Menu
حضارة

خاصمائة عام على سان ريمو مؤامرة تسليم فلسطين للصهاينة: عرب ويهود وإنكليز وفرنسيون

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

مرت منذ أيام الذكرى المئوية لمؤتمر سان ريمو الدولي، في المدينة الإيطالية ما بين 19 إلى 25 نيسان/أبريل 1920، الذي عقده المجلس الأعلى للحلفاء بعد انتصارهم في الحرب العالمية الأولى.

نراجع في هذا النص مقدمات وبعض تفاصيل مؤتمر سان ريمو، بالاعتماد على أرشيفات ووثائق تلك المرحلة ومراجعات أخرى حديثة أمريكية وإنكليزية وبريطانية وصهيونية.

كان ذلك مؤتمر تقاسم الغنائم، وإعادة توزيع الاستعمار، وتقاسم إرث الإمبراطورية العثمانية التي تم تفكيكها تمامًا، ومثل المملكة المتحدة في ذلك المؤتمر رئيس الوزراء لويد جورج، بمشاركة كل من ألكسندر ميلران رئيس وزراء فرنسا، وفرانسيسكو سافريونيتي رئيس الحكومة الإيطالية، وسفير اليابان ك.ماتسوي، الذين بحثوا شروط الحلفاء للصلح مع تركيا طبقًا لمعاهدة سيفر التي رسمت مستقبل العراق وسورية ولبنان و فلسطين بعد إعلان سوريا استقلالها ومناداتها بالأمير فيصل ملكًا عليها، في المؤتمر السوري العام في الثامن من آذار (مارس) 1920. وقد حضر المؤتمر وفد صهيوني مكون من حاييم وايزمان وناحوم سوكولوڤ وهربرت صموئيل، الذي قدم مذكرة إلى الوفد البريطاني عن التسوية النهائية في منطقة شرق البحر المتوسط، كما تم استدعاء وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور صاحب الوعد المشؤوم بتأسيس "وطن قومي لليهود" في فلسطين، حيث تم ادماج وثيقة الوعد في قرارات المؤتمر رغم اعتراض فرنسا، التي خضعت في النهاية للضغوط البريطانية مقابل إطلاق يدها في لبنان وسوريا.

إذن، بموجب هذه المعاهدة تم وضع سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، كما وضعت فلسطين وشرق الأردن تحت الانتداب البريطاني مع الالتزام بتنفيذ بنود وعد بلفور.

كان من مقدمات هذا الاجتماع، انعقاد المؤتمر السوري في الثامن من آذار/مارس عام 1920، حيث اتخذت فيه عدة قرارات تاريخية جوهرها إعلان استقلال سوريا الطبيعية، بما فيها فلسطين ورفض الادعاءات الصهيونية في فلسطين.

تشكل المؤتمر السوري ويعرف أيضاً باسم "المؤتمر السوري الكبير" في حزيران/يونيو 1919 في دمشق، بعد ورود الأنباء عن لجنة كينغ-كرين، وكان أغلب أعضائه التسعين في الواقع من نواب البلاد السابقين في مجلس المبعوثان (مجلس النواب) العثماني، من كافة أنحاء سوريا الحالية ولبنان والأردن وفلسطين. وكان من أبرز أعضاء المؤتمر محمد فوزي العظم وتاج الدين الحسيني عن دمشق، وحكمت الحراكي عن معرة النعمان ونواحيها الثلاث، وإبراهيم هنانو عن قضاء حارم، وسعد الله الجابري ورضا الرفاعي ومرعي باشا الملاح والدكتور عبد الرحمن الكيالي عن حلب، وعبد القادر الكيلاني عن حماة، وأمين الحسيني عن القدس ، ومحمد عزة دروزة عن نابلس، وصبحي بركات عن أنطاكية. وكان هذا المؤتمر بمثابة برلمان سوري، ومن أبرز مقرراته استقلال سورية باسم المملكة السورية العربية بحدودها الطبيعية (بما يشمل لبنان وفلسطين والأردن ولواء اسكندرون والأقاليم السورية الشمالية التي أعطيت لتركيا من قبل الفرنسيين والإنجليز في معاهدة لوزان، ومناداتها بالأمير فيصل بن الحسين ملكاً عليها. وقد تلا محمد عزة دروزة سكرتير المؤتمر مندوب نابلس القرار على الجماهير الحاشدة من شرفة مبنى بلدية دمشق في ساحة المرجة في 8 آذار 1920.

ومن المفيد ذكر أن تمثيل فلسطين عمومًا كان كبيرًا ومهمًا في هذا المؤتمر، حيث شارك كل من راغب النشاشيبي، سعيد الحسيني، عارف الدجاني، يعقوب فراج عن القدس، وراغب الدجاني ويوسف العيسى عن يافا، ورشيد الحاج ابراهيم ومعين الماضي عن حيفا، وأمين التميمي ورفيق التميمي وأحمد قدري عن الخليل. ولكن نتائج هذا المؤتمر قوبلت بغضب شديد من الحلفاء ورفض لها، خصوصًا الحكومتان البريطانية والفرنسية اللتان كانتا اتفقتا مسبقًا في اتفاقية سايكس –بيكو على تقاسم الولايات العربية العثمانية، وزعمت الحكومتان في ردهما أن الأمير فيصل يدير البلاد فقط بصفته العسكرية كقائد للجيش العربي الحليف وليس ملكًا على دولة مستقلة، وتمت دعوة فيصل للسفر إلى أوروبا للتباحث في قضية البلاد بزعم أن مصيرها يبقى في يد مؤتمر السلم.

وكما ذكرنا جاءت مقررات هذا المؤتمر مخيبة لتطلعات الجماهير العربية خاصة في بلاد الشام، حيث اعتبرت قرارات سان ريمو تطبيقًا فعليًا لسايكس-بيكو، عكست إصرار فرنسا على الاستحواذ على سوريا، وإصرار بريطانيا على تسليم فلسطين لليهود.

ومن نافل القول أن نتائج مؤتمر سان ريمو اعتبرت نجاحًا كبيرًا للحركة الصهيونية في حشد تأييد الحلفاء لإقامة "وطن قومي" في فلسطين والاعتراف باليهود "كشعب" يستحق تقرير المصير في "وطنهم التاريخي" على حد زعمهم.

بعد إصدار الحكومة البريطانية لوعد بلفور في الثاني من نوفمبر 1917، عبر رسالة بعث بها وزير الخارجية آرثر بلفور إلى اللورد روتشيلد، كثفت الحركة الصهيونية مساعيها لحشد التأييد لهذا الإعلان، وحسب بعض المعطيات التاريخية فإن الصهاينة لم ينجحوا فقط في حشد بريطانيا وحلفائها، ولكن أيضًا بعض الزعماء العرب مثل فيصل الذي وقع اتفاقًا مع حاييم وايزمان في الثالث من كانون الثاني/ يناير وعلى غرار وعد بلفور، وعد فيصل إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين ودعا إلى استخدام "جميع الوسائل اللازمة ... لتشجيع وتشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين على نطاق واسع".

وبعد الديباجة التي نصها "إن الأمير فيصل ممثل المملكة العربية الحجازية والقائم بالعمل نيابة عنها والدكتور حاييم وايزمن ممثل المنظمة الصهيونية والقائم بالعمل نيابة عنه، يدركان القرابة الجنسية والصلات القديمة القائمة بين العرب والشعب اليهودي، ويتحقق أن أضمن الوسائل لبلوغ غاية أهدافهما الوطنية هو في اتخاذ أقصى ما يمكن من التعاون سبيل تقدم الدولة العربية وفلسطين ولكونهما يرغبان في زيادة توطيد حسن التفاهم الذي بينهما". نصت الاتفاقية على عدد من البنود أخطرها كان البند الثالث الذي جاء فيه "-عند إنشاء دستور إدارة فلسطين تتخذ جميع الإجراءات التي من شأنها تقديم أوفى الضمانات؛ لتنفيذ وعد الحكومة البريطانية المؤرخ في اليوم الثاني من شهر نوفمبر سنة 1917".

