Menu

حقائق واعترافات من أرشيف الهزيمة الصهيونية عام 2006

"إسرائيل العظمى" واجهت أعظم اذلال عسكري في تاريخها!

نواف الزرو

خاص بوابة الهدف

لعل في مقدمة ما تكشفه لنا الوثائق والمعطيات والشهادات الاسرائيلية، اليوم وبعد أربعة عشر عامًا، على الحرب العدوانية على حزب الله ولبنان، هو تلك الحقيقة الكبيرة الساطعة التي  تكرست على الصعيد الاسرائيلي وهي :

إنّ "اسرائيل"منيت عمليا بهزيمة حارقة على يد حزب الله لن تنسى على مدى الاجيال الاسرائيلية، ولهذا الاستخلاص المكثف  في الميزان العسكري الاسرائيلي علاقة مباشرة بمفاهيم" العقيدة والنظريات العسكرية /الحربية " و ب" التفوق المطلق" و ب"قدرة الردع" و"كي او حرق الوعي" لديهم ..اذ سعت دولة الاحتلال منذ النكبة عام 48 الى انتاج رواية خاصة بها حول كل حرب بهدف التأثير في وعي الاسرائيليين انفسهم واحتلال الوعي العربي والفلسطيني على نحو خاص فضلا عن  احتلال الوعي العالمي.

فقد سعت تلك الدولة على مدى العقود الماضية الى الترويج لرواية خاصة متميزة  تصورها كصاحبة جيش صغير وذكي وقوي لايقهر و يحقق الانتصارات االسريعة الساحقة على مجموع الدول والجيوش العربية.

ولكن ...نجح حزب الله وفقا لكافة المعطيات الاسرائيلية والامريكية والاوروبية واللبنانية وغيرها في قلب كل الحسابات والتقديرات الاستراتيجية وفي تحويل الانتصارات الاسرائيلية السريعة والمذهلة الى هزيمة حرقت الوعي والمفاهيم الاسرائيلية، وليصبح عام/2006 أسوأ عام في تاريخ الدولة الصهيونية، ويتآمر المتآمرون على شيطنة حزب الله وعلى اثارة الفتنة الطائفية والحروب السنية عليه....غريب عجيب امر هؤلاء ومن يصدقهم؟!

ويمكننا القول في ضوء ذلك ...انه على خلاف استراتيجياتهم ومخططاتهم ومفاهيمهم الامنية المرتكزة الى حد كبير الى ما يسمى  "التفوق المطلق على الجيوش العربية" و"قدرة "الردع" و"حرق الوعي لدى الآخر" وعلى خلاف ثقتهم العالية بالنفس وغطرستهم العسكرية المرتكزة ايضا الى تفوقهم الجوي الساحق واعتقادهم بامكانية الحسم العسكري  السريع في اي مواجهة حربية مع اي طرف عربي ...فقد نجح حزب الله في هذه الحرب العدوانية الاسرائيلية الجرائمية المنفلتة في قلب كل الحسابات والتقديرات العسكرية ..وفي اسقاط النظريات والمفاهيم الحربية الاسرائيلية ...بل اكثر وابعد من ذلك فقد "رد نظرية "كي الوعي" الى نحورهم ...اذ كما نتابع  منذ سنوات فقد اعتمدت المؤسسة العسكرية والسياسية الاسرائيلية سياسة "كي الوعي" الفلسطيني مثلا عبر المزيد والمزيد من القوة والبلطجة الحربية واجتياحات التدمير والقتل المكثف ضد الفلسطينيين.

فقد هدف جنرالات "اسرائيل" من خلال سياسات الاجتياحات والتدمير والقتل ، التي نفذت في الأراضي الفلسطينية إلى تطبيق هذا المفهوم.. وكانت رسالتهم للشعب الفلسطيني من وراء ذلك تسريب مفهوم "كيّ الوعي" الى وعي وذاكرة الفلسطينيين والعرب..واقناعهم باستحالة هزيمة "اسرائيل" واجبارهم على تقديم تنازلات سياسية واستراتيجية ..واجبارهم بالتالي على  الاعتراف بقوة الاحتلال المطلقة ، مقابل الضعف  والعجز المطلق لديهم ولدى العرب ، وايصالهم في نهاية الامر الى  القبول بالحل السياسي المستند الى مبدأ القوة والبلطجة العسكرية والى الشروط والاشتراطات الامنية والسياسية الاسرائيلية ، وليس الى مبادىء وقرارات الشرعية الدولية وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة .

