في هذا النص، (مترجم بتصرف) والمنشور في العدد 51 من مجلة (نظرية ونقد) عن معهد فان لير، والذي صدرت عنه دراسة موسعة فيما بعد لنفس الكاتب (جامعة كاليفورنيا- كلية هاستينغز)، يلاحق بنيامين بلوم (أستاذ مساعد في الجامعة العبرية-جامعة كاليفورنيا حاليا)، تاريخ وظروف استخدام كلاب الأثر في جهاز الشرطة الاستعماري البريطاني في فلسطين المحتلة في عهد الانتداب، ومع استبعاد المقاطع التي رأينا أنها غير أساسية للقارئ، ينقسم هذا النص إلى أربعة أقسام، عدا المقدمة.
في الأول منها يبحث المؤلف في مبررات التخلي عن مقتفي الأثر المحليين وهي مهمة كان يتولاها بدو البلاد، لمصلحة الكلاب، مرجعًا هذا إلى إشكاليات قانونية وثقافية وقد تكون سياسية، خصوصًا أن الانتقال إلى استخدام كلاب الأثر جاء في ظروف توتر سياسي في فلسطين المحتلة، وبالتالي لم يكن الاعتماد على المقتفين المحليين مجديًا للشرطة الاستعمارية على خلفية انعدام الثقة القومية بهم، خصوصًا بعد تحويل استخدام الكلاب لأغراض ملاحقة الثوار الفلسطينيين. ويعزو الباحث هذا أيضًا إلى فشل النظام القانوني في التصدي للثورة الفلسطينية الكبرى وقبلها الفشل في معالجة المطالبات القانونية الناتجة عن هبة البراق عام 1929.
يبحث القسم الثاني في إنشاء وحدة الكلاب في الشرطة الفلسطينية الانتدابية، على خلفية توصيات لجنة هربرت داوبيجن التي جاءت للتحقيق في أسباب فشل المعالجة الشرطية لهبة البراق وآثارها والفشل في الرد على المطالبات القانونية، ودور هذه الوحدة في أحداث الثورة الفلسطينية الكبرى وتحويل جهدها من جنائي مدني إلى سياسي.
ثم نناقش الجوانب النفسية والدينية في استخدام الكلام في عمليات التتبع والتحقيق وكشف الأدلة، وصولاً إلى جدارتها القانونية ومدى مشروعية استخدام أدلتها في المحاكم.
مقدمة
في ليلة السبت 16 حزيران/ يونيو في العام 1933، كان حاييم أورلوزوروف، يسير مع زوجته على شاطئ تل أبيب، عندما تقدم منه رجلان، وسأله أحدهما عن الساعة، فيما سلط مصباحه اليدوي على وجهه، للتأكد من أنه الشخص المطلوب، ربما، وأطلق عليه الرجل الآخر النار، ونقل إلى منزله وتوفي بعد ساعات، وبدأ تحقيق القتل في الليلة نفسها بإشراف مباشر من هاري رايس رئيس قسم التحقيقات في الشرطة الفلسطينية الانتدابية.
[كان حاييم أرلوزوروف (المولود العام 1899 في أوكرانيا) قد أصبح ناشطًا ثم أحد القادة الشبان في حزب "هبوعيل هتسعير- العامل الشاب" الصهيوني في ألمانيا بعد هجرة عائلته إليها عام 1905. ثم هاجر إلى فلسطين في العام 1924، بعد ما حصل في نفس العام على لقب الدكتوراه في جامعة برلين. و عقب إقامة حزب (مباي) في العام 1930 أصبح أرولوزوروف أحد زعماء الحزب تحت قيادة ديفيد بن غوريون، ثم انتخب عام 1931 في المؤتمر الصهيوني 17 عضوًا في إدارة الوكالة اليهودية وساهم في تحسين وتوطيد العلاقات بين سلطات الانتداب و"الييشوف" اليهودي، كما كتب مقالات معتدلة بشأن ضرورة التعاون مع الشعب العربي في البلاد. وقد تبين من التحقيقات لاحقًا أنه قتل على يد اثنين من التصحيحيين أتباع جابوتنسكي الذين اتهموا الوكالة اليهودية بالتواطؤ مع هتلر والنازية و"بيع اليهود بثمن بخس"، ووصفوا أورلوزوروف بالدبلوماسي الأحمر مشيرين أنه تعاون مع الشيوعيين وستالين، وتوعدوا بتدفيع الثمن للمسؤولين عن "العار" كما قالوا].
وبالفعل قبضت الشرطة على أفراهام ستافسكي [قتل لاحقًا في تفجير السفينة ألتالينا التابعة لتنظيم الايتسل الإرهابي عام 1948] وزفي روزينبلات [توفي عام 1984] اللذين تعرفت عليهما زوجة القتيل باعتبارهما الرجلين الذين التقيا بهما على الشاطئ.
في مسرح الجريمة على الشاطئ، أحضر هاري رايس، متتبعي الأثر من البدو، لملاحقة آثار القتلة، على طول الشريط الساحلي قبل أن يغمره المد، وكان هناك الكثير من التكهنات حول هوية الفاعلين، ودوافعهم، وكان السؤال الأساسي في ذهن هاريس هو هل كانت الجريمة عرضية ومحاولة فاشلة للسرقة والاغتصاب، أم أنها عملية اغتيال مخطط لها؟
وبناء على الافتراض الأخير أي أنه كان اغتيالًا، تم تقديم العديد من الدوافع المحتملة: يعتقد البعض أن القوميين العرب هم من حددوا هدف قتل شخصية صهيونية بارزة [استنادًا إلى اعتراف -تبين كذبه- أدلى به عربيان]. بينما قال آخرون أن القتلة كانوا أعضاء في الحزب الشيوعي، الذي عمل بعوامل ودوافع معادية للاستعمار.