وكان حاييم وايزمان في مذكراته، قال "إن إنشاء الكيان السعودي هو مشروع بريطانيا الأول.. والمشروع الثانى بعده إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وإنه يتمنى بعد انتهاء الحرب مساعدة "عبد العزيز آل سعود" في أن يصبح سيدًا على الشرق وألا يعارضه في تحقيق أهدافه" في الاستيلاء على فلسطين.

استخدم الصهاينة هذه الاتفاقية على أفضل وجه ممكن، فقدموها إلى مؤتمر السلام الذي بدأ انعقاده في 27 حزيران/ يونيو طالبين منه الاعتراف "بحق الشعب اليهودي التاريخي في فلسطين وحق اليهود في إعادة تأسيس وطنهم القومي في فلسطين"، وتعيين بريطانيا "وصيًا" من عصبة الأمم، بهدف خلق "ظروف سياسية وإدارية واقتصادية تضمن تأسيس "الوطن القومي اليهودي" المزعوم، وبالتالي إمكانية إنشاء مجتمع مستقل، على أساس أنه لن يتم فعل أي شيء لانتهاك الحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين أو حقوق اليهود ووضعهم السياسي في كل دولة.

مطالبة الصهاينة تم تضمينها في المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم، والتي حددت كيفية إدارة "مستعمرات وأقاليم" الإمبراطوريتين العثمانية والألمانية التي "استقرت عليها شعوب لم تتمكن بعد من تلبية طموحها في ظل الظروف الصارمة للعالم الحديث"؛ من أجل الاستقلال "كواجب". وبهذه الطريقة، تم تسليم كل مستعمرة أو إقليم إلى ولاية عصبة الأمم التي كان من المفترض أن توجهها نحو الحكم الذاتي وفقاً "لمراحل تطور الشعب والوضع الجغرافي والوضع الاقتصادي والظروف المماثلة الأخرى" وعلى وجه التحديد. نصت الاتفاقية على أنه "يجب فصل أرمينيا وسوريا وبلاد ما بين النهرين وإسرائيل [فلسطين] والعرب تمامًا عن الإمبراطورية التركية"، وأن مجتمعات معينة في هذه الأراضي "وصلت إلى مرحلة حيث يمكن لوجودها كدولة مستقلة أن تحصل على اعتراف مبدئي رهناً بالمشورة والمساعدة الإدارية بموجب الولاية حتى يتمكنوا من ذلك وحدهم".

لم يكن تطبيق المادة 22 سهلاً بحكم التنافس التاريخي بين الأطراف والأطماع المتناقضة بين حلفاء جمعتهم فعليًا الحاجة إلى كسب الحرب، رغم خلافاتهم التاريخية، كما هو حال فرنسا وبريطانية، وقد سعت الدولتان للتنفيذ الفوري للانتدابات بحكم الضائقة الاقتصادية التي تعيشانها بعد الحرب وكلفة الاحتفاظ بجيوش كبيرة في الشرق، وردًا على هذه المساعي، أصر الرئيس الأمريكي ويلسون، الذي كان بالفعل مهندس نظام الانتداب (وعصبة الأمم بأكملها التي لم تنضم إليها الولايات المتحدة)، على إرسال لجنة دولية إلى سوريا لصياغة رأيها، وعلى عكس هذه الفكرة، لم يشعر كل من رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج، وزميله الفرنسي جورج كليمنصو أنهما كانا قادرين على إلغاء الخطة.

ومع سعي البريطانيين والفرنسيين لإعاقة اللجنة والمماطلة في تشكيلها أرسل ويلسون ممثليه في اللجنة التي سميت (لجنة كينغ - كراين ( King-Crane Commission: ‏ وكانت بعضوية هنري كينغ و تشارلز كرين وقد زعم ويلسون أنهما المرشحان المثاليان للذهاب إلى سوريا لأنهما لا يعرفون شيئًا عنها".

عادت اللجنة من سوريا وسلمت ملخص توصياتها في العاشر من تموز/يوليو عام 1919، بينما تم تقديم التقرير الكامل في أواخر آب/ أغسطس، وكانت اللجنة بعد أن تنقلت في مختلف المدن السورية والفلسطينية ما بين 10 حزيران/ يونيو و 21 تموز/ يوليو، قد وضعت تقريراً أعلنت فيه أن الأكثرية المطلقة من العرب تطالب بدولة سورية مستقلة استقلالاً كاملاً، وترفض فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وفي تلك الأثناء كان قد تم بالفعل توقيع معاهدة فرساي بين بريطانية وفرنسا من جهة، وألمانية من جهة أخرى، التي أسدلت الستار بصورة رسمية على وقائع الحرب العالمية الأولى، وتم التوقيع على المعاهدة بعد مفاوضات استمرت 6 أشهر بعد مؤتمر باريس للسلام عام 1919. وفي هذه المعاهدة تم تحميل ألمانيا مسؤولية الحرب، وفرضت عليها تعويضات كبيرة وتوزيع مستعمراتها، على الدول المنتصرة، وعاد الرئيس ويلسون إلى الولايات المتحدة دون عناء لإرسال التقرير إلى المناقشات حول معاهدة السلام مع تركيا، ولم يتم نشر محتوى تقرير اللجنة السورية بشكل كامل سوى في عام 1922، بعد فترة طويلة من تحديد توزيع الانتدابات، وإنشاء نظام جديد على أنقاض الإمبراطورية العثمانية بعد توزيع أراضيها في العالم العربي.

ولكن كما قلنا فتلك لم تكن مهمة سهلة، إذ سرعان ما أدرك الطرفان الفرنسي والبريطاني عمق الخلاف بينهما، حيث سخر الجنرال البريطاني إدموند اللنبي علنًا من المساهمة الفرنسية التي اعتبرها تافهة في القتال في الشرق، وشجع القادة العرب المحليين على معارضة المحاولات الفرنسية لفرض السلطة في المناطق المخصصة لفرنسا بموجب اتفاقية سايكس بيكو. كما حاول دعم فيصل باعتباره "السلطة العليا في سوريا في جميع الشؤون العربية والإدارية"، مما أعطى الأمير الحرية في تهديد خصومه السياسيين، وبالمثل، كان رفض بريطانيا سحب القوة الاستطلاعية من المنطقة قبل أن يصل مؤتمر السلام إلى قراره مذلًا بالنسبة للفرنسيين، وتم رفض طلبات زيادة عدد القوات الفرنسية في سوريا على الفور.

وخلال زيارة إلى لندن في ديسمبر 1918، قبل كليمنصو الذي كان لديه طموح إمبريالي متواضع كسياسي فرنسي، طلبًا ضمنيًا للويد جورج بأن تتولى بريطانيا السيطرة على فلسطين، مقابل الاعتراف بالانتداب الفرنسي على سوريا، وعندما تباطأ البريطانيون في سحب قواتهم من سوريا، اشتبك الزعيمان مرارًا وتكرارًا في مؤتمر باريس للسلام، وحتى بعد التوصل إلى اتفاق رسمي بشأن طرد القوات البريطانية من كيليكية وسوريا اعتبارًا من 1 تشرين أول /نوفمبر 1919 واستبدالها بقوات فرنسية "غرب خط سايكس بيكو" والقوات العربية "في دمشق وحمص وحماة وحلب"، لم يغفر كليمنصو ما اعتبره خيانة لويد جورج.

حلم فيصل الإمبراطوري

لتعقيد الأمور أكثر، ناور فيصل بكفاءة مستغلاً النزاع بين الدولتين لتعزيز تطلعاته الملكية، وفي زمن الثورة العربية ضد العثمانيين، كان الأمير يدرس فكرته لتأسيس إمبراطوريته الخاصة في "سوريا الكبرى"؛ لدرجة أنه ناقش هذه الإمكانية مع المسؤولين الرئيسيين في القيادة التركية من وراء ظهر حلفائه البريطانيين، وعندما وصل هذا إلى طريق مسدود، حاول فيصل غرس حلمه الإمبراطوري في معاهدات السلام في نهاية الحرب، محاولاً التقرب من الحركة الصهيونية التي اعتبر أن لها تأثير كبير في العواصم الغربية.

