Menu

افتتاح أفلام نور الشريف في «صور» بفيلم إشكالي

نور الشريف

بوابة الهدف_لبنان_وكالات

بعد 18 يوماً فقط على رحيله، يُستعاد بعض أفلامه في لقاء مفتوح مع مشاهدين يأتون إلى عوالم متفرّقة له، كي يعودوا بها إليه، أو إلى أسلوبٍ في الاشتغال السينمائي يُقارب أحوال أناس، أو يرسم ملامح إبداع. في 11 آب 2015، يرحل الممثل المصري نور الشريف (مواليد القاهرة، 28 نيسان 1946). بدءاً من مساء اليوم السبت، 29 آب 2015، تُعرض في «مسرح إسطنبولي» (صور) أفلامٌ له تُشكّل نوعاً من تذكّر، أو لحظة تأمّل، أو اختباراً لتنويعٍ يُتقنه نور الشريف في لعبة الأداء المفتوح على أساليب مختلفة (الدخول مجّاني).
اختير للافتتاح فيلمٌ إشكاليّ. « ناجي العلي » (1992) لعاطف الطيّب (1947 ـ 1995) يُعتبر أسوأ أعمال الثنائي، الممثل والمخرج معاً. إشكاليته نابعةٌ من ارتباك الصُنعة البصرية أساساً. الحملة ضد الفيلم وصانعيه، وضد نور الشريف تحديداً، سببها سياسي سطحي بحت. مصريون عديدون «يشتمون» الفيلم من دون مشاهدته. يرونه «إهانة» لمصر، لأنه يتناول شخصية عربية تُقارع النظام المصري. لم ينتبهوا إلى أن الشخصية بحدّ ذاتها لم تُهادن أحداً. في القاهرة، لم يُناقَش الفيلم سينمائياً. التحدّي الكبير يصنعه سعد الدين وهبه كرئيسٍ لـ «مهرجان القاهرة السينمائي الدولي»، باختياره إياه لعرضه في دورة العام 1992. لكن «ناجي العلي» عملٌ يشذّ عن المسارين الفنيين الجميلين للشريف والطيّب معاً. محاولة اختزال فصول مختلفة من سيرة الكاريكاتوريست الفلسطيني ناجي العلي (1938 ـ 1987) لم تُترجَم فنياً بما يليق بالشرط الإبداعي لصناعة فيلم سينمائي. الخلل معقودٌ على النصّ المكتوب، كما على المعالجة والتصوير والمونتاج والتمثيل. القيمة الكبيرة للشخصية المختارة تطغى، بثقليها المعنوي والإبداعي، على المشروع برمّته.
يبقى «ناجي العلي» حنيناً إلى زمن وحالة. الاختلاف حاصلٌ بينه وبين أفلام أخرى مختارة لعرضها في «مسرح إسطنبولي». مثلٌ أول: «الظالم والمظلوم» (1989) لحسام الدين مصطفى (1926 ـ 2000). حب وانتقام. شهامة وحقارة. سمات طيّبة في مقابل وحش السلطة. عامل في ميناء الإسكندرية يُغرم بصبيّة فيتزوّجها. ابن النظام السياسي الحاكم، ممثّلاً بـ «الاتحاد الاشتراكي»، يمارس سلطته. يريد المرأة. الغريزة الحيوانية أقوى. النفوذ أيضاً. 25 عاماً يمضيها الزوج ظلماً في السجن. يخرج. ابنه ضابط، لكنهما لا يعرفان أحدهما الآخر. صراع المظلوم مع الظالم حتميّ، أو نوعٌ من استعادة حقّ مسروق. الانتقام قدرٌ، أو حاجة. الحبّ المعطوب أساسيّ أيضاً في «حبيبي دائماً» (1980) لحسين كمال (1932 ـ 2003). هذا مثلٌ ثانٍ في برمجة «مسرح إسطنبولي». يُمنع على الشابين حبّاً رومنسياً، لأن سلطة ذكورية تفرض مصالحها عليهما. رجل الأعمال أقوى نفوذاً من طالب الطب. نجاح الدراسة طريقٌ إلى إثبات الوجود الذاتي. اللقاء بينهما يتمّ لاحقاً. لكن مرضاً وخراباً يُصبحان خاتمة لمسار قلق ومضطرب. يوصف الفيلم بأنه رومنسيّ. لكن فيه من واقعية حياة قاسية ما يحوّله إلى شكل آخر من لغة الواقع. مثلٌ ثالث: «المطارد» (1985) لسمير سيف (1947)، المقتبس عن رواية «الحرافيش» (1977) لنجيب محفوظ (1911 ـ 2006). هناك غوصٌ في واقعية من نوع آخر، فيها من الحبّ ما يجمع الفيلم بالعملين السابقين. ابن عائلة تفقد لقب الفتوة يُغرم بفتاة يريدها آخر بالقوّة. لكنه، إزاء موقف كهذا، يختفي وقتاً للتدرّب على الفتوة، وللعودة إلى بيئته للانتقام. هناك قتل وفساد وعلاقات ملتبسة ومعلّقة. هناك أسلوب محفوظ في التمعّن في أحوال واقع وتفاصيله وهوامشه وعوالمه، وهناك لغة سيف في إعادة بلورة المكتوب الروائيّ في نسق سينمائيّ.
أفلامٌ تستعيد ممثلاً ومخرجين، وتضع أمام المُشاهدين خيارات وتنويعات لمتعة وتأمّل.

المصدر: جريدة السفير