بينما اعتقد فريق ثالث أن عملاء الحكومة الألمانية النازية هم الذين قتلوا أرلوزوروف لعلاقاته الحميمة مع ماجدة جوبلز، زوجة وزير الدعاية النازي جوزيف جوبلز، في حين اعتقد البعض الآخر أن هذه مؤامرة بريطانية تهدف إلى بث الرعب بين الجالية اليهودية ضمن إطار سياسي، ولكن في غضون وقت قصير، وجهت أصابع الاتهام إلى أعضاء الحركة التنقيحية كما ذكر أعلاه، واتهموا بالقتل.
في المحاكمة اعتمد الادعاء، في جملة أمور، على شهادة المقتفين في الشرطة الفلسطينية (مقتفي الأثر)، محمد عبد الصادر أبو رز وإبراهيم أبو رقيق لتأكيدهما هوية المتهمين بناء على شهادة أرملة أرلوزوروف. ومع ذلك، فقد أظهر استجواب المتقفين البدو نقاط ضعف حاسمة، فقد تجاوزوا الإجراءات عند فحص باطن حذاء المتهمين قبل أمر التعريف، علاوة على ذلك، اعترف المقتفيان أنه يمكن بالتأكيد أن يكونا تتبعا آثار أشخاص آخرين في ساحة الجريمة وكان هذا جوهر اعتراض محامي الدفاع على شهادتهما.
كانت شهادة المقتفين ذات أهمية مركزية لأنه وفقًا للقانون الخاص بالإجراءات الجنائية في فلسطين حينها لا يمكن استخدام الأدلة بدون أدلة مساعدة. وإذا لم يتم تقديم الأدلة المساعدة المفترضة من قبل المقتفين فإن شهادة الزوجة سيما أرلوزوروف وحدها، غير مؤهلة، ولم تكن كافية، وبالفعل، نجا روزنبلات من المحكمة مستفيدًا من هذه الثغرة، بينما أدين ستافسكي وحكم عليه بالإعدام، ولكن تم الاستئناف إلى المحكمة العليا، حيث حكم رئيسها مايكل ماكدونيل، بالبراءة أيضًا من القتل، لأنه رأى أنه لا يجب إعطاء وزن لشهادة المقتفين. هكذا تعرضت إدارة المباحث في الشرطة الفلسطينية الانتدابية لخيبة أمل كبيرة، حيث وعلى الرغم من الموارد العديدة المستثمرة في فك شفرة الجريمة، انتهى التحقيق دون إدانة. ومن بين أمور أخرى، كشف التحقيق عن تحفظات على مهارة الكشافة وطرح تساؤلات حول طرق التحقيق الخاصة بهم وقيمة شهادتهم.
بفضل هذه القضية، رأى قائد شرطة الانتداب في فلسطين روي سبايسر فرصة لتحديث ممارسات الشرطة التحقيقية واستبدال الحيل البشرية بمقتفين أكثر موثوقية بالنسبة له: الكلاب البوليسية المدربة التي تم الحصول عليها من جنوب أفريقيا، بعد إرسال شرطيين إلى هناك للتدرب على إدارتها وطرق تدريبها، حيث عادا بعد ستة أشهر بثلاثة كلاب من نوع دوبرمان.
مقدمات: فشل الشرطة وتحديث النظام القانوني
في البداية، تم استيراد الكلاب لشؤون التحقيق فقط، دون نية في تقديم منجزاتها في الاقتفاء كأدلة في القضاء وفي الإجراءات القانونية، ولكن سرعان ما تغير الوضع مع اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939) وتم تقديم "شهادات" الكلاب، في المحكمة كدليل رئيسي ضد الثوار الفلسطينيين، رغم أنه في جنوب أفريقيا كان قد تم استبعاد ذلك النوع من الأدلة في الإجراءات القانونية في وقت مبكر من عام 1920. وبمجرد قبول الأدلة كدليل مقبول أثناء الثورة الفلسطينية، حدث تحول ملموس ليصبح تقديم أدلة الكلاب في المحاكم إلزامي حتى بعد ذلك.
ورغم ذلك، كان استبدال المقتفين البشريين بالكلاب أمر يشوبه الغموض، فالأساس العلمي لشهادة الكلاب كان مهتزًا، لجهة فهم كيفية تعقب الكلاب للآخرين، وبما أن طريق المجرمين كان يمكن تحديده، فإن العمل كان يعتمد بشكل أساسي على حاسة الشم، وهو الإحساس المتبقي لثلاث ثوان فقط، خلافًا للدليل البصري، حيث أن حاسة الشم بقيت حتى اليوم الأكثر غموضًا ومراوغة مقارنة بأخواتها من الحواس الخمس، حيث إذا كان ممكنًا أن تقدم صورة أو دليلاً مرئيًا أو مسموعًا للمحكمة، كيف ستقدم رائحة ما كدليل، وهذا يعني أن على القضاة توجيه أنظارهم حصريًا، حيث تنبح الكلاب وبناء آرائهم على هذا الأساس. ولأن الكلاب هي من تتبع الرائحة، لم يتمكن المتهمون من مواجهة هؤلاء الشهود النابحين، في التحقيق، ما يعني انتزاع حق أساسي في المحاكمات وهو الحق في استجواب الشهود.