بعيدًا عن حكاية الفتنة الطائفية السنية الشيعية التي يراد من ورائها شيطنة حزب الله واشعال الحروب الطائفية التي لا تبقي ولا تذر من وحدة عربية في مواجهة المشروع الصهيوني، فان الحقيقة الكبيرة الساطعة الصارخة المتعلقة بالحرب الاسرائيلية على لبنان عام/2006، يجب ان لا تغيب عن الوعي والذاكرة ابدا، ففي حربها على لبنان  اعتمدت المؤسسة الحربية  الاسرائيلية ذات المفاهيم المستندة الى بلطجة القوة والعربدة العسكرية بكافة تطبيقاتها وترجماتها على الارض على شكل عمليات القصف الجوي التدميري المكثف، ما تسبّب في تدمير قرى لبنانية كاملة ومحوها عن وجه الارض وتدمير أحياء كاملة في العاصمة بيروت، إضافة الى استهداف كافة عناوين البنية التحتية اللبنانية من طرق وجسور وشبكات مياه وكهرباء وغيرها .. وكأنّ الجبروت الإسرائيلي يريد أن يقول للبنانيين وللشعوب العربية أيضاً: "هذا مصير مَن يحاول المس بإسرائيل... هذا هو الثمن".

يضاف إلى كل ذلك كما هو معروف ذلك السقف العالي من الاهداف العسكرية والسياسية ومن المطالب والشروط التي يجب على لبنان وحزب الله ان يخضعوا لها ... اذ استبقت الحكومة الاسرائيلية مجريات ونتائج المعارك العسكرية على الارض، ووضعت سقفاً عالياً جداً لمطالبها ، على اعتبار أن الانتصار  كما كان في الحروب السابقة، هو تحصيل حاصلٍ وستفرض "اسرائيل" مطالبها وشروطها في نهاية الامر وان الامر سيُنجَز على الأرض خلال أيام معدودة.. بل إن بعض الأصوات سُمِعت في إسرائيل وهي تطالب بمحو لبنان عن وجه الأرض.

لكن ...عمليًا على الارض وفي ميادين المواجهة والقتال هناك، لم تسر الرياح كما تشتهي المؤسسة الحربية الاسرائيلية، على الرغم من ان "اسرائيل " رمت بثقلها الحربي المعروف في هذه المعارك المتدحرجة، وانقلبت الامور رأسا على عقب وسقطت نظريات ومفاهيم حربية كما سقطت اهداف وآمال وتطلعات سياسية واستراتيجية اسرائيلية  ...لم تأت كل هذه في حساباتهم على الاطلاق.

فقد كان الإجماع الصهيوني في البدايات الحربية جارفاً ..واخذ يتراجع تدريجيا مع الايام والمعارك والخسائر والهزائم الجزئية المتراكمة  ...كما اخذت تلك الأوهام المميتة التي أمسكت بالإسرائيليين تتبدد تدريجيا منذ الأسبوع الأول عندما اتضحت حقيقة المواجهات على الارض و تبيّنت قدرة المقاومة على مواصلة القتال بمنتهى الثقة بالنفس رغم "رعب الصدمة والتدمير الهائل للبنية التحتية"  ورغم المذابح الجماعية ضد اطفال ونساء لبنان، لتنقلب كل الحسابات الاسرائيلية راسًا على عقب، ولتنسحق التقديرات العسكرية الاسرائيلية، ولتتهاوى المفاهيم والنظريات الحربية  بقوة مذهلة.

ليتحول المشهد الاسرائيلي من حالة النشوة والثقة المطلقة بالنفس والاعتقاد الراسخ بالانتصار السريع الساحق على حزب الله الى حالة اليأس والاحباط والاحساس بالهزيمة امام هذا ال"حزب الله" الذي لم تلن له قناة ولم يضعف ولم يتفكك، بل اراهم المزيد والمزيد من البأس والقدرات والارادة التي لا تهزم!

