13 عامًا مرّت على الانقسام الفلسطيني، الذي لا تزال تداعياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية تُوغل عبثًا وتخريبًا في الساحة الداخلية، وتضرب تاريخًا من النضال في مقتلٍ، لتُبقي الناس رهائنَ طرفيْه- حركتيْ فتح وحماس- بعيدة كلّ البعد عن إرادة الشعب وطموحاته ورؤيته ومشروعه الوطنيّ الذي يُريد، في ظلّ مخططات ومساعٍ مستميتة من العدو الصهيوني للإجهاز على القضية الفلسطينية.
يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه "ﻣﻦ ﻛﺎﻥ ﻳﺤﻴﺎ ﺑﻤﺤﺎﺭﺑﺔ ﻋﺪﻭٍّ ﻣﺎ.. ﺗُﺼﺒﺢ ﻟﻪ ﻣﺼﻠﺤﺔٌ ﻓﻲ ﺍﻹﺑﻘﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺪﻭ ﺣﻴﺎً"، ليُذكّرنا ربّما بجدوى/ حقيقة ما يُعلنه طرفا الانقسام حول إرادتهما "استعادة الوحدة الوطنية" ومثلها من شعارات تُطرّز بها بياناتهم وتعلو في المناسبات الوطنية، في حين لا نرى أيّة خطوات- ولا بالحدّ الأدنى- تُتَّخذ باتجاه هذه الغاية. هل يحيا طرفا الانقسام بالإبقاء عليه؟ وما المطلوب شعبيًا وفصائليًا لمجابهة الواقع السقيم الذي وصلنا إليه بفعل انقسامٍ، لا يجني كُبرى ثِماره سوى الاحتلال الصهيوني، ومشروعه.
أحداث الانقسام الفلسطيني التي اندلعت صيف 2007، وترتب عليها حالة انفصال ونشوء سلطتين سياسيتين وتنفيذيتين في الضفة الغربية تحت سيطرة حركة فتح، وفي قطاع غزة تحت سيطرة حركة حماس، يبدو أن المصالحة ما زالت أبعد ما يكون، وأن تحقيقها لن يحصل إلا بحدوث تغيير على مبدأ عمل ورؤية أطراف الانقسام أنفسهم، أو القوى التي تقف بينهما وترفض الانقسام وتعتبره بأنه خطير وكارثي من لحظة بدء الصراع بين طرفيه، وصولًا إلى نتائجه القائمة والمستمرة على شعبنا الفلسطيني وقضيتنا الوطنية ومستقبل نضالنا من أجل الحرية والاستقلال والعودة.
وحتى الوقت الحالي، لا تزال آثار الانقسام المستمر قائمة، وتلقي بظلالها على قطاع غزة الذي تزداد ظروفه الاقتصادية والاجتماعية بالتدهور، وعلى الضفة الغربية التي تتعرض لهجمة صهيونية أميركية تتمثّل بتطبيق ما يسمى "صفقة القرن" وخطة الضم كجزء منها.
بهذا الشأن، قالت عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ليلى خالد: "نُؤمن دومًا، ونُردّد بأن الحوار هو السبيل الأمثل لحلّ أي خلاف، لا السلاح، فهذا يجب أن يبقى موجهًا لصدر عدوّنا"، مشيرة إلى أن الانقسام أثر كثيرًا على الجسد الفلسطيني، ودمرّ المشروع الوطني، الذي تسبب أوسلو بتدمير جزء كبير منه، بـ "التنازلات التي طرحها، على حساب حقوق شعبنا وقضيتنا".
وأكدت القيادية ليلى خالد لـ بوابة الهدف أن "أي شعب يُواجه احتلال، لا يُمكن أن ينتصر بدون وحدة حقيقية، لا شكلية، وإستراتيجية وطنية للمواجهة، نحن أحوج ما نكون إليها الآن".
وعن حالة الانقسام والتشظّي الحالية، أكدت خالد أن الاحتلال هو المستفيد الأول منها، والمتسبب فيها هما فتح وحماس، من صنعتا هذا الواقع المرير، مضيفة "نحن الآن أمام قضية تصفية، وتحدٍّ كبير، لذا المطلوب أن نُؤجّج ونحشد وننظّم قوى شعبنا، ولدينا من الطاقات الكامنة ما يُمكّن من المواجهة والتصدي".
وشددت على ضرورة تشديد الضغط على طرفي الانقسام حال لم يستجيبا لما يُطرح من مبادرات، قائلة: "هناك العديد من القوى والفصائل التي تدعو لاستعادة الوحدة، ومعها مكونات شعبنا من أكاديميين ومثقفين وصحفيين وغيرهم، وإلّا سنكون أما حالة من الانهزام، واستمرار لهذه المهزلة التاريخية، التي ينقسم فيها شعبنا في الوقت الذي تتواصل فيه المخططات التصفوية ويشتدّ فيه الخناق على قضيتنا الوطنية".