أبعد من الجوانب القانونية لقانون الأدلة، أصبحت المعاني الرمزية والنفسية والأخلاقية والدينية معروفة، فقد تم استخدام قدرة الكلاب كأساس للمقارنة بين السكان الأصليين (البدو العاملين في تتبع الأثر) والحيوانات. علاوة على ذلك، أشارت هذه المقارنة إلى القدرات المتفوقة للحيوانات على المقتفين الأصليين. من الجانب النفسي، كان أحد الدوافع لدمج الكلاب في عمل الشرطة إيمان المسؤولين البريطانيين بأن الخوف من الكلاب متجذر بين السكان المحليين، والبث في صفوفهم أن الكلاب يمكنها إتباع المشبوهين حتى في غياب علامة بصرية، والغموض الذي يلف عملها، ما أثار الخوف وأدى إلى اعترافات عديدة.
في الشرق الأوسط على وجه الخصوص، أصبحت الكلاب أيضًا ذات أهمية ثقافية ودينية: ففي كل من الإسلام واليهودية، اعتبرت الكلاب نجسة، مما ساهم في فعالية طريقة التحقيق. واعتقدت شرطة الانتداب أنه باستخدام حيوان كان يُنظر إليه على أنه نجس، يمكن بسهولة أكبر إجبار الشهود على التعاون مع السلطات.
كان لهذه التطورات أثرًا بارزًا في نظرة أعم إلى شروط تطوير واعتماد علوم الطب الشرعي كوسيلة للتحقيق والبرهان، وعلى الرغم من العيوب في طرق التحقيق هذه، إلا أنها كانت انعكاسًا موضوعيًا للإجراءات والقرارات القانونية وخارج نطاق القضاء. وأيضًا، فإن مقبولية مثل هذه الأدلة توضح كيف أن النظام القضائي ورجال الأمن وجدوا صعوبة في التعامل مع أزمات معينة، كما أن تبني الكلاب سواء كوسيلة للتحقيق أو كوسيلة للدليل في المستعمرات كفلسطين، بينما تم حظرها في انجلترا نفسها، يوضح أكثر الرغبة في استخدامها لإجراء تجارب الشرطة على السكان الأجانب.
وأيضًا، إن الطبيعة المراوغة والغامضة لقدرات تقفي الكلاب تستدعي التساؤل حول السرد التاريخي المعروف لتطوير علم الطب الشرعي والرؤى الانتقالية المفترضة لغريزة لا يمكن دحضها، ولكن بينما كان من الممكن إجراء فحص متعمق لمزاعم المتقفين البشريين والتدقيق في طرق عملهم، فإن هذا لم يكن ممكنًا بالنسبة للكلاب، وهذا أعطى بشكل عكسي سلطة لشهادة الكلاب، بحيث لا تخضع لمراجعة قانونية إجرائية، كما هي حالة الشهود البشريين: يدلي بشهادته تحت القسم ويعاقب إن كذب ويمكن مناقشته.
على الرغم من أن الأعضاء المؤسسين الثلاثة لوحدة الكلاب وصلوا إلى فلسطين عشية عيد الميلاد فقط في عام 1934، إلا أن التغيرات التي أدت إلى اندماجهم في الشرطة الفلسطينية بدأت في وقت مبكر من عام 1929، وأتى ذلك وفقًا لمنتقدي حكومة الانتداب، بعد سلسلة من إخفاقات الشرطة التي أدت إلى التصعيد في عام 1929 في إشارة إلى هبة البراق، وتجسدت الإخفاقات في مشاكل في هيكل السلطة وفشل المخابرات ومشاكل القيادة.
في عام 1926، خلال فترة ولايته كمفوض سام، قلص اللورد هربرت بلامر المكون البريطاني للشرطة في فلسطين بشكل ملحوظ وانخفض العدد إلى 175 ضابط شرطة؛ وتم تجنيد ضباط الشرطة الآخرين من السكان الفلسطينيين، وكانت رؤية بلامر تعتمد على تجربة قوات الاحتياط في مصر ومالطا في ذلك الوقت.
مع ذلك وخلال اندلاع أحداث 1929، فشلت خطته: فقد وصلت قوات الاحتياط إلى شواطئ البلاد وخرج الوضع عن السيطرة، ولم تكن حكومة الانتداب فاشلة فقط في منع التصعيد، بل فشلت كذلك في "مقاضاة الجناة"، ففي 420 قضية جريمة، كانت هوية الجناة "غير معروفة"، ولكن حتى عندما تم العثور على المشتبه بهم ومحاكمتهم، تمت تبرئة حوالي 40٪ منهم في المحاكمة، واندلع صراع قضائي عربي-يهودي، حيث اتهم قادة اليهود في فلسطين الشهود العرب، بمن فيهم الشرطة بالشهادة الزائفة وتعطيل إجراءات المحكمة والعكس صحيح.
عقب الأحداث، تم تعيين عدة لجان تحقيق لدراسة أسباب اندلاع العنف ووضع توصيات لمنع تكرارها في المستقبل، كان أشهرها لجنة بيل التي أوصت بالحد بشكل كبير من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وأرسلت لجنة أخرى برئاسة هربرت داوبيجن، رئيس شرطة سيلان، الذي ركز على مسائل الشرطة، وكان داوبيجن قد اكتسب سمعة في جميع أنحاء الإمبراطورية كخبير في الشرطة الاستعمارية، وتم إرساله إلى بعض المستعمرات التي تم تعريفها بأنها إشكالية.
كانت نتائج لجنة داوبيجن أنه بدلاً من التوصية بالعودة إلى قوة شرطة بريطانية موسعة، فإنه عزا الفشل بالتحديد إلى الطبيعة العسكرية لشرطة الانتداب وفصلها على أساس الجنسية، وهي ظاهرة سعى داوبيجين إلى القضاء عليها حتى في شرطة سيلان. أيضًا بالنسبة له، كانت قوات الشرطة في جميع أنحاء الإمبراطورية، قد اعتمدت بشكل كبير على نموذج "عسكري" للشرطة المسلحة، من وحي قوة الشرطة الملكية الأيرلندية، بدلاً من نموذج الشرطة المدنية المستخدم في إنجلترا، ما قاد لاعتبارها غريبة عن الوسط المحلي الذي لم يتعاون معها.
