Menu
أوريدو

مخاوف من عودة الحرب الداخلية

إرسال قوات أمريكية خاصّة إلى كولومبيا.. لمكافحة المخدرات أم للقضاء على الثوّار؟

اسحق أبو الوليد

قوات أمريكية

خاص بوابة الهدف

أعلنت السفارة الأمريكيّة في بوغوتا أنّ كتيبة من قوات الدعم الخاصة ستصل إلى كولومبيا مطلع الشهر القادم، هذه الكتيبة مؤلّفة من حوالي 800 ضابط وجندي بزعم "مساعدة الجيش الكولومبي في مكافحة المخدرات" وخاصة في المحافظات التي تُعاني من الفقر والبطالة وعددها ستّة محافظات، وأن مهمة هذه الكتيبة ستستمر لعدة أشهر.

هذا الاعلان أثار موجة من ردود الفعل الغاضبة، وخاصة في صفوف المعارضة والقوى اليساريّة والقوّات المسلّحة الثوريّة الكولومبيّة (فارك، جيش الشعب) التي عبَّرت فيها عن مخاوفها من "عودة التصعيد للحرب الداخليّة كما كانت عليه قبل أكثر من عشرة أعوام عندما طبّقت الإدارات الأمريكيّة السابقة ما سُمي بخطة كولومبيا، والتي كلّفت الخزينة الأمريكيّة أكثر من 10 آلاف مليون دولار، وكان هدفها الحقيقي مُحاربة القوى الثوريّة المُسلحة وخاصة فارك، وليس مُحاربة أو مكافحة المخدرات".

النائب في البرلمان ايفان سيبيذا عن "القطب الديموقراطي البديل" وعضو اللجنة الأمنيّة البرلمانيّة ولجنة الدفاع الوطني، قال إنّ حزبه يرى "أنّ هذا القرار خطير جدًا بسبب ما سيحدِثه من تصعيدٍ للعمليات العسكريّة الداخليّة، والتي من الممكّن وللأسف أن تؤدي إلى صدام ذو صفةٍ دوليّةٍ مع فنزويلا"، وفي تصريحٍ له لوكالة ايفي، شدّد على أنّ "وصول هذه القوات لبلادنا يُخالف الدستور وينتهك السيادة الوطنيّة وسيزيد من الصدامات المسلّحة في المنطقة".

وفي هذه الأجواء المشحونة بالتوتر والرفض، صرّح وزير الدفاع الكولومبي كارلوس هولميز، بأنّ "القوّات التي ستصل هي ذات طابع فني واستشاري، وأنّ هذه القوّات لن تُسيَّر في الأراضي الكولومبيّة، ولن تُشارك في أي نوعٍ من العمليات العسكريّة"، في حين ردَّ عليه النائب ايفان سيبيذا بالقول: "إنّها ليست قوّات استشاريّة أو فنيّة، إنّها قوّات عسكريّة ستأتي لتنفيذ أهداف ومهام على الأرض".

أمّا مدرسة العلوم السياسيّة والعلاقات الدوليّة في جامعة روساريو، فقد رأت أنّ "هذه المهمة تأتي في اطار العلاقات الحميميّة والقويّة بين الولايات المتحدة وكولومبيا، وأنّ الولايات المتحدة لا تستطيع تكرّار خطة كولومبيا لأنه لا توجد ميزانيّة لذلك، ولأن كولومبيا اليوم ليست ككولومبيا الأمس، ولهذا تبدو الإدارة الأمريكيّة وكأنها غير معنيّة بتكرار خطتها السابقة".

لكن ويبقى السؤال: لماذا الآن؟، وما هي المستجدات التي جعلت الإدارة الأمريكيّة أن تُقدم على هذه الخطوة؟

لا شك أنّ الأمر ليس صدفة، إنّ تعثّر ما سُمي باتفاق السلام الذي تم توقيعه بين القوّات المسلّحة الثوريّة الكولومبيّة وحكومة الرئيس سانتوس قبل أكثر من ثلاثة أعوام بسبب تنصّل سانتوس والرئيس الحالي دوكي من تنفيذ استحقاقات الاتفاقيات وتعرّض المقاتلين السابقين الذين سلموا أسلحتهم للاغتيالات والاعتقالات، أعطى الحق والمصداقيّة للكتائب المُقاتلة التي تمرّدت على القيادة التي وقّعت الاتفاق ورفضت تسليم أسلحتها، والتي شكّلت أكثر من 30 بالمئة من الثوّار، وعودة ايفان ماركس وهسوس سانتريش من قيادات الصف الأوّل للثوّار الذين وقعوا اتفاق السلام ومعهم مئات المقاتلين إلى الجبال وانضمامهم إلى الكتائب التي بقيت متمركزة في مواقعها، أعطى قوّة دفع لهذه القوّات التي أعلنت قبل أسبوع أنّها أعادت السيطرة على معظم المناطق التي سلّمتها للقوّات بناءً على الاتفاقات الموقّعة.

هذا الاعلان تنظر إليه الحكومة الكولومبيّة والإدارة الأمريكيّة بعين الجد وتتهمان حكومة الرئيس مادورو بأنها تقدّم الدعم والتسهيلات للثوّار الذين هم بنظرهم "عصابات ارهابيّة وتجّار مُخدرات"، وتدّعي أنّ بعض هذه القيادات تُقيم في فنزويلا، وتشكّل خطرًا على مصالحهم وعلى الأمن والاستقرار في القارة، ما يدفع للاعتقاد أنّ هذا هو السبب الرئيسي لإرسال هذه الكتيبة من قوّات النخبة الخاصّة الأمريكيّة والتي ستكون مهمتها مزدوجة، أي إعادة تأهيل القوّات الحكوميّة والمُشاركة معها في الميدان.

ومن المعروف أنه توجد على الأراضي الكولومبيّة سبعة قواعد عسكريّة أمريكيّة تعتبر هامة للغاية من الناحية الاستراتيجيّة في القارة، وتدفع الولايات المتحدة سنويًا بدل ذلك 2800 مليون دولار لحكومة بوغوتا، وتُعتبر بمثابة احتلال لكولومبيا، مما حوّل هذا النظام إلى الأكثر تبعيّة وخضوعًا للإمبرياليّة الأمريكيّة اقتصاديًا وعسكريًا، وقدّمت مساعدات وخدمات هائلة لقوّات النظام وصلت إلى حد الاشتراك المباشر في القتال ضد الثوّار، وتدخّلت بشكلٍ مباشر في الحوار الذي تم بين الحكومة الكولومبيّة وثوّار فارك الذين توصلوا لاتفاق سلام مع الحكومة.

أمَّا الولايات المتحدة فإنّ استراتيجيتها تقوم على أساس أن "احتلال" كولومبيا ضروري من أجل السيطرة على فنزويلا، وهي ترى أنّ القضاء على الثوّار والمقاومة المسلّحة في كولومبيا والتي تعتبر من أقدم الثورات المسلّحة في العالم بمثابة "مصلحة أمنيّة" أمريكيّة، لأن سقوط كولومبيا في يد الثوّار يعني فتح المجال والأبواب على مصرعيها لانتصار حركات تحرّر أخرى في أمريكا الوسطى التي لدى معظمها تجربة نضاليّة مسلّحة قاسية ومريرة ضد أنظمتها الديكتاتوريّة والرجعيّة التي وصلت للحكم عن طريق انقلابات دبرتها المخابرات المركزية الأمريكيّة ضد الأنظمة الوطنيّة.