ولعل اعتراف الجنرال بنيامين بن اليعازر وزير الحرب الاسرائيلي سابقا وعضو في الطاقم الأمني- سياسي المصغر في مقدمة الشهادات الاسرائيلية التي تؤشر الى "كي الوعي" الاسرائيلي، اذ قال في تصريح لإذاعة الجيش:" أن  إسرائيل ذهلت من عدم قدرة الجيش على إخضاع حزب الله بسرعة وسلاسة وبشكل قاطع".

وأضاف بن إلعيزر" لم يعتقد أي واحد في الحكومة أن ذلك سيستمر كل هذا الوقت، وأن يكون لحزب الله نفس طويل بهذا الشكل، وفي الحقيقة كنا نعرف عن كمية السلاح الكبيرة التي بيد حزب الله، ولكننا اعتقدنا أن ضربة لبيروت ستحل المشكلة".

ومن النظري الى التطبيق على الارض اللبنانية، فقد اعلنت "اسرائيل" الحرب على لبنان في الثاني عشر من تموز /2006 بهدف الاجهاز على حزب الله والانتقال الى سوريا وايران..غير ان حسابات الحقل لم تأت على قدر حسابات البيدر في الاستراتيجية الحربية الاسرائيلية ...فانقلبت الامور والاستراتيجيات والاهداف ...فكان ان واجهت "اسرائيل العظمى " اعظم اذلال عسكري في تاريخها.

فـ" اسرائيل واجت اعظم اذلال عسكري في تاريخها في عدوانها على لبنان..وخسارتها مؤكدة، هذا ما كتبه الخبير الامريكي بريت ستيغنر في صحيفة "وول ستريت جورنال" الامريكية.

وأضاف " تحدث الاسرائيليون عن كسر حزب الله قبل ان يتحول الحديث عن طرده من منطقة الحدود..ومن ثم الى الحد من قدراته وصولا الى الحديث عن تأسيس قوة متعددة الجنسيات تقوم بحراسة الحدود.."واستخلص " ان اهداف اسرائيل اصبحت اقل طموحا فضلا عن عجزها عن تنفيذ المهمة ".

شهادة أمريكية

واذا ما أضفنا الى ذلك شهادة أمريكية أخرى تتحدث عن الخسائر العسكرية الاسرائيلية،  فان لهذه الشهادة اهمية متميزة لكل الاعتبارات المعروفة .. فقد كشف تقرير ديبلوماسي اميركي تسربت بعض عناوينه وتفاصيله الى هيئات ديبلوماسية حيث نقل ‏الديبلوماسيون في لبنان عن زملائهم المعتمدين في "تل أبيب" أن قيادة اركان الجيش الاسرائيلي ‏قدمت معلومات لحكومتها حول الخسائر البشرية والآلية التي تكبدها الجيش الاسرائيلي خلال ‏المواجهات مع حزب الله في لبنان.‏

وتشير أرقام التقرير ان الاسرائيليين  خسروا منذ 12 تموز الى 7 آب فقط 343 جندياً قتيلاً و617 ‏جريحاً من مختلف الالوية المدرعة والمشاة والميكانيكية في خطوط الحرب او في الخطوط الخلفية حيث ‏تساقطت الصواريخ على مواقع عسكرية متعددة بدءاً من مستوطنات الشمال حتى وسط فلسطين ‏المحتلة (حيفا، العفولة، الخضيرة الى طبريا وعكا).‏

ويقول التقرير الذي تداوله الديبلوماسيون في لبنان ان عدد دبابات «الميركافا» المحترقة ‏في لبنان وفي المواقع العسكرية المستهدفة بلغ 118 دبابة محترقة، و 46 معطوبة ومصابة اصابات ‏بالغة تطلّب عملا كبيرا لاعادة تأهيلها، فيما جرى احراق 96 ناقلة جند وسيارة جيب ‏وجرافات عسكرية.‏