وقد روج داوبيجن للشرطة المدنية التي تهدف إلى تمثيل الأقليات في المستعمرات وتعكسها، وفي رؤيته من أجل أن تكون قوة الشرطة فعَّالة، يجب تعليمها على الانخراط في السكان المحليين، ويجب إشراك وحدات الشرطة في نظام تطبيق القانون وتكون مثالاً نموذجيًا للسكان المحليين، مما يعكس موضوعية نظام تطبيق القانون. ولذلك أوصى داوبيجين بأن يتجاوز المجندون الجدد إلى الشرطة بنجاح اختبارات معرفة القراءة والكتابة. أيضًا، سيتم طرد أفراد الشرطة المخضرمين الذين فشلوا في تلبية متطلبات العمل.
وفقًا لرؤيته لمزيد من الشرطة المدنية، ينبغي تزويد أفراد الشرطة بدفاتر الملاحظات وليس البنادق، وكانت الإصلاحات التي اقترحها داوبيجين جزءًا من رؤية أوسع للتوسط بين المستعمرة والبلد الاستعماري الأم، وكان الهدف هو أن تبدو الشرطة على الأقل أقل غرابة بالنسبة للسكان المحليين. علق نقاد داوبيجين بسخرية؛ أن مثل هذه الإصلاحات استبدلت أبطال الخيالة بمراهقين عديمي الخبرة أنهوا تدريبهم للتو.
وكبديل لقوة السلاح، عرض داوبيجين تعزيز القدرات العلمية والاستخباراتية للشرطة، استنادًا إلى تجربة سيلان الرائدة، في عام 1932 تم إنشاء مختبر الطب الشرعي في مقر شرطة جبل المشارف (سكوبس) في القدس ، وأجرى المختبر الجديد من بين أمور أخرى تصنيف البصمات، الاختبار الباليستي، الكشف عن الأسلحة النارية؛ فك تشفير السوائل مثل الدم والمني والجراحة وفحص الألياف، وأثناء تدريبهم، تم جلب المجندين إلى مختبر سكوبس للتعرف على القدرات التي يوفرها الطب الشرعي للشرطة وطرق جمع العينات وتوثيقها وحفظها.
اندمجت الكلاب جيدًا في رؤية الشرطة الجديدة: وزودت الوحدة الشرطة بقدرات المراقبة المتطورة حتى في غياب الأدلة البشرية المرئية، وتمكنت علوم الطب الشرعي من حل بعض التحديات التي فرضتها أحداث 1929، وأصبح ممكنًا للنيابة الوصول مباشرة إلى الأدلة من مسرح الجريمة دون الحاجة إلى وساطة من قبل شهود العيان المحليين، وهذا في وقت كانت فيه الثقة والتعاون العام في أزمة. كما وفرت علوم الطب الشرعي تصورًا ومحاكمة دقيقة وموضوعية، وهو أمر ضروري بشكل خاص في فلسطين، حيث اتهم اليهود والفلسطينيون بعضهما البعض بالاستفزاز، وانحياز الحكومة البريطانية لصالح الجانب الآخر.
كان الدور الأساسي لوحدة الكلاب عند إنشائها هو المساعدة في حل "الجرائم السياسية"، وقد صرح آرثر وايكهوب، المفوض السامي الرابع لفلسطين، صراحة بذلك في طلبه ميزانية الوحدة: وأوضح أنه في مثل هذه الجرائم "خوف وهوية وطنية مفرطة، مما يجعل من الصعب على الشرطة الحصول على المعلومات والمساعدة من الجمهور" و"إنهم في أماكن مثل فلسطين، حيث لا يوجد تقليد محلي لمساعدة الشرطة تكون الكلاب مفيدة بشكل خاص؛ لأنها قادرة على تحديد مكان المجرمين دون استجواب شهود".
على الرغم من رؤية داوبيجين لجسر البلد المستعمر مع المجتمع المحلي، والتحول إلى علوم الطب الشرعي كبديل، كان شهود العيان سيفًا ذا حدين؛ وسيتخلى إلى حد ما عن الاعتماد على السلطة العنيفة كوسيلة للشرطة، وقد شوهد اتجاه مماثل في توصية داوبيجين لتوسيع شبكة استخبارات الشرطة، الأمر الذي أثار الشكوك بين المجتمعات بسبب الشك في التعاون والمتعاونين.
تأسيس وحدة الكلاب
بينما يجب أن يُفهم إنشاء وحدة الكلاب عام 1934 على خلفية إصلاحات داوبيجين، فإن السبب الرئيسي المحفز لاستيراد الكلاب كان فشل المتقفين في تقديم أدلة دامغة في قضية أرلوزوروف عام 1939، وقد استفاد روي سبايسر، الذي كان تلميذًا لداوبيجين، وتم تعيينه لرئاسة شرطة الانتداب في أعقاب أحداث عام 1929، من قضية ستافسكي وروزينبلات لتحقيق خطة كانت جزءًا لا يتجزأ من تفكيره قبل سنوات عديدة، حتى قبل وصوله إلى فلسطين، حيث دمج الكلاب في أعمال الشرطة، في عام 1927، أثناء الخدمة في كينيا، وزار سبايسر مرفق تدريب الكلاب في بريتوريا بجنوب أفريقيا، حيث سحره الدوبرمان تمامًا كما قيل، مندهشًا من قدرته على تتبع الرائحة في أرض قاحلة خالية من الآثار البصرية، بعد عدة ساعات من مشيه ليحاول تضييعها، وعلى الرغم من محاولاته للتعتيم على آثاره.