وفي 6 حزيران/ يونيو 1918، قبل عدة أشهر من نهاية الحرب العالمية الأولى، استضاف الأمير حاييم وايزمان في معسكره بالقرب من العقبة، في الطرف الشمالي للبحر الأحمر، حيث اعترف "بضرورة التعاون بين اليهود والعرب" و"إمكانية مطالبة اليهود بالأراضي في فلسطين". وعندما التقيا مرة أخرى في لندن في ديسمبر 1918، خطا فيصل خطوة مهمة إلى الأمام، بعد أن حصل بالفعل على موطئ قدم في سوريا تحت رعاية اللنبي، وكان يأمل في مدها إلى إمبراطورية حقيقية بدعم أمريكي، وكتب وايزمان عن حديثه مع فيصل: "شكل العرب حكومة في دمشق، لكنها كانت ضعيفة للغاية" و"كان أمله الكبير في أمريكا، حيث اعتبرته شخصًا يمكنه تدمير اتفاقية سايكس بيكو"، وأضاف إنه إذا كان الصهاينة سيساعدون في تعبئة الرأي العام الأمريكي من أجل هدفه، فإن فيصل "كان على يقين من أنه مع مؤيديه سيشرح للعرب أن وصول اليهود إلى إسرائيل سيكون شيئًا جيدًا وأن المصالح المشروعة للفلاحين لن تضره بأي شكل من الأشكال.

بلغت هذه المساعي ذروتها في اتفاق وايزمان-فيصل التاريخي، وبعد ذلك بشهرين، عندما تم مراجعة فيصل بعد أن صرح علنًا بأن البيت القومي اليهودي المخطط له سيكون مصدرًا للصراع الإقليمي، حاول فيصل طمأنة الصهاينة بشأن استمراره في الامتثال للاتفاقية. وكتب إلى فيليكس فرانكبوتر، وهو صهيوني أمريكي بارز وقاض في المحكمة العليا في المستقبل"نحن العرب، وخاصة المتعلمين بيننا، نشعر بتعاطف عميق مع الحركة الصهيونية"، ونعتبر [المطالب الصهيونية] معقولة وملائمة، سنبذل قصارى جهدنا لمساعدتهم على طول الطريق: نتمنى لليهود عودة سعيدة للغاية إلى وطنهم". وشعر وايزمان بالارتياح وكتب لبلفور: "من بين القادة العرب الذين يمثلهم فيصل لدينا تفهم كامل، وبالاتفاق الكامل".

ولكن تبين أن تفاؤل وايزمان مبالغ فيه، أو متسرع، حيث حاول فيصل التمسك بكل الحبال، وفي شهادته في مؤتمر باريس للسلام بعد نحو شهر من توقيع الاتفاقية مع مبعوث وايزمان، امتنع عن ذكر (وبالفعل لم يدعم) وعد بلفور، وبدلاً من ذلك عرض ترك مستقبل فلسطين "للنظر المتبادل من جميع الأطراف المعنية"، وهذه الصياغة لم تمنح السكان غير اليهود حق الفيتو على إنشاء وطن قومي يهودي (على عكس إعلان بلفور يمنحه "حقوقًا مدنية ودينية" ولكن لم يتخذ قرارًا بشأن مستقبل البلاد)، ولكنها جعلت أيضًا الشريف حسين، والد فيصل والزعيم الإيديولوجي لـ"الثورة العربية الكبرى" الذي سعى إلى إقامة إمبراطورية موحدة في الشرق الأوسط، وربما فيصل نفسه (بصفته ملك سوريا المستقبلي) كمرشحين جادين لإدراج فلسطين في مملكتهم المحتملة، وكما قال الأمير في إحدى المناسبات أنه بما أن سوريا كانت "بدون مالك" ، كان من الطبيعي أن تحاول بريطانيا وفرنسا الاستيلاء عليها.

بعد فترة وجيزة من وعود كليمنصو في اجتماع عقد في باريس في 13 نيسان/ أبريل، "لاستخدام سلطته بين الناس لتأمين الانتداب الفرنسي في سوريا"، سارع فيصل إلى الوفاء بهذا الوعد من خلال توجيه لجنة كينغ كرين ضد الفرنسيين (والصهاينة) وبذلك، أنشأ "المؤتمر العام السوري" بهدف "التأكد من أن رغبات الشعب السوري واضحة للجنة التحقيق الأمريكية"، وشن حملة دعائية واسعة النطاق، ونظم مظاهرات حاشدة، وهدد الخصوم السياسيين والمواطنين العاديين، وذكر المسؤول الدبلوماسي للضابط البريطاني في المنطقة أن "فيصل تولى الحملة السياسية ووزع التعليمات على جميع مناطق البلاد"، وأضاف "لقد قيل للناس أن يطالبوا باستقلال كامل لسوريا، وفي نفس الوقت يعربون عن أملهم في منحه لدول عربية أخرى كذلك".

اجتمع المؤتمر السوري لأول مرة في 3 حزيران/ يونيو 1919، قبل حوالي أسبوع من وصول اللجنة الأمريكية، وتعرض لانتقادات كبيرة بزعم أنه لم يتم انتخاب الممثلين، وكان أعضاءه ينتمون إلى حد كبير إلى دائرة صغيرة من القوميين العراقيين الذين قاتلوا إلى جانب فيصل خلال الحرب وأداروا بعد ذلك إدارته، لفهم طبيعة هذا المؤتمر، يكفي أن نلاحظ أن 35 من أصل 120 مقعدًا فيه كان يشغلها أعضاء من جماعة "الفتاة" القومية الصغيرة، والتي حتى بعد الحرب لم يتجاوز عدد أعضائها مائتي شخص، كما أن اثنين فقط من المندوبين الستة عشر المزعومين يمثلون لبنان المسيحي مارونيا.

كانت آمال فيصل في أن تقدم لجنة كينغ كرين ("أفضل خبر سمعته على الإطلاق" كما وصفها بكلماته الخاصة) حلم إمبراطوريته عالياً، وحذر اللنبي بلفور من أنه "إذا لم يكن بإمكاني أن أؤكد لفيصل على الفور أن الوصاية ستحدد مستقبل البلاد وتقرر، فسيكون من الواضح أن فيصل سيقيم العرب ضد الفرنسيين وضدنا" و"إذا حدثت هذه الانتفاضة في عهد فيصل، فإنها لن تعرض للخطر القوات البريطانية في سوريا فحسب، بل ستشكل أيضًا خطرًا على الوضع برمته في إسرائيل" بكلمات اللنبي.

زعم البريطانيون أن محاولات فيصل "للتآمر" لم تكن خافية على اللجنة، حيث "هناك أدلة على وجود ضغوط كبيرة من قبل الحكومة لضمان توحيد جميع المكونات بموجب خطة واحدة، لقد عمل وكلاء الحكومة بجد لإقناع، أو تهديد جميع المسيحيين والمسلمين على حد سواء بالموافقة على ذلك، "كما ورد في ملحق سري لتقرير اللجنة وصف بأنه "للاستخدام الأمريكي فقط" اطلع عليه الكاتب، ولكن كينج وكرين بزعم الليندي تجاهلا الأدلة "الباهتة" المقدمة إليهما، وفضلاً الاستماع إلى نصيحة المؤتمر السوري على نصيحة بعض مستشاريهم ، وأوصوا بأن "يصبح الأمير فيصل رئيس الدولة السورية الجديدة الموحدة".

