Menu

في انتظار ميّت

انتصار الدنان

انتصار توقيع كتاب.jpg

 هو الموت الّذي تتكسّر أمامه كلّ الاحتمالات، فلا الميت بعائدٍ، ولا الحيّ يعدم الانتظار.

صبيحة يوم العيد، جلست على عتبة بيتهم، تضع يديْها على خدّيْها، وتسمع تكبيرات العيد، وتملأ رائحة الشّواء الصّادرة من بيوت الجيران أنفها.

كانت ترتدي فستانًا بنّيًّا تتوسّطه أزرار جميلة، وتنتعل حذاءً طويلًا بنّيًّا كان قد اشتراهما لها خالها قبل حلول يوم العيد بيومين. صفّفت شعرها الكستنائيّ اللّامع، وأسدلته على كتفيْها الصّغيرتين، وهي الّتي كانت لطالما تضفره لها أمّها حين تذهب إلى المدرسة.

جلست طويلًا على عتبة بيتهم، تنتظر مجيئه والعيديّة، ومرّ وقتٌ ولم يأت، لكنّها لم تعدم الانتظار. ظلّت في انتظارها واضعةً وجهها بين يديْها، وتحدّق في المدى البعيد، وتستمع لصوت أقدام الرّجال، والنّساء، والأطفال، تروح وتجيء، وفي كلّ لحظةٍ كانت تتوهّم بأنّه سيجيء.

انقضى معظم الصّباح، ولم يأتِ، والعيد نكهته بصباحه، وعدلت عن رأيها، فهي لم تعد تريد أن ينقدها بعض الوريقات من اللّيرات، على أهمّيتها بالنسبة لها، لأنّها عاشت تنتظر تلك اللّحظات الّتي تحصل فيها على "عيديّة".

هذه المرّة تريده أن يجيء، حتّى تحظى بضمّة منه، تشعرها بالدّفء والحنان، وتنسيها ما عانته من حرمانٍ على مرّ السّنوات الّتي عاشتها، وهي الّتي لم تجاوز الثّامنة بعد.

فاضت عيناها البنّيّتان بالدّمع الّذي سال على خدّيْها اللّذين توهّجا من شدّة الحزن.

قامت من مكانها، مشت قليلًا نحو الّدرج الّذي من خلاله تطلّ على الشّارع. كانتِ الأراجيح تزغرد، والألعاب تغنّي موسيقى مختلفة، إنّها موسيقى العيد، والأولاد في هرج ومرج إلّا هي كانت دموعها تسيل على خدّيْها الصّغيريْن. كان النّاس والأطفال في ساحة العيد كأسراب نملٍ في أثناء خروجها من مخابئها في أيّام الرّبيع، باحثةً عن طعامها.

شعرت بحزنٍ شديدٍ، ثمّ عادت إلى مكانها، تضع وجهها بين يديْها، وبجانبها حقيبتها الصّغيرة البنّيّة. كانت فارغة من النّقود حتّى من ألوان الحلويات الّتي فرغ بيتها منها. اقتربت منها أمّها لتمسح عن عينيْها الحزن. رفعت نظرها نحوها، وسألتها:" أين أبي"؟

رحل مع من رحلوا، حمل معه سلاحه ومضى،  مضى بعيدًا نحو الوطن، لكنّه لم يعد بعد.

أخفضت نظرها نحو المدى البعيد الواسع، وعادت إلى مجلسها، وظلّتِ الأفكار تموج بها، وتعصف بكيانها.