سعى سبايسر لإنشاء وحدة للعناية بالكلاب في كينيا، لكنه اصطدم بصعوبة جمع الموارد، ولم يتمكن من تطبيق أفكاره، ولكن كانت الأمور أسهل في فلسطين، وكانت مشقة الميزانية أقل حدة، خاصة في ضوء التوصيات المطلوبة لإصلاحات الشرطة واسعة النطاق. وأيضًا، فإن قضية أرلوزوروف حفزت المطالب لتحقيق الهدف.
بعد بضعة أشهر من وصولها إلى فلسطين، أثبتت كلاب الدوبرمان بالفعل حيويتها في التحقيق تبعًا للصحافة والتقارير الرسمية، فقد ذكرت الصحافة المحلية في أيار/مايو 1935، مساعدة الكلاب في فك رموز 24 جريمة، بينها أربع جرائم قتل، ومحاولتي قتل، و 11 جريمة ضد الممتلكات الزراعية، وجناية واحدة لسرقة الماشية وثلاث حالات سطو، وفي عامها الأول تم استخدام الكلاب الثلاثة في التحقيق في 99 جريمة. ووفقًا لتقارير في الصحافة، كانت الكلاب ناجحة في تتبع آثار 72 ساعة على مسافات تصل إلى ستة أميال أيضًا، حيث لا توجد آثار مرئية، وقد ساعدت في عدد جيد من التحقيقات بنزع "اعترافات من أفواه المشتبه بهم".
عبر حدود فلسطين: الحكومة الفرنسية في لبنان المجاورة طلبت أيضًا مساعدة دوبرمان في التحقيق بالجرائم غير القابلة للحل، ولعبت الصحافة المحلية دورًا رئيسيًا في تمجيد صورة الكلاب وزيادة تقاريرها عن نجاحاتها، ومن أجل تبديد الشكوك حول قدرات أو موثوقية الكلاب تم استدعاء ممثلي الصحف الكبرى إلى قاعدة جبل المشارف (سكوبس) بعد فترة وجيزة من استيرادها للتحقق بأنفسهم من قدراتها، وطلب في بعض الأحيان من الحشد المتشكك إخفاء الأشياء، وتمكنت الكلاب بسهولة من تحديد موقعها .
على الرغم من طلب المفوض السامي، تم جلب الكلاب بشكل رئيسي لفك "الجرائم السياسية"، حيث واجهت السلطات صعوبة في التحدث إلى شهود العيان، وتم استخدام الكلاب في البداية لفك رموز المخالفات الزراعية مثل اقتلاع الأشجار وحرق المحاصيل وتسميم الحيوانات، ويهدف هذا الاستخدام إلى إرساء الشرعية لطريقة التحقيق هذه قبل تسخيرها للاستجوابات السياسية. ولكن أبعد من ذلك، اعتبرت هذه الجرائم الزراعية وباءً محليًا ترتبط بعادات المجتمع، وتكتسب عقلانية معينة في هذا السياق، وفي حين كانت الجريمة الأوروبية تعتبر الأقل عقلانية، إلا أن مثل هذه الجرائم أشارت إلى شغفي الكرامة المفرطة والانتقام، والتي تم التعبير عنها بشكل رئيسي في العنف ضد الكائنات البريئة.
الأساس المنطقي كان بأن مثل هذه الجرائم كانت بعيدة عن قدرات الشرطة الروتينية التي كانت تميل إلى فهم الدافع الإجرامي، لذلك، عرض استخدام الكلاب حلاً عمليًا ببعد رمزي، ويجب الانتباه إلى أن عدم قدرة البريطانيين على فهم الدافع الكامل للعديد من الجرائم المحلية، لم يكن فقط هو الحافز لاستخدام الكلاب في فلسطين، ولكن لتطوير علوم الطب الشرعي في جميع أنحاء الإمبراطورية البريطانية. وأوضح سيدني سميث، أخصائي الطب الشرعي في الحكومة المصرية في كتاب الطب الشرعي لعام 1925 أن مفهوم "الدافع" ذاته الذي يلعب دورًا رئيسيًا في التحقيق وفي فك الجرائم في الغرب، من الصعب جدًا فهمه في الشرق، فيما يخص جرائم القتل المروعة بشكل خاص، لذلك، يشرح: يحدث ذلك في الشرق لأسباب يصعب على المراقب الغربي فهمها.
واستند سميث إلى زعمه بأنه حتى أثناء الهدوء السياسي نسبيًا، يجب ألا يعتمد على الشهود المحليين، لأنهم "يكذبون إلزاميًا"، بسبب "إعاقة قدرتهم المعرفية"، ما يجعل أهمية خاصة "للدليل الموضوعي مثل الدليل الناشئ من علوم الطب الشرعي".
وحدة الكلاب خلال الثورة الكبرى في فلسطين
على الرغم من استخدامها من قبل شرطة الانتداب عام 1934، أصبحت وحدة الكلاب ذات أهمية خاصة خلال الثورة العربية الكبرى، وساعدت الكلاب في تقليل الهجمات على الأهداف البريطانية. وبينما مالت خطة داوبيجين للاعتماد على شبكات المخابرات البشرية للكشف المبكر، إلا أنها فشلت بسبب نقص التعاون، ورأت السلطات أن الاعتماد على أدلة الكلاب أثبتت نفسه. وبسبب الطلب المتزايد على خدمات الكلاب، تم نقل خدمات الدوبرمان إلى مختلف أنحاء فلسطين الانتدابية، ومن مرفقها على قمة جبل المشارف (سكوبس)، كان يمكن للكلاب أن تصل إلى أي شيء وزاوية في فلسطين، وكان البريطانيون يأملون في ردع الثوار، وقد دمجوا أسلوبين من أساليب الشرطة الاستعمارية: الكلاب والطائرات، ويُزعم أنه في السنة الأولى من الثورة ساعدت الكلاب في فك رموز 87 من 172 تحقيقًا حيث لم يكن الفاعل معروفًا.
