Menu
حضارة

الحجر المنزلي في المنفى

هند شريدة

يزن مغامس

صحيفة الأخبار اللبنانية

مع تفشي وباء كورونا وتجوّله في شوارعنا؛ يكمُن الحلُ الأمثل في الحدّ من نيلِه لأجسادِنا ومواجهة قبضَتِه على أرواح أحبّتنا في الحجر المنزلي. قد يكون لُزوم المنزل للبعض نقمةً وأشبهُ بالعقوبةِ إلّا أنّهُ نعمةٌ "وكُل التّمني" لأهالي الأسرى الذين فقدوا رمز الحماية لديهم، عند قيام الاحتلال الغاشم بممارسة سياسته الهمجيّة بالعقابِ الجماعي وهدم منازلهم.

حَملت بيدها حجراً كانت قد اقتطعته من رُفات منزلها مع قطعة بلاط وشايش، تمامًا كما فعلت عائلة زوجها، بمفتاحِ منزلهم الذي هجّروا منه في قرية "الحدّيثة"، شمال مدينة الرملة عام 1948، وقالت: "كان منزلي سيكون الأمثلَ في العزلِ والحماية، فهو مُستقل، وتُحيطه قطعة مخضرّة للغاية، كضحكةِ يزن، مزروعة بالزيتون واللوز والليمون. كانت ستكون شجرة الليمون خلف حُجرة يزن ذخيرتنا في مقاومةِ كورونا، ومُستودعنا لاكتساب المزيد من فيتامين سي".

"أستغرب ممن يملّ بيته، وأقول لكلِ الفلسطينيين: قدّسوا بيوتكم والزموها، فقد ينتزع منكُم الاحتلال بيتَكم، مِثلي، ويحرِمكم الاستدفاءَ في كنفِهِ، والحمايةَ مِن كورونا اللّعين."

سناء أبو عوّاد، والدة الأسير يزن مغامس، مثالٌ عصريٌّ للوحةِ "جمل المحامل" للفنان المقدسي سليمان منصور. من لُجوءٍ لآخر.. "في البداية حَملنا مفاتيح العودة، وها نحن الآن نحمل قِطعًا مِن منازلنا، ننصِبُها في ركن بهيّ من زوايا بيتٍ نقطُنه مؤقتًا، مُؤمِنين أكثر بعودتِنا الحَتميّة".

لكي لا ننسى.. بقايا منزل الأسير يزن مغامس

في الخامس من آذار الماضي، قامت جرافات الاحتلال بشوكاتها الوحشية بهدمِ منزلِ الأسير يزن مغامس في بلدة بيرزيت، ووليد حانتشة في قلبِ حيّ الطيرة في رام الله، لِزعم الاحتلال ضُلوعهما في عمليةِ عين بوبين، قرب مستوطنة "دوليف" الواقعة داخل حدود الرابع من حزيران لعام 1967، في الضفة الغربية المحتلة، في شهر آب 2019. لم يكن هذين البيتين وحدهما المستهدفان، فقد انتهج الاحتلال أيضا هدم آلافِ المنازلِ في القدس ، والدّاخل المحتل، ومختلف مُدن الضفة الغربية وقطاع غزة. لا يمكن توصيف سياسة العقاب الجماعي تلك سوى أنها " تصفاية حسابات بين الأنبيا وأشباح".

ماذا تعني منازلنا، ليصرّ الاحتلالُ على هدمها، وطردنا منها في "ترانسفير/ Transfer" قسريّ جديد؟ وماذا يعني أن تلزم حجراً منزلياً في منفى لتحمي نفسك وسط تعنّت الطبيعة وتمرّدها على هيئة وباء؟

17(200).jpg
18(192).jpg
 

قد يكون المكان أحيانا أشبه ب"مصيدة" وقد يكون في أحيان أخرى محض "متاهة" على حد توصيف حسين البرغوثي، الا أنه بات إشكالية لدى ادوارد سعيد ومعضلة حقيقية في منفاه، حيث دَوّنَ إحداثيات الحالة التي عاشها آنذاك بكونه "خارج المكان". نجد عوائل الشهداء والأسرى ممن هدمت منازلهم كأمثال أم يزن عالقين بين البَيْنَيْن، يعانون آلام الفقد، يشهدون في ليلة وضحاها تغريبة أخرى، تجعلهم ضائعين بلا هوادة، يسائلون عن أصل الحكاية. في حالة عائلة مغامس، هناك ضياع حتى للمركز، أهو بيتهم الذي هُجِّروا منه في الرّملة أم منزلهم الذي عاشوا فيه أكثر من 20 عاماً في بيرزيت؟ تَنَقّلٌ بين المَنافي، تساؤل موجع يرجعنا الى النواة؛ فلسطين الكُليّة القداسة.