وأوضحت "خالد" "نملك وسائل قوة، نابعة من إرادة شعبنا، وثقتنا بأنفسنا وقدرتنا على توجيه شعبنا وقدراته، وكلنا شاهدنا مسيرات العودة التي أعلت صوت الحق الفلسطيني، وفي ظلّ اشتداد المؤامرات على شعبنا وقضيتنا حتمًا سنكون أمام تصعيدٍ قادم، ربّما يُطيح بالطرفين- طرفي الانقسام- إن لم تستجب لمطالب الشعب"، وتمتدّ وسائل القوة إلى الأساليب الأخرى من المقاومة، والمقاطعة، والنضال الدبلوماسي في المحافل الدولية".
بدوره، قال الكاتب السياسي وأستاذ علم الاجتماع وسام رفيدي لـ بوابة الهدف: إنّ "الجماهير فقدت الثقة بآفاق إنهاء حالة الانقسام، فسبق ونُظّمت تحركات شعبية، كما وُقّعت اتفاقات عديدة لاستعادة الوحدة، كل هذا لم يُؤتِ ثماره، وضُربت بعرض الحائط، ما جعل الجماهير تفقد الثقة في إرادة طرفي الانقسام إنهاءه".
ورأى "رفيدي" أن الانقسام سياسيٌّ، قبل أن يكون صراعًا على السلطة والنفوذ، وهناك نهجان في الساحة الفلسطينية: مقاومة ومفاوضات، ولا يُمكن تصوّر إنهاء الانقسام دون تنازل أحد الطرفين عن نهجه، وهذا "مستحيل في اللحظة الراهنة، لذا الأجدى إيجاد قواسم مشتركة ميدانية، ذات مهمّات محددة، لتوحيد الجهود الوطنية، والتوقف عن الحديث عن إنهاء الانقسام. وربما يُعزز هذا من ثقة الجماهير بالقوى السياسية".
وأضاف "القوى التي لم تُلوّث أيديها بالانقسام، ولم تُلوّث سلاح المقاومة بصراعات داخلية، ونتحدث تحديدًا عن الجبهتين الشعبية والديمقراطية، وكذلك المبادرة. أما ما عداها من قوى تندرج في إطار هيكل السلطة، فالرهان عليها محدود جدًا، لتناقض مواقفها بين طرحها ضرورة إنهاء الانقسام، وفي الوقت ذاته تدعم طرف انقسامي، موضحًا أن المطلوب هو "برنامج وطني ميداني، والكفّ عن الرهان على الشعارات القديمة التي لم تعد تحظَ بثقة لدى الجماهير: إعادة بناء المنظمة وغيرها".
وبيّن أن القيادة السياسية المتنفذة في منظمة التحرير لا تريد إعادة بناء المنظمة وتريد شطب النضال الوطني الفلسطيني؛ معتبرًا أنها "لا تريد إنهاء غرقها في التفاوض الاستسلامي ونهج أوسلو كما لا تريد وحدة وطنية على أسس مقاومة، وبالتالي استمرار الرهان على هذه القيادة وشروعها بخطوات وحدوية رهان فاشل تمامًا".
ورأى "رفيدي" أنّ "التوجّه البديل هو طرح برنامج وطني كفاحي ميداني، يجمع كل القوى السياسية، بما فيها قاعدة حركة فتح نفسها، التي تعج بالمواقف الوطنية والقدرات الكفاحية، وكذلك قواعد الحركات الإسلامية، وتوحيد الجهود بنضال ميداني، بعيدًا عن الشعارات البالية".
وعن اللجوء لأطراف خارجية لدعم عملية إنهاء الانقسام، علّق رفيدي "يكفي القول إن الاتفاقات التي عُقدت في السعودية- على سبيل المثال- وُقّعت في نفس الدولة التي تلعب دورًا تآمريًا على الشعب الفلسطيني، لا يُمكن للنظام الرجعي العربي لعب دورٍ في توحيد قوى الشعب الفلسطيني، فهو نظام متواطئ لخدمة المشروع الصهيوني، وعلاقات التطبيع والدعم اللوجستي والاستخباري، كلّه بات مفضوحًا الآن، وعليه فإن الرهان على طرف خارجي لدعم إنهاء الانقسام رهان بائس تمامًا، حتى الدور الروسي لم يُوفّق".