حدث مثال على هذا الاستخدام في 29 أغسطس 1936، تم اكتشاف جثة رجل (لم تحدد هويته) بعد كمين، كانت هوية الضحية وهوية القاتل غير معروفة، والكلاب التي تم نقلها إلى مكان الحادث، حيث تم اكتشاف الجثة، قادت المحققين إلى منزل المشتبه به، على بعد ثمانية أميال من مكان الحادث، وتم العثور على كمية كبيرة من المتفجرات والبارود وصورة المتوفى في المنزل.
وبعد تصاعد الثورة في نهاية عام 1937، ازدادت أهمية الوحدة الكلابية لخطة العمل البريطانية لقمع الثورة، وفي أيلول/سبتمبر 1937 أُرسل إلى فلسطين، تشارلز تاجرت، رئيس شرطة كلكتا السابق بالهند، وديفيد بيتري، قائد المخابرات البريطانية في الهند، لتقديم المشورة للقوات البريطانية في المنطقة حول كيفية قمع الثورة. وعلى الرغم من أن الاثنين شددا على قوة القمع اللازمة لقمع الثورة، خصص كل من تاجرت وبتري فصلاً منفصلاً في تقريرهم لوحدة الكلاب، والذي كان عنصرًا حيويًا في الحرب ضد الثوار الفلسطينيين، وزعم الاثنان أن لهذه الكلاب حواسًا تتجاوز العقل البشري، واعتمد تاجرت وبيتري ليس فقط على التقارير المستعملة: بل رافق كلاهما الكلاب للتحقيق في مقتل عالم الآثار البريطاني ليزلي ستاركي في سفوح الخليل في كانون ثاني/ يناير1938. وشرح تاجرت وبيتري كيف قادت الكلاب المحققين من مسرح الجريمة من خلال الجبال والصخور من بيت جبرين إلى خاراس، على بعد حوالي 22 كم، حيث وجدوا في النهاية أسلحة مخبأة داخل جدار منزل، [كان المتهم الرئيسي بمقتل ليزلي هو المجاهد عيسى البطاط من الظاهرية، أحد أبرز قادة الثورة في منطقة الخليل، وقد تمكن من الفرار من الاعتقال واستشهد في معركة لاحقة] وفي التقرير، أوصى تاغرت وبيتري بزيادة كبيرة في عدد الكلاب العاملة في خدمة الشرطة في فلسطين، وادعيا أن وحدة الكلاب الموجودة تفشل في تلبية نطاق المهمة أيضًا، مع وجود سلاح الجو تحت تصرفها. ففي الخليل، على سبيل المثال، تم الاستجابة لعشرة من خمسين طلبًا للمساعدة الكلابية، وأوصى تاجرت وبيتري باستيراد المزيد من الكلاب وإنشاء وحدات للكلاب في مواقع أخرى غير القدس، مثل الناصرة ونابلس وحيفا.
قام تاجرت وبيتري بعمل روابط صريحة بين عدم تعاون السكان مع تحقيقات الشرطة وضرورة الكلاب الإضافية، حتى أن الثورة جعلت من الصعب على الشرطة استخدام البدو لتعقبهم، بما يتجاوز عدم الموثوقية، حيث تم فحص الأدلة التي قدموها وولائهم للحكومة المنتدبة، وبما أنه لم يكن للكلاب مواقف سياسية مستقلة، أصبحت بالتالي بديلاً جذابًا.
بإتباع توصيات تاجرت وبيتري، وعلى الرغم من التكلفة المرتفعة، تم أوائل عام 1938 استيراد ثمانية كلاب وكلبان آخران من جنوب أفريقيا إلى فلسطين من قبل قسم شرطة الانتداب، وحسب التقرير تم إنشاء مقر آخر في العفولة، ويقال أن الخطة كانت فعالة جدًا، ففي غضون ساعتين على الأكثر، يمكن أن تصل الكلاب إلى كل مسرح في فلسطين (هناك) مع تصاعد أعمال الثورة ضد السلطات. واعتبر الاستثمار في الكلاب البريطانية أمرًا ضروريًا، ومع ذلك، تزايد الطلب على المزيد من الكلاب، وعندما لم تستطع جنوب أفريقيا تلبية الطلب، تحولت حكومة الانتداب للقنوات الجديدة، فعلى الرغم من التوترات بين الحكومتين البريطانية والنازية طلبت حكومة الانتداب في فلسطين في أيلول/ سبتمبر 1938، من ألمانيا مزيدًا من الكلاب، وسخر موظف بريطاني في المكتب الاستعماري من الأمر بأنه مما يدعو للسخرية أن "حكومة جلالة الملك" تطلب مساعدة الحكومة الألمانية لإمدادها بالكلاب "التي سوف تساعد في القبض على العرب الذين يقتلون اليهود".
خلال الثورة، لم تساعد الكلاب تحقيقات الشرطة فحسب، بل رافقت أيضًا العمليات العسكرية، واستخدم الاشتباه على أساس الرائحة كذريعة للانتقام من الفلسطينيين الذين يشتبه بمساعدتهم للثوار، وفي رسالة بعث بها إلى عائلته، أخبر جنديًا بريطانيًا خدم في فلسطين أن البريطانيين يدمرون قرى بأكملها على أساس حقيقة أن كلب الأثر، قادهم من مكان هجوم على هدف بريطاني، ولم يكن يبالغ، فبعد مقتل جنديين بريطانيين في الخامس من تشرين ثاني/نوفمبر عام 1937، عند بوابة يافا في القدس، قادت الكلاب القوات العسكرية باتجاه قرية سلوان، حيث قام الجنود بضرب 12 مدنيًا حتى الموت بأعقاب البنادق.
