Menu

حروب المياه في حسابات الأمن القومي الصهيوني

نواف الزرو

نُشر هذا المقال في العدد 15 من مجلة الهدف الرقمية

بمراجعة نصوص صفقة القرن لوحظ إنها لم تتعاطَ مع ملف المياه في الضفة الغربية؛ إلا بعبارات قليلة جدًا ومبهمة ولا يستطيع المرء أن يستخلص منها شيئا مفيدًا؛ فالأهداف الحقيقية في ملف المياه بقيت مضمرة في تفاصيل الصفقة، غير أن الخرائط الجغرافية التي تعطي الاحتلال الصهيوني كافة المواقع الاستراتيجية والخصبة في الضفة الغربية للكيان، تبين لنا أن كل مصادر المياه في الضفة ستبقى تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، وحيث أن الصفقة وضعت وصيغت بالكامل على المقاسات الصهيونية، فإنها بالتالي تمنح الكيان السيطرة المطلقة أيضًا على مصادر المياه، وتحرم الفلسطينيين من حقهم الطبيعي في مصادر مياههم.

وفي هذا السياق، مهم أن نستحضر الخرائط والمخططات، ونلقي الضوء على الأطماع الصهيونية الكامنة في موضوع المياه والأراضي؛ إذ تعتبر المياه في الاستراتيجيات الصهيونية أهم عنصر من عناصر الأمن القومي الإسرائيلي، إلى جانب التفوق العسكري الاستراتيجي، والشواهد على ذلك لا حصر لها؛ واسعة تمتد من فلسطين إلى الجولان، إلى الجنوب اللبناني، إلى نهر الأردن، وبعيدًا إلى تركيا والنيل. فبالنسبة لهم فإن المياه معركة يتوقف على نتيجتها  مصير"إسرائيل"؟! والمياه في صميم حلم "أرض إسرائيل الكاملة"، ومنذ قرن ونصف من الزمن - المياه ركيزة استراتيجية في السياسات الصهيونية.

الأطماع الإسرائيلية في المياه تذهب بعيدًا لتتجاوز حدود فلسطين إلى النيل، وباتت تتدخل حتى في بناء السدود في بعض دول حوض النيل، وخاصة في اثيوبيا لمحاصرة مصر والضغط عليها في المواجهة التاريخية معها.

وفلسطينيًا أيضًا، بالنسبة للاحتلال فإن المياه سلاح آخر لمحاصرة الفلسطينيين، وتحطيم أهم عامل من عوامل بقائهم وصمودهم في الأرض لإجبارهم على الهجرة من أراضهم، بل إن حروب المستقبل ستكون بالأساس حروب على مصادر المياه، وفي هذا الجوهر كشف العالم الجيولوجي المصري الدكتور رشدي سعيد النقاب عن "أن الحرب القادمة ضد مصر ستكون حرب المياه"، مضيفا: "أن حصة مصر الكبيرة من مياه النيل لم تعد مضمونة، مما يعرض مصر للدخول في حرب مياه في المرحلة القادمة، خاصة بعد سعي بعض الدول لتعديل اتفاقية تقاسم مياه النيل الموقعة منذ عام 1929، ووجود الأطماع الصهيونية في مياه نهر النيل؛ من خلال بعض الدول المطلة على النهر - الحقيقة الدولية - مصطفى عمارة 9.62009"، وفي ذلك إنذار لما هو آت على صعيد حروب المياه وتداعياتها الجيواستراتيجية على الوضع العربي..!

وحينما يعرب عميد معهد البحوث والدراسات الأفريقية الدكتور سعيد البدري عن اعتقاده: "أن القرن الحادي والعشرين هو قرن حرب المياه" معززًا ذلك بقوله: "ما زالت الأطماع الإسرائيلية تغازل بعض دول حوض النيل للحصول على نقطة مياه من نهر النيل في ظل الهيمنة الأمريكية السائدة على العالم"؛ فإن في ذلك تعزيزًا موثقًا لما ذهل إليه العالم سعيد..!

وبينما يرجع السفير أحمد حجاج أمين عام الجمعية الإفريقية، ما يثار من خلافات حول الحصص المائية في دول الحوض، إلى "سعي الكيان الصهيوني للضغط على الحكومة المصرية؛ بهدف الحصول على مياه نهر النيل وهو ما لم يحدث ولن يحدث/ الحقيقة الدولية-2007/8/15".