وبالمثل، في حين أظهرت اللجنة أن لديها "شعورًا عميقًا بالتعاطف مع القضية اليهودية"، فإنها رفضت العلاقة اليهودية الألفية مع فلسطين كمبرر لإنشاء وطن قومي، وأشارت اللجنة إلى اليهود على أنهم مجتمع ديني أكثر من كونهم شعبًا، وأوصت بأن "يجب تقييد الهجرة اليهودية، والتخلي عن مشروع تحويل أرض فلسطين إلى مجتمع يهودي في الغالب"، وبالتالي إنشاء الوجود اليهودي في الدولة كأقلية دائمة في المملكة العربية المخطط لها من قبل فيصل.

وكتبت اللجنة "لا يوجد سبب لعدم إدراج أرض إسرائيل في دولة سورية موحدة، مثل أجزاء أخرى من المنطقة، وستكون الأماكن المقدسة تحت رعاية دولية وتديرها لجنة متعددة الأديان، مثل الحاضر، تحت إشراف وموافقة على التفويض وعصبة الأمم؛ اليهود سيمثلون بالطبع".

واستندت هذه الاستنتاجات إلى ما سمعته اللجنة من المؤتمر السوري، وكذلك من الالتماسات التي تلقتها والبالغ عددها 1.863، وزعم البريطانيون أن تقرير اللجنة لم يكن سوى دعاية لطموحات فيصل الذي ينقل عنه "نحن نعارض التطلعات الصهيونية لإقامة دولة يهودية في الجزء الجنوبي من سوريا، والمعروفة باسم أرض إسرائيل، ونعارض الهجرة الصهيونية إلى كل جزء من بلادنا؛ نحن لا نعترف بحقهم، ونعتبرهم خطرًا جسيمًا على شعبنا من الاعتبارات الوطنية والاقتصادية والسياسية. سوف يتمتع مواطنونا اليهود بنفس الحقوق العامة، ويتولون نفس الواجبات. نطلب ألا يكون هناك فصل بين الدولة السورية والجزء الجنوبي من سوريا المعروف باسم أرض إسرائيل، ولا سهل الساحل الغربي الذي يشمل لبنان. نحن نسعى جاهدين لضمان وحدة الدولة في مواجهة كل انقسام بكل طريقة ممكنة".

بعبارة أخرى، في نفس الوقت الذي وعد فيه فيصل الصهاينة بدعمه المستمر لإنشاء وطن قومي في فلسطين، كان مشغولاً للغاية بمناورة مؤتمر السلام لتجنب هذا الهدف بالذات، ووصف تقرير المصير اليهودي بأنه خطر واضح على السكان المحليين، والمطالبة بفكرة التخلي عن الفكرة تمامًا ووقف جميع الهجرة اليهودية وعندما انعقد مؤتمر السلام في لندن في شباط/ فبراير 1920 (مع غياب أمريكي بارز) لمناقشة معاهدة السلام (سيفر) مع تركيا، حذر اللنبي من أن "أي قرار لا يتناسب مع التطلعات العربية في سوريا أو إسرائيل أو بلاد ما بين النهرين لن يقبله فيصل، وسيتسبب العرب في صعوبات كبيرة في المستقبل لن تتحمل الدولة العربية المسؤولية عنها".

بالنظر إلى عدم شعبية فيصل بين رعاياه السوريين المستقبليين الذين احتقروا الحاكم الأجنبي وشركائه الأجانب، كان من الواضح أن كلام اللنبي لم يكن سوى تهديد أجوف، وفي تشرين الثاني / نوفمبر 1919، بعد عام من استسلام العثمانيين، أفاد الضابط السياسي في القوة الاستطلاعية البريطانية أن "الحركة بأكملها" في سوريا ما زالت "موالية لتركيا ومناهضة للشريف"، كان الوضع سيئًا للغاية لدرجة أن شقيق فيصل الأصغر، زياد، الذي كان يسيطر في على غياب الأمير (أمضى فيصل تسعة أشهر ونصف الشهر في أوروبا من أصل 22 شهرًا من عهده السوري)، وكان عليه أن يطلب الحماية من الدروز ضد رعاياه في دمشق، وعلى الرغم من هذا الواقع، فضل اللنبي تجاهل الوضع على الأرض واستمر في التأكيد على تهديدات الأمير، وعندما كان الأمير على وشك عقد جلسة خاصة للمؤتمر السوري لإعلان استقلال سوريا لتتويجه ملكًا، حذر اللنبي وزير الخارجية الجديد اللورد كرزون من أن السبيل الوحيد لمنع هذا التطور هو الاعتراف في مؤتمر لندن بفيصل على أنه "ممثل الدولة العربية، بما في ذلك المقاطعات البريطانية في بلاد الرافدين وفلسطين، والفرنسيون في لبنان والسهل الساحلي".

وأبلغ كرزون اللنبي بتحذير فيصل من أي "عمل غير مسؤول"، قد "يعرض للخطر الشديد" مستقبل سوريا، لكنه سرعان ما علم أنه في 8 آذار/مارس 1920، أعلن المؤتمر السوري الأمير كملك على سوريا "داخل حدودها الطبيعية بما في ذلك فلسطين". وكذلك الاتحاد السياسي والاقتصادي مع العراق، وطالب الإعلان بإخلاء الفرنسيين والبريطانيين من (لبنان) (فلسطين)، وحاول اللنبي تلطيف الخبر لرؤسائه عندما أبلغهم تأكيد فيصل بأن "الإعلان والارتقاء إلى العرش في سوريا لن يغير العلاقات الودية بين سوريا وبريطانيا"، ولكن من الواضح أنه من الناحية العملية، كانت هذه الإجراءات محاولة يائسة لحث مؤتمر السلام على إنهاء التأخير المفرط ، واتخاذ قرار بشأن مصير الأراضي العثمانية، و "الوفاء بوعدها للشعب العربي".

كان كرزون نفسه غير متأثر، حيث أمر اللنبي "بإبلاغ الأمير فيصل على الفور بأن "حكومة جلالته لا يمكنها الاعتراف بحق المؤتمر في دمشق "لتحديد مستقبل سوريا أو فلسطين أو الموصل أو بلاد ما بين النهرين"، ورداً على ذلك، رفع الجنرال البريطاني المخاطر، وقال إنه إذا أصرت بريطانيا وفرنسا على الاستمرار في رفض تتويج فيصل، مرددًا تهديدات الأمير، فإن الحرب التي ستندلع بالتأكيد ستقود البريطانيين إلى صراع يتعارض مع مصالحهم الخاصة، ولم يكونوا مستعدين لها على الإطلاق، وأن السبيل الوحيد لتجنب هذه الهزيمة هو اعتراف مؤتمر السلام بسيادة فيصل على "أمة عربية أو كونفدرالية تشمل سوريا وفلسطين وبلاد الرافدين، ونقل إدارة سوريا إلى فرنسا وبلاد الرافدين إلى البريطانيين".

من الناحية العملية، كان هذا إحياء لاتفاق سايكس بيكو، الذي عارضه وزير الخارجية بشدة، حيث لم يكن البريطانيون يريدون حربًا مع فيصل أو هيكلاً عسكريًا جديدًا في الشرق الأوسط، ولم يكرهوا تمامًا إعلان أمير نفسه ملكًا على سوريا إذا نفذت "من قبل سلطة دستورية مناسبة"، وكان المؤتمر السوري "هيئة ليس لها تمثيل أو سلطة حقيقية" بزعمهم، وأنه سعى لمواجهة عصبة الأمم بحقيقة قائمة، بينما كانت لا تزال تصوغ تفويضات الشرق الأوسط.

المشاكل الصهيونية

بعيدًا عن الممارسات السياسية التي قادها فيصل، أظهر القادة الصهاينة دعماً مفاجئاً له، على الرغم من أنهم كانوا يخشون التحريض في دمشق وحاولوا إلحاق ضابط ارتباط من طرفهم بلجنة كينغ كرين والحصول على تأكيدات أمريكية بأن أرض "إسرائيل" ستتم إزالتها من المناقشات، وبشكل عام لم يعتبروا فيصل شخصًا مخربًا لطموحاتهم، وفي رسالة إلى بلفور في 9 نيسان/ أبريل، أشاد وايزمان بجهود الأمير (المزعومة) من أجل "تعبئة كل نفوذه ليقدم لشعبه الهدف الصهيوني على أنه "مناسب" وبعد أسابيع قليلة، كتب إلى فيصل، مع فرانكبوتر، للتعبير عن "تقدير عميق للجهود المستمرة من أجل الصداقات بين العرب واليهود"، وللتأكيد له أن الحركة الصهيونية عازمة على "تعزيز التعاون بسعادة".