في قضية أخرى وقعت في شباط/ فبراير 1938، قتل ضابط بريطاني من القوات الجوية وقادت الكلاب التي شاركت في البحث عن "القتلة" المحققين إلى منزل في القرية. ومع ذلك، عندما طُلب من الكلب التتبع مرة أخرى، ذهب إلى منزل ثان، وعلى الرغم من الشك المعقول الناشئ عن هوية المهاجمين وخوف القرويين، هدمت قوات الجيش المنزلين وتم تغريم القرويين.
وعلى الرغم من أنه خلال الثورة الكبرى، تم استخدام الكلاب بشكل رئيسي للبحث عن الثوار، فإن سلطات الانتداب بدأت في الأربعينيات باستخدامها ضد أعضاء الحركة السرية اليهودية، ففي عام 1944، مثلاً، ساعدت الكلاب في التحقيق في محاولة قتل المفوض هارولد مكمايكل وزوجته بعد هجوم على مركز شرطة، وفي عام 1946، قادت الكلاب قوات الشرطة للتعرف على مشتبه بهم وفي العام نفسه، اكتشفت الكلاب حتى مخبأ للأسلحة خارج بريا، وهو اكتشاف أدى إلى خط طويل من الاعتقالات في صفوف المجموعة الصهيونية. وواصلت الكلاب مطاردة أفراد من الحركة السرية حتى عندما كانوا في المنفى، حيث في عام 1947، طلبت الحكومة الكينية من حكومة جنوب أفريقيا إعداد الكلاب للقبض على عضو في الحركة فر من معسكر الاعتقال.
الجوانب النفسية والدينية والرمزية للكلاب المتتبعة
لا يعتمد الاستخدام البريطاني للكلاب فقط على قدرات الاستكشاف الاستثنائية، ولكن أيضًا على تأثيرها النفسي والديني على السكان المحليين. بعد زيارته لجنوب أفريقيا في عام 1927، أفاد سبايسر أن نصف فعالية الكلاب كان بسبب تأثيرها على "الدماغ"، وفي فلسطين لاحظ سبايسر أيضًا التأثير النفسي لدوبرمان على السكان الذين يؤمنون بالخرافات تجاه الكلاب، وجادل زاعمًا أنه حتى أكثر "المجرمين" تعقيدًا، خاف من الكلاب ورآها كعدو صعب المراس، وفي تقرير عام 1935 أبلغت حكومة الانتداب عصبة الأمم عن القوة الرادعة للكلاب بين القرويين، وحسب التقرير تم استخدام الكلاب لانتزاع اعترافات من أفواه المشتبهين.
لم يقتصر الأمر على استخدام "المهمة التكاثرية" لتبرير الاستعمار البريطاني، ولم تكن تهدف في هذه الحالة إلى القضاء على الخرافات وتحويلها إلى تصورات عقلانية، بل في تعميق هذه المعتقدات واستخدامها لاحتياجات المحتل، وبحسب التقارير البريطانية؛ فإن خوف السكان المحليين من الكلاب أثبتها في الخدمة.
من جانبها، توقفت الشرطة إلى حد كبير عن محاولة فهم بالضبط كيف تمكن الدوبرمان من تتبع "آثار الجناة"، حيث وفقًا لتقارير السلطات، قام المطلوبون باستخدام كل خدعة ممكنة، بما في ذلك ربط الخرق حول أقدامهم، لخداع وتضليل كلاب الشرطة، ولكن دون جدوى.
وعلى عكس شهود العيان، لم تكن الكلاب مقيدة بالزمان والمكان، بينما كان شهود العيان يمكنهم الشهادة بما سمعوه أو رأوه أثناء الجريمة نفسها، يمكن للكلاب المساعدة أيضًا وإن لم تكن موجودة وقت ارتكاب الجريمة، حتى لو وصلت إلى الساحة بعد عدة ساعات وحتى بعد أيام، يمكنها أن تكشف عن هوية الجناة، وكان البريطانيون يأملون أن تكون قدرات المراقبة هذه في حد ذاتها رادعًا لأولئك الذين يميلون إلى ارتكاب الجرائم عندما لا يكون هناك شاهد مباشر على أفعالهم.
المحاكمة عن طريق الكلاب: قبول أدلة الكلاب في المحاكم
بدأت الشرطة الفلسطينية في استخدام الكلاب عام 1935، ومع ذلك، فإن القانون لم يكن واضحًا على الإطلاق في مدى مقبولية أدلتها في الإجراءات القانونية، ففي البداية امتنع البريطانيون عن تقديم مثل هذه الأدلة في المحاكم مع فهم المشاكل المعنية، على الرغم من قدرتهم على المساعدة في التحقيقات وقد يؤدي إلى أدلة أخرى مقبولة (مثل الاعترافات أو الأشياء المسروقة أو غير القانونية)، ولم يكن من الواضح أن مجرد تلمس الكلاب سيكون مقبولاً في المحكمة.
في جنوب أفريقيا، التي كانت سباقة في استخدام الكلاب، رأت المحكمة العليا في عام 1920 أن الأدلة التي تم الحصول عليها بمساعدة الكلاب غير مقبولة، وبصرف النظر عن حقيقة أنه لا يمكن استجواب الكلاب نفسها، أكد القاضي أن سلوك الكلاب يتعرض لسوء فهم كبير بين الإنسان والحيوان، وبالتالي فهو ليس مقبول في أي إجراءات قضائية أو جنائية أو مدنية.