أضحت "الرّملة" مُعاشة في المِخيال الجمعي لعائلة أم يزن، تتداخل متشكَّلَةً في أذهانهم، تكبر معهم وفيهم، يغذّونها بالصور والقصص والذكريات، لتبقى حيّةً نابضة في ذواتهم وهويّتهم، الّا أن لمنزلهم في بيرزيت قصة مختلفة، فهو "فراولة الذاكرة"، فاكهتهم النضرة، هو ذاك المذاق الحلو الحامض، حقيقة ما شكّلهم من أفراح وأتراح، وما هم عليه من جَبْلَةٍ وَطِيْنَة. تقول أم يزن في شهادتها: "سيبقى مشهد هدم المنزل وهو يتداعى أمامي حيّاً في ذاكرتي ما حييت. حياتي قبل الهدم لن تشبه حياتي بعد الهدم إطلاقا. أشعر بأني طريدة وشريدة بالرّغم من استئجارنا منزلا آخر في مكان قريب، الا أنه لا يشبه منزلي البتة. تكمل أم يزن بضحكة تهكمية: "أتعلمين؟ "هذا المطبخ ليس لي".

يتغذى الكيان "الإسرائيلي" على نهش ذاكرة الفلسطيني، وتحطيم نموذج الأمن والحماية لديه، إضافة الى تهشيم ذكريات عيشت في هندسة ما، وحرمانه من عيش مستقبل لم يأتِ بعد. هذه الانزياحات في الأماكن، أضافت بُعداً مكانياً آخر في تعريف الفلسطيني عن أصل هويته، مثل المخيمات واللجوء كواقع معاش، بكامل بؤسها، من بيوت الطين وأسقف الزينكو وقوارير التنك، الى كتابات الجدران التي تُذَكّرُ دوماً بالأصل، الا أنها شكلت أيضا "اللامكان" في هوية الفلسطيني. هيمنة الواقع الجديد لدى الفلسطيني بلور هوية جديدة لديه. يتساءل فيصل دراج في مقاله عن "تهجير الإنسان وما تكشفه الكاميرا" هل في التجربة الإنسانية ما يحكى عن "اللامكان"؟ المكان هو ما عاشه الإنسان فيه، والأمكنة بأهلها، وقد تكون في المكان تجربة إنسانية قاسية، أثّثها الوعي السعيد بالذكريات اللطيفة، وفقد سعادته حين اجتاح الزمن المكان وأثّثه بأطلال الذكريات. يتراءى، دائماً، انزياح موجع: انزياح المكان عمّا كانه، وانزياح الإنسان من مكان إلى آخر لم يرغب به. هناك «اللامكان»، الذي عبّرت عنه مخيمات الفلسطينيين بلغة مختلفة. إذا كان في المكان المستقر ما يتعهد الأحلام بالرعاية، فإن في «اللامكان» ما يكاثر الكوابيس ويفرض أكثر من رحيل.

يصبح التفاعل مع الأمكنة الجديدة واقع محض، يثقلنا بالذكريات، ويجعلنا حُبّل بحيوات أخرى، بموجه يأخذنا ويرجعنا الى انزياحاتنا الجديدة، يجعلنا نترنّح هنا وهناك، في أزمة هوية دائمة، وعلاقة قلقة ومضطربة مع ذواتنا.

ولطالما عبّر سعيد في مذكّراته عن شعوره الدائم بالاغتراب في المكان الّذي وُلد ونشأ فيه، وهذا بالتأكيد قبل وقوعه فريسة للمنفى القسريّ، قائلا: "لم أعد الإنسان ذاته بعد 1967، فقد دفعتني صفعة الحرب إلى نقطة البداية، إلى الصراع على فلسطين". ويتبع تصريحه بوضوح بأن "لا شيء في المنفى آمن أو مضمون".

ويعود سعيد ليصرّح عن مشاعره في المنفى في مقاله "تأملات حول المنفى: "لا يمكن التغلب عن الحزن الناجم عن هذا الانقطاع وأيا كانت إنجازات المنفيّ؛ فهي خاضعة على الدوام لإحساس الفقد." فالمنفيون "مجتثـــّون من جذورهم، من أرضهم ومن ماضيهم، يشعرون على الدوام بأنهم بحاجة مُلِحّة الى تشكيل حيواتهم المحطمة".

