القفزة الهائلة في منسوب القمع الأمني ضد المتظاهرين في لبنان منذ مطلع يناير ٢٠٢٠ لم تكن هي المؤشر الوحيد على وصول الانتفاضة اللبنانية لمرحلة مفصليّة، بات من الواضح معها أن البلاد تمر بأيام ستحسم مصيرها لسنوات قادمة قد تطول، وهو ما باتت تدركه قوى الشارع جيدًا، كما تدركه أيضًا تلك العصب السياسية والاقتصادية التي حكمت ونهبت البلاد منذ تأسيس لبنان وفق التقسيمة الطائفية التي حددها الجنرال الفرنسي المستعمر "غورو"، وأعادت انتاج نفسها عشرات المرات وصولاً لصيغ ما بعد الطائف.
كسر عظم:
وفق حصيلة لعدد الجرحى جمعتها «وكالة الصحافة الفرنسية» استنادًا إلى أرقام للصليب الأحمر اللبناني والدفاع المدني، وأفادت بوقوع «نحو 400 جريح بين متظاهرين وقوات الأمن» إثر المواجهات التي اندلعت، وسط يناير، بين الطرفين في محيط ساحتَي النجمة ورياض الصلح.
وكان الآلاف من المتظاهرين قد توافدوا، اثر ذلك، إلى شوارع العاصمة للمشاركة في المسيرات الاحتجاجية التي انطلقت تحت عنوان «لن ندفع الثمن»، قبل أن يتوجه آخرون نحو مجلس النواب، الذي شهد محيطه اشتباكات بين المحتجين وقوات مكافحة الشغب، سرعان تصاعدت حدتها بعدما أُطلقت خراطيم المياه والغازات المسيّلة للدموع باتجاه المتظاهرين في ساحة النجمة لتفريقهم. كما استخدمت قوات الأمن الرصاص المطاطي، فيما رشق المتظاهرون عناصر مكافحة الشغب بالحجارة والمفرقعات النارية.
يأتي ذلك بعد أن شهدت بيروت مطلع يناير تكسيرًا لواجهات المصارف في منطقة الحمرا في العاصمة بيروت من قبل محتجين، فيما يدخل مواطنون كل يوم إلى البنوك ويعلنون سخطهم على المصارف ثم ينشرون ذلك في مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي.
وقد تركّزت التحركات الاحتجاجية في الأسابيع الأخيرة في لبنان على المصارف التي يقول مراقبون إن الطبقة السياسية أو مقربين منها، يمتلكون منها 18 مصرفًا من أصل 20. وتفرض المصارف منذ شهرين، قيودًا خانقة على المواطنين وتمنعهم من التصرف بحريّة بأموالهم ورواتبهم الشهرية.
وتسمح بعض المصارف للمودعين بسحب شهري قيمته 100 دولار فقط، بينما تسمح مصارف أخرى بسحب 200 دولار أسبوعيًا. ولا تسمح المصارف بسحب الأموال بالدولار الأميركي حتى ولو كانت مودعة به.
ويترتّب على ذلك خسائر كبيرة للمودعين بسبب الفارق بين سعر الصرف الرسمي للدولار وسعر صرفه لدى الصرافين.
ويتّهم المحتجون السياسيين بتهريب ملايين الدولارات من أموالهم التي جمعوها من خلال سنواتهم في الحكم إلى خارج البلاد تحت أسمائهم الخاصة أو أسماء أفراد عائلاتهم أو مقربين، الأمر الذي أدّى إلى مشكلة في السيولة، وبتعبير أدق أدت إلى افتضاح تبخر جزء كبير من الأرصدة بفعل سياسات الاستدانة وفوائدها المرتفعة التي تتبعها الحكومات اللبنانية المتعاقبة.
حكومة جديدة وسياسات قديمة:
باشرت الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة حسان دياب مهامها مطلع الأسبوع، وبينما تعكف هذه الحكومة على صياغة بيانها الوزاري الأول الذي يوضح توجهاتها وسياساتها ومهامها، أظهرت الحكومة توجهات غير مريحة لجمهور المحتجين، فمن جهة أكد وزير ماليتها رفضه لفكرة اعادة الموازنة العامة التي أقرتها الحكومة السابقة لطاولتها، وهي موازنة تمضي في ذات السياسات السابقة القائمة على الاستدانة والخضوع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
وبحسب ما يرشح عن البيان الوزاري المنشود من معلومات، فإن الحكومة وضعت مهلة ٥ أشهر لإعداد اجراءات الخروج من الأزمة، فيما تبدو ماضية في سياساتها المالية بما يتوافق مع خطة الانقاذ الدولية المعروفة بخطة ماكنزي.
وقد أكدت مصادر مطلعة أن البيان سيتضمن حديثًا عن خطة طوارئ لخمسة أشهر، تلتزم فيها الحكومة بتنفيذ اجراءات تمهد لتحويل الاقتصاد من ريعي إلى منتج، كما سيتضمن البيان خلاصات من دراسة شركة ماكنزي التي تسترشد بها الحكومة في اعداد خطة عملها، فيما لم يتضح ما ستقدم عليه الحكومة لمعالجة أزمة المصارف والسيولة المالية وهي النقاط الأكثر اثارة للسخونة والتوتر الجماهيري في الشارع اللبناني.
نحو استمرار الأزمة:
إن احتمالات الجنوح الحكومي نحو خطط لإنقاذ المصارف بواسطة الدين الخارجي، وعدم وجود ضمانات تقدمها هذه الحكومة حتى الآن لاسترداد أموال صغار المودعين من البنوك، يعني فعليًا الانحياز ضد مطالب الحركة الاحتجاجية ووضع الحكومة لنفسها بجانب البنوك وكبار المودعين فيها من ساسة ورجال مال، وهو ما يعني فعليًا استمرار الأزمة واحتمالات تطورها بشكلٍ أسوأ.
حيث يجادل العديد من المتابعين للشأن اللبناني والمتحدثين حول الحراك اللبناني، بأن لا مخرج للبنان في اطار اتباع توصيات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبقية المانحين، وأنه لابد من التضحية فعليًا بمصالح المصارف وكبار المودعين من أصحاب رؤوس الأموال لمصلحة سداد ودائع متوسطي الدخل من اللبنانيين.
يحتاج لبنان لمعالجات تتجاوز أزمته المصرفية تطال النظام السياسي المأزوم والنظام الاقتصادي الذي قاد البلاد لهذا العجز الكبير، وهو أمر يبدو متعذرًا في سياقات السياسات السابقة التي قادت البلاد نحو هذه الأزمة المستعصية، ويحتاج لقرارات صعبة تعيد هيكلة النظام بشقيه السياسي والاقتصادي بما ينحاز لمصالح الغالبية العظمى من اللبنانيين.
ما يعزز هذه الاحتمالات هو وجود اصرار حكومي على اتباع ذات نهج الحكومة السابقة في مقاربة الاحتجاج، ذلك بما عبر عنه وزير الداخلية اللبناني الجديد محمد فهمي، معتبرًا أن الصدام يحصل فقط مع قلة من المشاغبين بين المتظاهرين، ما ينذر باستمرار المقاربات الأمنية القمعية في التعامل مع ملف الاحتجاجات.