وتجدر الإشارة إلى أن محكمة جنوب أفريقيا لم تستبعد الأدلة القائمة على الادعاء أن الكلاب غير ذكية وتحركها الغريزة الشديدة. على العكس، قضت المحكمة بأن الكلاب، مثل الحيوانات الأخرى يمكن أن تقدم أدلة ظرفية مقبولة، ويمكن في بعض الأحيان استخلاص النتائج من سلوكها، ويلاحظ على سبيل المثال أنه إذا ثبت أن الكلب لم ينبح عند ارتكاب الجريمة، فيمكن الاستنتاج من هذا السلوك أن الجاني كان شخصًا معروفًا للكلب، وميز القاضي أيضًا بين السلوك الغريزي والمتسق للكلاب والسلوك الذي تم تدريب الكلاب عليه، إذ بينما تنبع السلوكيات الغريزية من غريزة الحفاظ على الذات بالنسبة للكلاب، كانت قدراتها الاستكشافية أشبه بالعقلانية، وبالتالي أكثر عرضة للأخطاء، وللأكاذيب أو التلاعب من جانب الكلاب نفسها أو مدربيها. وأضافت المحكمة بإيجاز أنه لا توجد طريقة علمية دقيقة لفهم كيف يمكن للكلاب من سلالات معينة تتبع الرائحة، لذلك، من المستحيل التعرف على الأدلة التي تجلبها الكلاب كدليل علمي، ولكن يجب النظر فيها كفرضيات وتفسيرات غير ملزمة.
في كتاب نشرته رودولفينا يستغل، خبيرة تدريب الكلاب الشهيرة ومؤسسة مركز الأبحاث في كريات موتسكين بالتعاون مع زوجها رودلف مينزيل عام 1939، أعربت عن شكوكها حول الأسس العلمية لاستكشاف الكلاب، وكتب الاثنان أنه عادة ما تتبع الكلاب أحدث وأقوى الروائح التي تستطيع أن تجدها، وأوضحا، أنه في كثير من الحالات حيث تم جلب الكلاب إلى مسرح الجريمة، قادوا الشرطة والمحققين إلى منازلهم الخاصة، وخلص الزوجان إلى أنه حتى الكلاب الأكثر موهبة عادة ما تكون غير قادرة على شم شيء ما، كما تم توفير استكشافات أخرى في فلسطين تدعو للشك في موثوقية أدلة الكلاب، مثلاً في حالة سرقة واحدة حددت الكلاب كفيفًا مسنًا وكان من الواضح إنه عاجز عن ارتكاب الجريمة، وعندما يعرض عدد من المشتبهين تختار الكلاب واحد حتى لو كان الجاني نفسه غير موجود في العرض، ولا يمكن تحديد الأسباب التي دعت الكلاب لاختيار مشتبه به دون آخر.
عندما تم إحضار الكلاب إلى فلسطين، تعهدت شرطة الانتداب بأن الهدف منها هو المساعدة فقط في التحقيقات، ولكن عدم تقديم أدلة دامغة في الإجراءات القانونية جعلهم يعتمدون على الكلاب لتقديم أدلة إضافية تكون مقبولة بغض النظر عن كيفية الحصول عليها. ومع اندلاع الثورة الفلسطينية بدأت النيابة العامة الاستعمارية باستخدام الأدلة في الإجراءات الجنائية؛ الأسباب لهذا التغيير في سياسة الشرطة ليست واضحة تمامًا، ودارت المزاعم أن الافتقار إلى شهود موثوقين للإدلاء بشهاداتهم أثناء الثورة العربية هو الذي قاد لاعتماد سلطات الانتداب على الكلاب، ورغم ذلك لم تمنع الشكوك حول مصداقية الأدلة من مقبوليتها؛ الأمر ليس كذلك: لقد تم تدريبها، واستخدمت في المحاكم وأدت أحيانًا إلى إعدام المتهمين وفي بعض الحالات حتى "بشهادة" كلب واحد: على سبيل المثال، في حادث إطلاق نار على حافلة في عام 1938، حيث قاد أحد الكلاب الشرطة إلى منزل مصطفى منصور، وتم اكتشاف الذخيرة، وكانت شهادة الكلب وحدها كافية للحكم بإدانة منصور والحكم عليه بالإعدام.
كيف يمكن للمحاكم في فلسطين أن تكون مستعدة لقبول مثل هذه الأدلة في ظل مشاكل موثوقية خطيرة ملازمة لها؟! هذا السؤال صحيح بالنظر إلى وجود دليل على استبعاد الكلاب لاستخدامها في وطنها الأم جنوب أفريقيا.
يبقى أن علينا التكهن فقط بدوافع القضاة، بالطبع، فقد يتم رفض مخاوف القضاة نتيجة الضغط الذي تمارسه السلطة التنفيذية على القضاء في وقت الثورة، وقد ضغطت السلطة التنفيذية على السلطة القضائية بطريقتين: الأولى، القضاة الذين رفضوا "مساعدة" الحكومة أو الذين تجرؤوا على انتقاد سلوكها؛ واجهوا بقوة شديدة خطر الإقالة. على سبيل المثال، رئيس القضاة مايكل ماكدونيل، الذي برأ ستافسكي في قضية أرلوزوروف واعتبر معاديًا للنظام والمفوض السامي، أطيح به في عام 1936 بعد صدور حكمه النقدي على هدم البيوت في يافا ثانياً، طوال الانتفاضة العربية كلها، وقع القضاة في ظل تهديد بفرض نظام عسكري في فلسطين، وكان من شأن مثل هذا السيناريو تجاوز المحاكم المدنية.