ويتابع التقرير ان القوات الاسرائيلية على جبهة القتال استنفذت نسبة 90% من ذخائرها ‏ما اضطر قيادة الاركان في الجيش الاسرائيلي لفتح مخازنها المقفلة منذ عشرات السنين لاستعمال ‏الذخائر من صواريخ وقنابل وقطع مدفعية واستقدام دبابات وناقلات جند اضافية مع الاشارة ‏الى ان العدد الحقيقي للجنود المشاركين في الحرب مع لبنان بين المشاركين والمنتشرين والمتجمعين ‏في منطقة الشمال يقدر بـ40 الف جندي من مختلف الألوية والقطاعات بينهم خمسة عشر الفاً من ‏جنود الاحتياط.‏

الاسئلة الكبير المتفجرة

على خلفية تلك المعطيات من الخسائر العسكرية الاسرائيلية غير المعلنة اسرائيليًا، مضافًا إليها الخسائر الفادحة على كل المستويات الاخرى، بدأت الاسئلة الكبيرة المتفجرة حول الحرب الاسرائيلية على حزب الله، ونتائجها، ومن الذي انتصر، ومن الذي هزم فيها؟تتلاحق على كل الأجندات الإسرائيلية والعربية والإمريكية والأوروبية وغيرها؛ فالعالم باجمعه تابع مجريات هذه الحرب ونتائجها أما لجهة الدرس والعبرة أو لجهة الانتصار لـ"اسرائيل" أو لحزب الله، ولعل من أهم عناصر قراءة هذه الاسئلة والأجوبة الملحة عليها تبقى القراءات والتقديرات الاسرائيلية نفسها الى حد كبير خاصة وإن كانت على لسان نخبة من جنرالاتهم ومحلليهم وباحثيهم المختصين.

فشبه الاجماع الاسرائيلي يفيد هنا في هذا السياق بـ"أنّ حزب الله لم ينكسر" و إنّ "اسرائيل" منيت بهزيمة حارقة وصعبة على الصعيدين العسكري الردعي والمعنوي على نحو خاص و"أنّ الجبهة الداخلية الاسرائيلية أصيبت هي الاخرى بضربات مؤلمة " و"انهم تالموا كما تالم اللبنانيون والفلسطينيون "...إلخ.

كما أنّ نخبة "الجيش الاسرائيلي تسقط في جحيم بنت جبيل؛  فالجنودالاسرائيليون العائدون من الجبهة في لبنان عن مقاتلي حزب الله: جيش مقاومة بارع، متحفز، لا يرحم، انهم مقاتلون لا يخشون الموت، والجنود الإسرائيليون الذين رجعوا من جبهة القتال يتحدثون عن المعارك التي دارت هناك قائلين : إنهم جيش مدرب، ومستعد، ومحاربوه لا يخافون الموت.

 والجيش الإسرائيلي، وصف مقاتلي حزب الله بأنهم لا يخافون أي شيء، ومن الصعب هزيمتهم! وضباط وجنود اسرائيليون قالوا أيضا:  إنهم /أي مقاتلي حزب الله/ يختبئون في خنادق تحت الأرض يصل عمقها إلى طابقين أو ثلاثة تحت الأرض، و هذا يدلل على أن حزب الله خطط لهذه المعركة منذ عدة سنوات.  ومعظم الجنود قالوا إنّ "مقاتلي حزب الله يخرجون من بين الأنقاض يطلقون النار عليهم من رشاشاتهم، وأحيانًا يخرجون من بين الأشجار يطلقون صواريخ مضادة للدبابات، وصواريخ RBG،  و أحد الجنود قال:"لم نكن نتوقع بأنهم يقاتلون بشراسة، إنهم يتفوقون علينا في أرضهم".  

وجندي آخر قال:"مقاتلو حزب الله يرتدون زيا أخضر مغطى بغصون الزيتون لإرباكنا و إحارتنا حيث إنّ الجنود الإسرائيليين يلبسون نفس الزى" وبعض الجنود أيضا قالوا: جنود حزب الله يختبئون في خنادق حصينة، وينتظرون الوقت المناسب للخروج لمهاجمتنا.

لنوثق هنا في خاتمة هذه الدراسة التوثيقية أنّ الجيش الصهيوني الذي روج عنه على مدى عقود أنه "الجيش الذي لا يقهر" قد هزم وقهر وتقهقر على نحو لم يخطر ببال الآباء المؤسسين للدولة الصهيونية.