في ظل معاشرة الكورونا، نستطيع من فرط الحَجْرِ التصرّف بالأغاني وتوجيهها نحو المرحلة. فطلّت علينا فيروز برومانسيتها الحذرة تغني "خليك بالبيت". المضحك المبكي أننا لا نستطيع تحوير النص وتوجيهه لأسرانا مثلا.. فالأسرى، قصة أخرى، عزل ووصل، مَنافٍ مُتعددة. أنقول: "خليك بالزنزانة مثلا؟"

يعزلُ الاحتلال حوالي 5500 أسير وأسيرة، واضعاً إياهم في منفىً من نوع آخر مع وَصْلٍ دائمٍ مع السجّان. أنسخر موشّحين: "يا زمان الوصل بالمُعتقلِ". وبالرغم من العزل، الا أننا نخشى عليهم وعليهنّ من تسلّل كورونا إليهم بوساطة سجّان متغطرس، لا يوفر لهم أدنى مقومات الحماية والوقاية الاحترازية. أسرى وأسيرات مكدّسين في غرف ضيقة في معتقلات إسمنتية، حيث كل شيء رماديّ الطلاء وبُنِيّ الهَيئة؛ يقبَعُ كل ثمانية أسرى في غرفة، يصل عددهم في القسم الواحد لأكثر من 120، يتنفسون الهواء ذاته، ويتشاركون الأكل والملبس، يخرجون للساحة الخارجية أو ما يعرف "بالفورة" في ساعات معينة، وبالرغم من اكتظاظهم وتكديسهم، الا أنهم يعتنون بأنفسهم قدر الإمكان، الّا أن رذاذَ السجّان قريب إليهم حدّ "عطسة"!

هل سيتحمل جسد الأسير أو الأسيرة حينها فتكاً آخر غير التعذيب الذي أدماه في التحقيق أو خلال سنوات الأسر؟ هل ستتحمل أجسادهم المتهالكة أصلا فيروساً "يتوّج" نفسه مقتحماً خلاياهم الضعيفة، ورئاتهم التّعبة، والتي تتنفس رطوبة الزنازين وعطباً وغازاً في القمعات والاقتحامات؟ وهل ستصمد عندها أمعاءهم التي اعتادت الإضرابات وأن تكون خاوية تلسعها حوامض المعدة؟ غير الروماتيزم الذي ينخر مفاصلهم، مقوّساً عظامهم.. وماذا عن أسنانهم، سيحرمون حتى من صرير الأسنان لتخفيف آلامهم بتلك الحركات اللاإرادية والتي تُشعِرُ المريض عند اصطكاكها بنوع من العزاء والراحة.. وعن لون جلدهم الباهت من غياب الشمس.. أو بواسيرهم التي يتأقلمون معها مع الوقت. ماذا عن الأسرى الذين ينهشهم السرطان ولا يتلقون العلاج، أو من يسكّنون آلامهم وأنّاتهم بحبة "اسبرين" بلهاء لا تقدم ولا تؤخر لهم من وجع. هل ستتحمل أجساد أسرانا قساوة الفايروس وضراوته؟

لن يستطيعوا عقبها الهروب من منفاهم كما كانوا يفعلون، ولن يسعفهم "مخيالهم الجمعي" حينها من عناق أحبتهم أو من تستحضره أذهانهم من آباء وأمهات، أبناء وبنات، أزواج وزوجات. نخاف على أسرانا وأسيراتنا عقب عطسة سجّان من التوقف عن صناعة ذكريات وجَبْل تفاصيل أيامهم وأذهانهم وسط أُلفَةٍ ينسجونها مع بعضهم البعض.. في المنفى.

قد يكون السعي لتطوير مصل يحاصر موجة كورونا هو الأكثر إلحاحاً اليوم، فإن الوباء والموت المحدق دفع حكومات العالم لإطلاق سراح سجناء كثر، قتلة ومغتصبين وفاسدين، حتى سجناء سياسيين وأبطال. لكنّ هذا ليس مدعاة للأمل في فلسطين، فقد تذكر الصهاينة هذا الأسبوع بالذات أن عليهم اقتراح قانون يشرّع إعدام الأسرى الأمنيين الفلسطينيين.

سينحسر الفايروس، وستسمر الإنسانية، لكنه لن يظل العالم كما عهدناه سابقاً، بأقطابه وقواه، نحن أمام عالم جديد. لا بدّ لنا أن نستحضر ذلك العالم الذي روى لنا عنه غسان كنفاني في "عالم ليس لنا"، وأظنها فرصة لمن هم الآن في بيوتهم ومع أطفالهم، أن يقرؤوا لأبنائهم كيف ولماذا رفض "حسّون" قفصه، ولماذا رفض التأقلم مع جدران الحديد.

وحتى انتهاء ذلك، ستستمر تدابير الوقاية والحجر، ولا نستطيع فعلاً تخيل هواجس الأسرى حول العدوى والمرض، وقبل كل شيء عائلاتهم، الا أننا نعرف تماماً تدابير الأمل والإرادة، والتي سيستمر على إثرها آلاف الأسرى والأسيرات من تلك التلال البعيدة القريبة، ومن خلف كل تلك الجدران في تصدير مصل الحياة لنستمرّ في استنساخ ما يفعله السجناء.. نربّي الأمل.