يُتابع رفيدي "كذلك الرّهان على إنهاء الانقسام هو ذاته الرهان على انهيار خيار التسوية السياسية، والقيادة المتمسكة بهذا الخيار، التي وصلت لطريق مسدود، وهذا لا يقل خطورة عن الانقسام نفسه، إن وصلت لهذه القناعة وتخلّت عن هذا النهج، وكفّت يدها عن هذا النهج التفريطي الاستسلامي، يُمكن حينها فتح أفق لإنهاء الانقسام ومجال لالتقاء الجميع حول برنامج، ولكن إلى حينه، لا بديل الآن عن نهج التوحيد الميداني، يُبنى في الشارع بين قواعد التنظيمات والقوى الحريصة على المقاومة، نهجٌ يكون خارج المؤسسة الرسمية الفلسطينية التي باتت متواطئة مع النهج الاستسلامي".
وقال "الجماهير لم تصل إلى مرحلة تثق فيها بما تُقدمه القوى من مبادرات للخروج من حالة الانقسام، من جهة: ترى قوى تتعرض لملاحقات واعتقالات ومضايقات لقيادتها وأعضائها، فأي برنامج يُطرح إن لم تكن هناك قوة حقيقية تنظيمية وجماهيرية تتبنّاه لن يكون مصيره النجاح وسيبقى معلّقًا في الهواء، كما قال كارل ماركس الذي اعتبر أنّ النظرية تتحوّل إلى قوة إن تبنّتها الجماهير".
ومنذ نشوء الانقسام الفلسطيني تعددت المحاولات لتحقيق المصالحة بين الحركتين في جوالات عدة كانت في مكة والدوحة والقاهرة ودمشق، وغزة بالاتفاق الذي بات يعرف بـ "الشاطئ".
وتمخضت جولات الحوار على مدار 13 عامًا بتشكيل ما سمي "بحكومة التوافق الفلسطينية" برئاسة رامي الحمد الله في ربيع 2014، أعقبها حرب إسرائيلية على قطاع غزة استمرت لـ 51 يومًا، ثم تم تشكيل حكومة محمد اشتية الحالية مطلع 2019 خارج هذه التفاهمات. بينما شكّلت حماس في مارس 2017، لجنة إدارية لإدارة قطاع غزة بعد اتهامها حكومة الحمد الله التي تشكلت عقب اتفاق الشاطئ، بالتخلي عن مسؤولياتها ومهامها في القطاع المحاصر، وقالت حماس حينها إن اللجنة ليست بديلًا عن حكومة الوفاق، وذلك حتى حلها في يوليو من نفس العام.
ومن الواضح أن الانقسام سيبقى قائمًا، حيث لم تستطع كل خطط ومشاريع الهادفة إلى تصفية القضية والحقوق الفلسطينية وأبرزها صفقة ترامب –نتنياهو (صفقة القرن) على توحيد أطرافه، فماذا يمكن أن يوحدهم، خاصة وأن الانقسام واستمرار بات معروفًا بأنه في خدمة أهداف ومخططات ومشاريع العدو الصهيوني. يبقى الإجابة ومجابهة الاحتلال والانقسام في رسم القوى التي لم تتلوث أيديها كما سلاحها في الدم الفلسطيني!
ومع استمرار الانقسام حتى الوقت الحالي، استطلعت بوابة الهدف العديد من آراء الصحافيين والمراقبين والمواطنين حول الوضع الحالي.
وقال الصحافي نجيب فراج نقلًا عن مراقبين: إن "ذكرى الانقسام صفحة سوداء في تاريخ القضية الفلسطينية والخاسرون الشعب وقضيتهم ومستقبل غامض وأسود ينتظرنا والرابحون قلة قليلة متمسكون بالانقسام ويريدون استمراره والتعايش معه وابقاء العلاقات العامة بين الطرفين".
في حين اقتبس طلال أبو ركبة قول محمود درويش، "ما حاجتنا للنرجس ما دمنا فلسطينيين"، مضيفًا "حزيران خيبتنا.. ذكرى سقوطنا المدوي".
بينما أكد عبد الرحمن الجبور أنه "مهما اختلفت المسميات حسم أو انقلاب، النتيجة: الخاسر شعبنا وقضيتنا، صغار الدول أصبحت تتاجر بأعظم القضايا، نتيجة انقسامنا وانشغالنا بالخلافات على الحكم والأموال".
أمّا الناشط محمود صرصور قال عن تسمية بعض المؤثرين للانقسام بـ "الحسم أو الانقلاب" لست أدري ماذا أقول: لما تكون قاصد توجه الناس لخيارين كلاهما جريمة بحق القضية فأنت قاصد تصطاد بالميه العكرة".