حتى في أكتوبر 1919، كان وايزمان لا يزال يعتبر فيصل حليفًا مخلصًا يقدر الإمكانيات الكبيرة للتعاون العربي اليهودي، ونصح زملائه الصهاينة بتجاهل تعريف الأمير لفلسطين (في مقابلة مع صحيفة يهودية في لندن)، كجزء لا يتجزأ من مملكة عربية مستقبلية، وكتب وايزمان إلى صديق في لندن بعد لقائه فيصل في أواخر أيلول/سبتمبر: "إنه مشغول للغاية بشؤونه الشخصية بالطبع، وهو مصمم على اتخاذ إجراء ضد الفرنسيين" و"من الطبيعي أن يعقد الأمور بالنسبة لنا، ولكن أعتقد أنه سيتعين عليه تحملها". وفي اجتماع آخر مع الأمير ترك وايزمان أكثر حماسة، وكتب وايزمان إلى بلفور: "إنه مستعد لاستقبال المستشارين اليهود وحتى انتظار تلقي الدعم الصهيوني لتطوير وإدارة منطقة دمشق". وأضاف "سنكون بالطبع مستعدين لبذل جهد كبير نحو إقامة علاقات جيدة مع العرب في إسرائيل وسوريا. إن الاضطرابات ضدنا في إسرائيل تأتي من دمشق، لكن التعاون مع فيصل سيساعد على كسب ثقة العرب في كل من دمشق ومكة، ويعزز السلام في سوريا وإسرائيل، ويخرجنا أخيرًا من الطريق المسدود الذي وصلت إليه المناقشات بين بريطانيا وفرنسا والعرب".

فقط، بعد أن أعلن فيصل نفسه ملكًا في مارس 1920، بدأت القيادة الصهيونية تشكك في الطبيعة الحقيقية لتطلعاته، وفي 31 آذار/ مارس، قبل أيام فقط من اندلاع انتفاضة القدس، حذر وايزمان الجنرال بولز، أحد القادة العسكريين البريطانيين في فلسطين، من العواقب الإقليمية الخطيرة لمحاولة استرضاء فيصل "إذا اعترفنا بفيصل ملكًا في سوريا (وربما في بلاد ما بين النهرين أيضًا)، ليس لأسباب قضائية حقيقية، ولكن ببساطة لأننا لا نستطيع أن نقاتله، أو بعبارة أخرى - بسبب ضعفنا". وسيدرك فيصل أننا نستسلم تحت الضغط وسوف يستفيد من وضعه المحسن للضغط علينا أكثر، هذا واضح من الطريقة التي نمت بها طموحاته، فقبل عامين، لم يكن أكثر من شيخ بدوي، جندي جيد ولكنه محدود، يحاول اليوم لعب دور نابليون في الشرق الأوسط وإقامة إمبراطورية عربية من نهر الفرات إلى النيل".

ما لم يكن وايزمان يعرفه آنذاك هو أن الخط التصالحي بقيادة اللنبي وضباطه المعادون للصهيونية في فلسطين مع فيصل، قد سقط بسبب الرفض البريطاني الفرنسي لتتويج فيصل نفسه، ومع ذلك، لم يترجم هذا الاتجاه على الفور إلى ميزة صهيونية، ولم يكن الرفض الفرنسي لطموحات الأمير مطابقًا لرغبتها في تقليص الانتداب السوري أو قبول التفسير البريطاني والصهيوني للانتداب في فلسطين.

لم يكن هذا هو الحال دائمًا، ففي 4 حزيران/ يونيو 1917، قبل خمسة أشهر من إعلان بلفور، أرسل جيل كامبون، الذي كان وزيرًا لخارجية فرنسا في ذلك الوقت، رسالة (بموافقة رئيس الوزراء ريبو) لدعم "وطن قومي لليهود" في فلسطين، وكتب إلى ناحوم سوكولوف الذي كان يقود المساعي الصهيونية لتوفير دعم دولي للوعد البريطاني المنتظر، وإحراج بريطانية للتسريع في الوعد "بالنظر إلى الظروف وضمان السلام في الأماكن المقدسة؛ نعتقد أنه سيكون عملاً عادلاً وصحيحًا المساعدة في دعم التحالف لإحياء القومية اليهودية في البلد الذي تم نفيهم منه منذ قرون عديدة "و "إن الحكومة الفرنسية التي دخلت الحرب الحالية لحماية الشعوب التي تعرضت للهجوم بسبب ظلمها، تشعر بالتعاطف مع غرضك، وهو انتصار يتماشى مع انتصار الحلفاء. يسعدني أن أعطيك هذا الوعد".

وعلى الرغم من تراجع الدعم للمسعى الصهيوني عندما أدركت الحكومة أن هذه اللفتة لن تمنع الحركة الصهيونية من مواصلة مطالبها في فلسطين، وعلى الرغم من أن فرنسا لم تشارك في المشاورات بشأن وعد بلفور، وخافت من آثاره على اتفاقية سايكس بيكو، نجح سوكولوف (10 شباط/ فبراير 1918) في استدراج بيان من وزير الخارجية ستيفن فيشون علناً بأن "هناك اتفاقاً كاملاً بين الحكومتين الفرنسية والبريطانية بشأن الأمور المتعلقة بالمؤسسة اليهودية في فلسطين"، وفي بيان صدر بعد أربعة أيام، استبدل فيشون الصيغة الأصلية لـ "المؤسسة اليهودية" بـ "إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين".

في ذلك الوقت، عاد جورج كليمنصو إلى منصب رئيس الوزراء بعد عقد من الزمن، وتحسنت العلاقات بين فرنسا والصهاينة في عهده؛ كونه لعب دورًا مهمًا في تبييض اسم اليهودي دريفوس في القضية الشهيرة، وبعد فترة وجيزة من ظهور الصهاينة قبل مؤتمر باريس للسلام في أواخرشباط/ فبراير 1919، أصدر أندريه تارديو، الذي كان عضوًا في الوفد الفرنسي (وأصبح لاحقًا رئيسًا للوزراء)، بيانًا رسميًا يقول فيه إن الحكومة الفرنسية لن تعارض وضع فلسطين تحت الإشراف البريطاني وإنشاء دولة يهودية هناك - وهو هدف حتى الصهاينة لم يجرؤوا على التحدث بصراحة عنه في ذلك الوقت.

في شهادته أمام المؤتمر، حدد الوفد الصهيوني الحدود المحتملة "للوطن القومي" مع حدود شمالية من المفترض أن تمر من منطقة مدينة صيدا على ساحل البحر الأبيض المتوسط​​، على طول نهر الليطاني وعبر جبل حرمون بالقرب من خط السكة الحديد الحجازي (حوالي 50 كم شرق نهر الأردن)، والتي ستشكل الحدود الشرقية لأرض "إسرائيل"، وكانت هذه الحدود تتماشى في الغالب مع التعريف البريطاني، الذي رأى أن "أرض إسرائيل" تتكون من أراضي الكتاب المقدس من "مدين إلى بئر السبع"، واستمرت الحدود الشمالية "من الليطاني إلى الساحل، عبر بانياس ودان". ومع ذلك، لأن هذا الخط ميز أيضًا الحدود الجنوبية لسوريا التي كانت على وشك أن تصبح انتدابًا فرنسيًا، ولأنه تجاوز حدود الكتابة في اتفاقية سايكس بيكو التي حددت الجزء الشمالي من فلسطين كمنطقة دولية، سعى الصهاينة لكسب دعم فرنسا قبل أن يقرر مؤتمر السلام المسألة.

