلٍ مطلق، ورغم ادعاء القرار منع التعذيب في القانون "الإسرائيلي"، إلّا أنّه ترك ثغرة جدية سمحت لجهاز المخابرات باستغلالها لاستمرار ممارسة التعذيب بصورة منهجية دون مساءلة أو محاسبة، من خلال الإقرار بأن المحققين يستطيعون الادعاء أنهم اضطروا لاستخدام "الأساليب الخاصة" في حالة "القنبلة الموقوتة- أي خطر وليس شرطًا أن يكون الخطر فوريًا" وبالتالي يتمتعون بحماية دفاع "الضرورة" في وجه أيّة ملاحقة قانونية.

وقالت المؤسسة الحقوقية "إنّ هذا القرار شكّل الأساس لاستمرار ممارسة التعذيب على يد محققي جهاز المخابرات بأشكال مختلفة ونطاق يعتمد على الظروف القائمة على الأرض".

وعلى إثر هذا كلّه، ازدادت ممارسة التعذيب بشكل ملحوظ وعادت لتشمل أساليب عنيفة جداً نفسياً وجسدياً لا تختلف عما ادعت المحكمة منعه في قرارها عام 1999. ورأت "الضمير" أنّ قرارات المحكمة العليا الصهيونية صعّبت ملاحقة المحققين الذين يرتكبون جرائم التعذيب قانونياً، وأعطتهم حصانة ضد أي إجراءٍ يمكن أن يُتخذ بحقهم.

وذكرت المؤسسة أنّها قدّمت منذ عام 2001 حوالي 1200 شكوى عن التعذيب أثناء التحقيق في المراكز الصهيونية، لكن جميع هذه الشكاوى أُغلِقت دون أي إدانة.