أعلنت السلطة الفلسطينية عن عدم مقدرتها على تسديد فاتورة الرواتب لموظفيها عن شهر مايو وقد يكون أكثر؛ بسبب عدم قبولها استلام أموال المقاصة من الاحتلال "الإسرائيلي"، بعد أن أخذت قرارًا بوقف التنسيق معه، عقب إعلانه قرار الضم لما يزيد عن 30% من أراضي الضفة، والأغوار كاملة، كجزء من صفقة القرن الأمريكية- الصهيونية. يترافق مع هذا العديد من الأسئلة من اقتصاديين وقادة سياسيين، وفي الأوساط الشعبية حول صحة ما أعلنته السلطة، أم أن وراء الأكمّة ما وراءها، خاصة وأن السلطة سبق ورفضت استلام أموال المقاصة لأشهر، وسدّدت فاتورة الرواتب لموظفيها في الضفة و غزة وإن كان الصرف بنسب أقل عن الرسمية، وهذا يجعل الأمر مُشرَعًا على تساؤلات مفتوحة.
المُختصّ في الاقتصاد السياسي والتنمية، د. عادل سمارة، قال: إنّ الفوضى التي نشهدها حاليًا تُعيدنا إلى المربّع الأول، والمعادلة التي بدأت مع أول يوم لوجود السلطة الفلسطينية، بموجب اتفاق أوسلو (أقدّم لكَ ريعًا ماليًا مقابل تنازلات سياسية)، ويبدو أن هذه التنازلات لا تنتهي، وهذا الوضع سيستمر حتى انتهاء أمر الضفة الغربية المحتلة".
ورأى د.سمارة أنّه "إذا كانت (السلطة) تعتمد على استجداء الأموال من الخارج، فما ضرورة وجودها هذا تساؤل يزداد التأكيد عليه يومًا بعد آخر، لماذا أُقيمت السلطة ولا تزال موجودة إن كانت لا تستطيع أن تُعيّش الشعب؟!".
وأضاف، في حديثه لبرنامج "نبض البلد" عبر إذاعة صوت الشعب "لم نُشاهد خلال كل مسيرة السلطة ولا أيّ توجّهٍ تنمويّ حقيقي، أو عملية تنمية اقتصادية، وتَرافق هذا مع الفساد والوظائف المتعددة، والأجهزة الأمنية بأعداد كبيرة وغير ضرورية إطلاقًا، نحن أمام فسادٍ واستجداء، وهذين الأمرين يُؤكّدان أنّ العمل السياسي الاقتصادي في ظل السلطة يعتمد فقط على من يدعمها من الخارج، وهذا (الداعم) يُحتّم أن يكون الفساد شعارًا رئيسيًا لتلك السلطة، هذه هي (المصيدة)".
وتابع "حالة الفوضى التي نشهدها الآن، هل المقصود منها تمرير مشروع الضم؟- ربّما، يعني: هل من المنطقي أنّ السلطة لا تملك من الأموال ما يكفي لرواتب موظفيها لشهر؟ من غير المعقول عدم وجود احتياط مالي بالمُطلق! لا توجد شفافية في ميزانيات السلطة ولا رقابة، ولا تُوجد أيّة معطيات عن الوضع المالي، لا نرى غير الأُعطيات؛ لهذا منحة ولهذا وظيفة...إلخ، وهذا كلّه فساد وفوضى خطيرة جدًا".
وشدّد بالقول "في ظلّ كل هذا يصبح من الأولى حلّ هذه السلطة"، متابعًا "صاحب الدكّان الصغير يستطيع تدبّر أموره الاقتصادية، ومنها الأزمات المحتملة، بوضع الاستراتيجيات والخطط والبدائل.. واقتصاديو السلطة ليسوا جهلة أو بدون علم وثقافة، لكن الهدف اليوم بات تركيع الناس سياسيًا".
وكانت وزارة المالية التابعة للسلطة الفلسطينية أعلنت، الجمعة، أنّ إيراداتها لشهر مايو 2020 بلغت 237 مليون شيكل، شكّلت منها 137 مليونًا إيرادات محليّة، و100 مليون دعمًا خارجيًا، وأموال المقاصة كانت صفرًا، في ظل وجود عجز مالي بقيمة 863 مليون شيكل". مُؤكدة أنّه حتى اللحظة لم تتوفر الأموال اللازمة لصرف راتب شهر مايو المنقضي، بسبب رفضها استلام أموال المقاصة من كيان الاحتلال، لرفضها أن تكون "موضع ابتزاز سياسي".
د. سمارة اعتبر أنّ "ما يجري ليس عجزًا ماليًا تعاني السلطة منه، التي تجبي ضرائبَ بنسبٍ عالية جدًا في الضفة الغربية المحتلة، قد تكفي لصرف رواتب الضفة، بغض النظر عن التحويلات الأجنبية".
النائب في المجلس التشريعي والقيادي بحركة فتح بالضفة المحتلة، حسام خضر، كان نشر عبر صفحته الشخصية في (فيسبوك) رأيًا اعتبر فيه أنّ السلطة تفتعل أزمة الرواتب، كاستراتيجية إلهاء. إذ كتب "عدم صرف الرواتب حتى الآن يأتي خدمةً لقرار الضم، ضمن سياسة توافُق من قبل وكلاء بيت إيل المتخاذلين- أصحاب تيار أوسلو الاقتصادي- مع إدارة الاحتلال، بهدف إشغال شعبنا وإلهائه وتوفير الظروف المناسبة للاحتلال، لتنفيذ إجراءات الضم والتهويد على الأرض" على حدّ تعبيره.
خاتمًا منشوره بنظرية الفيلسوف الأمريكي اليساري نعوم تشومسكي، حول استراتيجية الإلهاء، موضحًا أنّها "عنصر أساسي في التحكّم بالمجتمعات، وتتمثل بتحويل انتباه الرّأي العام عن المشاكل الهامّة والتغييرات التي تقرّرها النّخب السياسية والاقتصاديّة، عبر وابلٍ متواصلٍ من الإلهاءات والمعلومات التافهة".
ولا تزيد هذه النظريّة من واقع الحال الفلسطيني مأساةً، في ظلّ غموضٍ مستدام لطالما شكّل المَلْمح الأبرز في كلّ ما يتعلّق بالسلطة وأدائها، ولا تعدو موازنتها- التي يطفح منها الفساد- سوى تفصيلة صغيرة وسط علامات استفهام لا تنتهي حول ماهية وجودها، وطبيعة علاقتها المتشابكة والمعقدة مع العدو الإسرائيلي، بحكم الاتفاقات القائمة بينهما، والتي لم تُقدم السلطةعلى إلغائها فعليًا، بل اكتفت بالقول: إنها في حل منها، وهذا القول لا يُصرف أو يمثل أي قيمة قانونية.