في 11 سبتمبر 1919، التقى وايزمان مع كبير المستشارين الفرنسيين للشؤون السورية، مشيرًا إلى أن "الفرنسيين سيقبلون خط الليطاني دون مشكلة" ترك وايزمان انطباعًا إيجابيًا مماثلاً بعد اجتماعه مع فيشون، الذي قال إنه في حين أن فرنسا "ليست مهتمة حقًا بتفاصيل خط أو آخر بشرط أن يكون هناك اتفاق عام على الحدود" فهي "تود أن تظهر أنها تفعل شيئًا للصهيونية".

ولكن عندما اجتمع مؤتمر السلام في لندن، اختفت تلك المشاعر الإيجابية تمامًا، في نهاية حزيران/يناير 1920، استقال كليمنصو، ولم يشارك خليفته ألكسندر ميلر فقط عاطفته للصهيونية واليهود، بل سعى أيضًا إلى إحياء خطة التدويل في اتفاقية سايكس بيكو في محاولة لتخريب خطة الوطن القومي وعزم الانتداب البريطاني على إنشائه، وأعلن المسؤول السياسي البريطاني في القدس إن الدعاية الفرنسية في فلسطين زادت بشكل كبير في الأشهر الأخيرة، وهي تعمل الآن بشكل علني ضد الصهيونية، ومن أجل فلسطين الفرنسية تحت سوريا موحدة و"يجب أن تفهم مدى سهولة إجراء الدعاية الخطيرة في فلسطين، ومدى سهولة مقاطعة إدارتنا هنا وسياسة حكومة صاحب الجلالة أعتقد أن الفرنسيين لن يقبلوا بأقل من ذلك".

أصبحت الأمور أكثر تعقيدًا عندما قرأ لويد جورج برقية من قاضي المحكمة العليا الأمريكية لويس برانديز، الزعيم الصهيوني الأمريكي والصديق المقرب للرئيس ويلسون، الذي حذر من أن تنفيذ اتفاق سايكس بيكو بشأن فلسطين "سيهزم تحقيق الأمن الداخلي بالكامل"، وأوضح القومي اليهودي أن "السبيل الوحيد لإبقاء وعد بلفور المتفق عليه"، "هو الموافقة على اقتراح الحدود الصهيونية". جلبت هذه الأشياء فيليب برتيلو، الأمين العام لوزارة الخارجية الفرنسية، الذي قاد المناقشات في لندن وكان "مليئًا بالإزدراء لفكرة الوطن القومي اليهودي" (على حد قول لويد جورج) لدرجة الغضب، ووصف بارتلو برانديز بأن لديه "إحساسًا مبالغًا فيه بأهمية الذات" (وبالتالي يتناقض مع ملاحظاته السابقة بأن "الرئيس ويلسون يسترشد ببرانديز")، ورفض الاقتراح الصهيوني بأنه "لايستحق التطرق إليه".

بعد نشر الموقف الصهيوني في بداية المؤتمر، أملاً في إقناع نظرائه الفرنسيين "باتخاذ موقف أكثر ليبرالية في التزاماتهم فيما يتعلق بالحدود المستقبلية لفلسطين"، لم يحتج لويد جورج على رأي بارتلو اتفق الجانبان بالفعل على صياغة فقرة "إيريتز إسرائيل" في معاهدة السلام التركية، والتي كانت تستند أساسًا إلى تعريف لويد جورج ("سيتم تعيين الحدود وفقًا للحدود القديمة من دان إلى بئر السبع وتحت الانتداب البريطاني")، وكان رئيس الوزراء البريطاني سعيدًا بمغادرة الرسم الدقيق من الحدود لدمج وإخبار برانديز في وقت لاحق "أنه يجب أن يتعلم الخرائط أفضل مما هو عليه"، كما خفف بارتلو بشكل طفيف في هذه المرحلة، وطلب من لويد جورج أن ينقل إلى برانديز أنه إلى جانب موقفه من "المطالب الباهظة"، فإن فرنسا الآن "ليس لديها نية لاعتماد نهج معاد، وهي مستعدة للتوصل إلى اتفاق ليبرالي بشأن إمدادات المياه للسكان الصهاينة".

سان ريمو

عندما التقى قادة القوى مرة أخرى في 19 نيسان/أبريل 1920 في مدينة سان ريمو الإيطالية لإكمال معاهدة السلام التركية، عاد الفرنسيون إلى موقفهم القديم غاضبين مما رأوا أنه رفض بريطاني لا لبس فيه لإعلان فيصل الملكي، بخشية أن يقلل الرفض البريطاني من مكانة فرنسا في سورية، ولم يروا في الإعلان أكثر من توسيع لقب الإمارة الفيصلي، واستخدم رئيس الوزراء ميلن الانتداب على فلسطين كنقطة انطلاق لتحسين موقف فرنسا الإقليمي، ونتيجة لذلك، لم يعد الوفد الفرنسي إلى سان ريمو يزعج نفسه بالحجج حول الحدود الشمالية، لكنه شكك بشكل أعم في التفسير الصهيوني والبريطاني للانتداب وفكرة الوطن القومي، وفي محاولة لاستعادة اتفاق سايكس بيكو الذي حدد السيطرة المشتركة لفرنسا وإنجلترا في فلسطين.

مباشرة بعد أن طالب كرزون بكتابة وعد بلفور "الذي تلقته القوى" في الانتداب على فلسطين "في الصيغة المحددة أصلاً"، رفض بارتلو الفكرة، على الرغم من أنه وافق على أن "العالم بأسره يتعاطف مع الطموح اليهودي بإنشاء وطن قومي في فلسطين"، وأعرب عن رغبة فرنسا في بذل أقصى ما في وسعها "لتلبية هذه الرغبة المشروعة"، وعرض بارتلو إعادة النظر في المشروع بأكمله، ووفقًا له، فبدلاً من إرفاق وعد بلفور بوثيقة الانتداب، يجب تقديم مسألة "إريتس يسرائيل" إلى عصبة الأمم، فقط لأنه "لا أتذكر أن الاتفاق العام تم على الإطلاق على تصريح السيد بلفور من قبل السلطات".

ذهل كرزون، وصحح نظيره الفرنسي بتصريح بريطاني نموذجي: "يبدو أن السيد بارتلو لا يفهم تمامًا تاريخ السؤال"، حيث "تم تمرير بنود وعد بلفور إلى وزير الخارجية بيشون في فبراير 1918 ووافق عليه، تمامًا كما فعل الرئيس ويلسون ودول أخرى مثل إيطاليا واليونان والصين وصربيا وسيمنز، لذلك فقد اعتقد أن "هناك بالتأكيد مبررًا للادعاء بأن وعد بلفور قد قبله عدد كبير من البلدان" ولم يتراجع بارتلو، وقال إنه نظرًا لأن البيان لم يتم اعتماده رسميًا أبدًا من قبل الحكومة الفرنسية، ولم يتم قبوله كأساس لتحديد المالك المستقبلي لأرض فلسطين، فقد عارضت فرنسا بشدة "أي إشارة في وثيقة رسمية مثل معاهدة السلام التركية إلى إعلان غير رسمي من دولة واحدة لم يقبله العالم أبدًا". تدخل رئيس الوزراء الإيطالي فرانشيسكو نيتي، وقال "ليس هناك جدوى من الذهاب إلى التاريخ والماضي"، مضيفًا أن "السلطات اتفقت بشكل عام على الرغبة في إقامة وطن قومي لليهود"، ومع ذلك، كشف النقاش عن خلافات بين فرنسا وإنجلترا فيما يتعلق بحقوق المجتمعات غير اليهودية في فلسطين، وعلى وجه الخصوص أعاد طرح قضية وضع الروم الكاثوليك في الشرق، وهكذا، دون شك إلى قدرة بريطانيا على تنفيذ التزامها المفوض، خامر الجميع الشعور أنه من الأفضل إنشاء لجنة دولية لاقتراح قواعد جديدة للأماكن المقدسة بدلاً من الموجودة، وكذلك الطريقة المرغوبة لحل النزاعات الدينية".

وكان الفرنسيون قد استخدموا بالفعل في مؤتمر لندن قضية الأماكن المقدسة كأداة لإعادة تنفيذ تدويل أرض فلسطين، كما هو مقترح في اتفاقية سايكس بيكو، لكنهم واجهوا معارضة بريطانية شرسة، وفي سان ريمو وبعد أن أعاد نظيره الإيطالي طرح القضية، لم يكن رئيس الوزراء الفرنسي ينوي تفويت الفرصة للسيطرة على مستقبل فلسطين على حساب البريطانيين، وزعم ميلرن أنه "لم يكن على دراية تامة بالأشياء التي ظهرت في المحادثات بين لويد جورج وكليمنصو حول الأماكن المقدسة"، مضيفًا أنه على الرغم من عدم اعتراضه على منح الانتداب البريطاني، إلا أنه "متأكد من أن كليمنصو لم يفكر أيضًا في إمكانية جلب التفويض مع الحقوق بإقامة "وطن يهودي".

في رأيه، فإن مسألة "أرض إسرائيل" تضمنت ثلاث قضايا حقيقية: الأولى أنه كان يجب إنشاء وطن قومي لليهود واتفق الجميع على ذلك. النقطة الثانية تتعلق بالحفاظ على حقوق المجتمعات غير اليهودية، ولم تكن هناك ثغرات لا يمكن إصلاحها هنا أيضًا. والثالثة هي مسألة الحقوق القائمة للهيئات غير اليهودية، وعلى الرغم من اعتقاده بأن بريطانيا "ستبرهن على روحها الليبرالية المعروفة بشأن هذه المسألة"، طلب ميلرن من المؤتمر أن ينظر في قراره "الوضع الأخلاقي لفرنسا الذي خلقته قرون من التضحية" في الأرض المقدسة.

لم يقتنع لويد جورج بهذا، وزعم أن الوضع مختلف الآن، وأن بريطانيا ليست تركيا عندما يتعلق الأمر بعلاقتها بالأقليات الدينية والعرقية، لذلك فمن غير المعقول أن تستوفي نفس الشروط "المفروضة على الأتراك بالقوة بعد سلسلة من الحروب الدموية" إن جعل فرنسا الحارس الكاثوليكي في فلسطين، بينما بريطانيا مسؤولة عن إدارة الدولة لن يؤدي فقط إلى "إهانة وإذلال بريطانيا العظمى"، ولكن "سيؤدي ببساطة إلى مضاعفة الحكومة من قبل قوتين أوروبيتين كبيرتين". ووفقًا لرئيس الوزراء "إذا كانت مجرد مسألة رسمية، فإن البريطانيين سيبذلون قصارى جهدهم للنظر في الحساسية الفرنسية، ولكن المشكلة الحالية هي مشكلة عملية، ووضع ولايتين في أرض فلسطين غير مرغوب فيه؛ وسيتحمل أحد الحكام كل المتاعب والتكاليف، لكنه في نفس الوقت لن يكون له سلطة على الهيئات الدينية، والحاكم الآخر، كما تقترح، سوف يتمتع بسلطة كاملة في المسائل الدينية... سيكون من المستحيل على المملكة المتحدة أن تدير البلاد، وقد تكون هناك صعوبات في علاقاتها مع فرنسا".

في النهاية، ساد هذا الرأي، وانسحب الفرنسيون من موقفهم، لكنهم شنوا هجومًا متجددًا على نية إضافة وعد بلفور إلى شروط الانتداب، وعرّف بارتلو البيان بأنه "رسالة ميتة"، وقال إن "جميع اليهود في فرنسا كانوا معاديين للصهيونية، ولا يرغبون في القدوم إلى أرض إسرائيل"، في حين عرض ميلر التأكيد على جوهر البيان، لكنه حذف الديباجة التي تنص على أن "الانتداب سيكون مسؤولاً عن تنفيذ البيان الوارد في 8 نوفمبر 1917 من قبل الحكومة البريطانية وتبنته قوى أخرى".

لم يفهم كرزون بالضبط ما كان يفعله الفرنسيون، هل كانوا ضد وطن قومي يهودي في المقام الأول أم كانوا قلقين بشأن حماية حقوق المجتمعات غير اليهودية في فلسطين؟ لقد فهم أن الفرنسيين وافقوا على إدراج إعلان بلفور في معاهدة السلام، وإن لم يكن في صياغتها الدقيقة ودون ذكر الحقيقة التي قدمتها الحكومة البريطانية في تاريخ محدد، إلى الحد الذي يبدو فيه أن هذه الاعتراضات خاطئة بشكل أساسي، حاول الاتفاق معها، ولكن الآن يبدو أن الوفد الفرنسي قد غير رأيه بشأن إدراج الإعلان في العقد حتى في صيغته الجديدة، وهو أمر لم تستطع بريطانيا قبوله كسيطرة مقصودة للبلاد، وإلى جانب ذلك "اعتبر اليهود وعد بلفور برمته نأكيدًا للحقوق، واعتبروا أنه من المهم جدًا تضمينه في معاهدة السلام"، وعلى الرغم من أن الفرنسيين قد لا يعتقدون أن اليهود لديهم سبب للقيام بذلك، "حقيقة أنهم يعتقدون أن ذلك يبقى هو الحال، وبعد كل اليهود هم أفضل قضاة لمصالحهم الخاصة" في هذه الظروف.

في محاولة لتجاهل ادعاءات كرزون، حول ميللر النقاش للحفاظ على "الحقوق المدنية والسياسية للجالية الفرنسية في فلسطين"، مما أدى إلى مزيد من التبادلات مع وزير الخارجية البريطاني، الذي لم يفهم معنى "الحقوق السياسية" في القانون الفرنسي.

في النسخة البريطانية، يتم تضمين جميع الحقوق العادية في "الحقوق المدنية" كانوا عازمين على تجنب التضمين في عقد ذي معاني مختلفة لأي دولة، قد تكون حددت "الحقوق الدينية" التي كان البريطانيون قادرين على التخلص منها.

مرة أخرى، جاء نيتي إلى الصورة للسماح بإسقاط الفرنسيين عن الشجرة، وبدا له أن هذا الجدل كان مسألة رسمية أكثر من كونه ماديًا، وبقدر فهمه للموقف الفرنسي بشأن الحقوق السياسية، لم يكن هناك سبب للتأخير في الموضوع الذي كان المؤتمر قد "وافق بالفعل على النية والشكل"، وبعد أن تلقى ميلر طلب نيتي بشرط عدم ذكر إلغاء الحقوق الدينية الفرنسية في العقد وتحديد الحقوق السياسية لفرنسا في البروتوكول، سرعان ما تم الاتفاق على شروط الانتداب في فلسطين ودمجها في معاهدة السلام التركية الموقعة بعد أربعة أشهر في مدينة سيفر في فرنسا: وجاء النص: "وحيث أنه، لغرض تنفيذ المتطلبات المنصوص عليها في المادة 22 من ميثاق العصبة، وافقت دول الحلفاء الرئيسية على إخضاع الوصي الذي اختارته الدول المذكورة لإدارة أراضي فلسطين التي كانت تابعة سابقًا للإمبراطورية التركية، ضمن الحدود التي وضعتها؛ وفي حين وافق الحلفاء الرئيسيون، ستكون الحكومة المنتدبة مسؤولة عن تنفيذ الإعلان الصادر أصلاً عن صاحب الجلالة البريطاني في 2 نوفمبر 1917، والذي وافقت عليه القوى المتحدة الأخرى لإنشاء بيت وطني للشعب اليهودي في أرض إسرائيل، شريطة ألا يتم فعل أي شيء ضد الحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية في البلاد، أو الحقوق والوضع السياسي الذي يحصل عليه اليهود في أي بلد آخر".

بين سان ريمو وسايكس بيكو

اعتبر بعض المؤرخين أن اتفاقية سان ريمو شكلت إلغاء لسايكس بيكو، بينما رأى آخرون إنها جاءت تصديقًا وتأكيدًا لتلك الاتفاقية، من قبل عصبة الأمم، ورغم أن من يعتقدون عكس ذلك يستشهدون بالخرائط الحالية التي لا توافق خرائط سايكس بيكو؛ إلا أنه يمكن عزو ذلك إلى سببين رئيسين هما إنهاء الخلافة التركية على يد مصطفى كمال أتاتورك، ومعارضة الشريف حسين للاتفاق، ففي حين تمكن كمال أتاتورك من طرد الفرنسيين من منطقة الأناضول وإنشاء الدولة القومية التركية، وحصل على تصديق ذلك في معاهدة لوزان عام 1923، إلا أن العرب فشلوا وخصوصًا فيصل في سورية، حيث هزمه الفرنسيون وأخرجوه من دمشق، لتخضع سورية للانتداب الفرنسي، وبالتالي يمكن القول بحذر أن سان ريمو أتت لتصادق على سايكس بيكو خصوصًا أن طرفي هذا الاتفاق كانا فاعلين في سان ريمو بشكل قوي.

رد العرب على سان ريمو:

شكلت الاتفاقية خيبة أمل كبيرة من العرب الذين اعتبروها خيانة من حلفائهم لهم بعد أن ساعدوهم في تقويض الامبراطورية العثمانية، وخيانة لكل التعهدات التي أصدرتها بريطانية على وجه الخصوص للشريف حسين، وما إن صدرت قرارات اتفاقيّة سان ريمو، حتى ظهرت العديد من الردود الغاضبة عليها أبرزها الاشتباكات بين البريطانيين والقبائل الفلسطينية على الحدود مع سوريا، ردًا على محاولة بريطانيا رسم حدود الانتداب، وعقدت اجتماعات سياسيّة بين المسلمين والمسيحيّين الفلسطينيّين؛ وذلك من أجل التخطيط للقيام باحتجاجات ضدّ تقسيم سوريا. كما يمكن اعتبار الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش ردًا على نتائج الاتفاقية التي سلمت سورية للفرنسيين، والسبب في ذلك هو رفض السوريّين التقسيمات، ممّا كان سببًا في توحيد سوريا لكن دون لبنان، وفلسطين، والأردن، كما حدث الاتقلاب في تركيا من قبل أتاتورك رفضًا لمعاهدة سيفر التي قيل إنها أذلت تركيا، وهزم أتاتورك المحتلين ليصل الأمر إلى معاهدة لوزان التي تنازلت بها تركيا عن الولايات العربيّة التي كانت تحت الحكم العثماني.

أخيرًا

كانت صياغة شروط التفويض والتصديق عليها من قبل عصبة الأمم اللازمة لتنفيذها فعليًا عملية مملة وطويلة أكثر مما اعتقد الصهاينة، وكانت إحدى العقبات الرئيسية هي قضية التمييز الإقليمي، حيث أجبر الصهاينة على قبول ليس فقط الرؤية الفرنسية البسيطة للحدود الشمالية لفلسطين، ولكن أيضًا القرار البريطاني (في مؤتمر القاهرة في مارس 1921) بإخراج الأردن من "المنطقة الوطنية اليهودية" وتعيين الأمير عبد الله، كعنصر تحكم مؤقت".

بعد أن طالب إعلان بلفور بالفعل بتخفيف المطالب، ذهب الصهاينة إلى مطالبة مؤتمر السلام الاعتراف "بحق الشعب اليهودي التاريخي في فلسطين وحق اليهود في إقامة وطن قومي... والذي سيسمح في نهاية المطاف بإنشاء مجتمع مستقل"، كما دعوا البلدان في ذلك الوقت، ولكن على الرغم من أن السياسيين البريطانيين البارزين (خاصة لويد جورج و ونستون تشرشل)، قد اعترفوا بشكل خاص بأن إعلان بلفور سيعتمد على إعجابهم ككل، فإن صياغة الإعلان غيرت الطلب الصهيوني لمجتمع الحكم الذاتي إلى "مؤسسات الحكم الذاتي"، وبالتالي يحجب الهدف النهائي لبيت وطني، ويلمح بشكل غير مباشر إلى أهمية هذه المؤسسات للمجتمعات غير اليهودية. وقال وايزمان: "أنا شخصياً أفضل حذف مفهوم "مؤسسات الحكم الذاتي "و "ليس لها أي أهمية أو لا أهمية لها ووضعها قبل الإشارة إلى منزل قومي يهودي يحد من معنى الرسالة". ومع ذلك، إلى التفويض الممنوح من عصبة الأمم في يوليو 1922: "سيكون التفويض مسؤولاً عن خلق ظروف سياسية وإدارية واقتصادية في إسرائيل؛ تضمن إنشاء البيت القومي اليهودي، كما هو مفصل في المقدمة، وتطوير المؤسسات المستقلة، فضلاً عن الحفاظ على الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان إسرائيل، بغض النظر عن العرق والدين".

ولكن المعركة الأكثر صعوبة كانت تدور حول المطلب، الذي اعتبره وايزمان أنه "أهم جزء من التفويض" لتضمينه في مقدمة التفويض الاعتراف الصريح بـ"حق الشعب اليهودي التاريخي في إسرائيل"، في بداية حزيران/ يونيو 1920، بعد شهر واحد فقط من مؤتمر سان ريمو، دهش الصهاينة من أن أول قرار بريطاني رسمي للانتداب حذف الإشارة إلى "اتصال الشعب اليهودي التاريخي بإسرائيل وحقه في إعادة تأسيس وطنه القومي في هذا البلد"، الأمر الذي دفع وايزمان إلى حث بلفور والمندوب السامي وقام المندوب السامي الجديد اليهودي هربرت صموئيل بإدراج هذه الإشارة مرة أخرى، تم ذلك بسرعة، ولكن تمت إزالته مرة أخرى في المسودة التالية التي تم نشرها بعد أربعة أشهر، وكتب وايزمان إلى كرزون في 30 تشرين الأول/ أكتوبر "أخبرتني في الماضي أنك تعتقد أن القسم غير ضروري لأن قرار سان ريمو عدل وضع إسرائيل"، و"هذا صحيح بالمعنى القانوني البحت، لكن الشرط ضروري ومهم لأولئك منا الملزمين بسؤال يهود العالم عن التضحيات والتمويلات اللازمة لجعل أرض إسرائيل أرضًا صحية وسعيدة مرة أخرى".

فهم كرزون النغمة المخفية في تحذير وايزمان، وكتب إلى لويد جورج: "ما يريدونه حقًا في هذا القسم بالذات من الولاية هو المحاكم التي يمكن أن تشكل أساسًا لمطالبتهم في أي مرحلة من المعاملة الخاصة لأرض إسرائيل، وأخيرًا السيطرة الكاملة على البلاد... لن أوافق على ذلك"، ولم يكن لويد جورج متأثرًا بملاحظات وزير خارجيته، حيث أعاد تقديم القسم، على الرغم من تخفيفه قليلاً، وهكذا، فبدلاً من رؤية "الارتباط التاريخي للشعب اليهودي بإسرائيل" كأساس للمطالبة بـ "إعادة تأسيس وطن قومي"، تم ذكر هذا الارتباط القديم في مقدمة وثيقة الانتداب فقط كجزء من أساس الوطن القومي.

ولكن وراء كل هذه الصعوبات، كان هناك إنجاز دبلوماسي صهيوني استثنائي في تمرير إعلان بلفور في غضون خمس سنوات فقط من الإعلان إلى قبوله الرسمي من قبل ممثلي المجتمع الدولي، وخيبة أمل كبرى للعرب وطعنة للفلسطينيين ما زالوا يقاتلون ضدها حتى اليوم.