يرى الدكتور فخري لبيب مسؤول الإعلام في منظمة تضامن الشعوب الإفريقية والآسيوية "أن إسرائيل تضغط بكافة الطرق للحصول على حصة من مياه نهر النيل؛ من خلال دول الحوض، إلا أن هذا لن يحدث". في حين يرى الدكتور عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجية وأستاذ القانون الدولي سابقًا "أن تغلغل إسرائيل في دول الحوض وإمدادها لجنوب السودان بالأسلحة التي تؤدي إلى اضعاف الحكومة السودانية، إضافة لإقامة عدد من المشروعات الإسرائيلية مع إثيوبيا، كل هذا للإضرار بالحصة المصرية من المياه".

تفتح لنا هذه التطورات على الجبهة المائية الجيواسترتيجية، وعلى الجبهة المصرية الإفريقية تحديدًا، ملف الأدبيات والمخططات الصهيونية المبيتة المتعلقة بالأطماع المائية  الصهيونية، ف"المياه حلم صهيوني قديم، لا يقل ارتباط قيام دولة اليهود به عن حلمهم في بناء الهيكل؛ فالعلم الإسرائيلي وهو تلك المساحة البيضاء يحددها شريطان متوازيان باللون وتسبح بينهما نجمة داود - يرمزان إلى نهر النيل والفرات وهما حدود وطنهم الحلم، عندما يغرق غلاتهم بالأوهام - فقد كتبوا على صدر جدار الكنيست: حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل/ عن مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية -/2008/12/2". "وكان همهم دائمًا في مخططاتهم الاقتصادية البحث عن مستقبل المياه العربية، فما من نهر أو بحيرة ماء في فلسطين وجنوب سوريا ولبنان؛ إلا وترتبط في مخيلتهم بنص توراتي وفهم تلمودي لمعركة حربية خاضها أحد قادتهم ضد (الجوييم) الأمم الأخرى. فالمياه لا يقل وهجها الديني عن حجارة الهيكل وأعمدته، لقد ارتبط البحر الميت ونهر الأردن والليطاني ووادي اليرموك والشريعة، بأحلامهم التوسعية من وجهة نظر دينية بحتة، ولهذا سعى ساستهم وفلاسفتهم إلى ربط الأيديولوجية اليهودية بمرتكز جغرافي يعتمد على المياه كإحدى وسائل تغيير معالم الأرض وطبيعتها الجغرافية".

وكانت "اسرائيل" قد كشرت عن أنيابها المائية تماما في أعقاب عدوان حزيران/67، إذ وضع ثلاثة باحثين إسرائيليين بتكليف رسمي من الحكومة الإسرائيلية خرائط ومخططات تعكس الأهداف والأطماع الصهيونية في العالم العربي، والباحثون هم: "اليشع كالي" مهندس المياه في الكيان الإسرائيلي سابقًا، والمهندس الدكتور "صموئيل باهيري" مساعدًا للأول، والجغرافي "ابراهام طال"، وقد أشرف على نشاطهم لجنة ترأسها البروفيسور "حاييم بن شاحر" رئيس الجامعة العبرية سابقًا، وقد تحدثت مخططات وتصورات هؤلاء الباحثين الثلاثة عن "السيطرة على مصادر المياه في المنطقة، وجر مياه النيل إلى النقب، ومياه الليطاني إلى طبريا، وعن نقل النفط والغاز المصري والسعودي عبر الأنابيب إلى الموانئ الحديدية الإسرائيلية، وعن شق وإنشاء الخطوط الحديدية والطرق المعبدة لربط إسرائيل بالدول العربية المجاورة، والأهداف والدوافع وراء كل ذلك: اقتصادية، سياسية، واستراتيجية، ما يعني أننا أمام حروب مياه اسرائيلية مخططة مبيتة مع سبق الترصد..!

ولذلك، فإن الحديث عن حروب المياه المستقبلية في المنطقة هو حديث استراتيجي بالع الخطورة والجدية، يتوجب على العرب أن يولوه الأهمية والاهتمام المطلوبين؛ فالمشاريع والمخططات والأطماع الإسرائيلية في المياه العربية منفلتة ليس لها حدود أو ضوابط، ونستحضر في ذلك ما كان بن غوريون قد قاله منذ عام 1956، إذ أكد: "أن اليهود إنما يخوضون ضد العرب معركة مياه، يتوقف على نتيجتها  مصير إسرائيل". ولذلك ليس عبثًا أن يأتي الرئيس ترامب التوراتي اليوم ليمنح "إسرائيل" في صفقته أمنًا مائيًا استراتيجيًا مفتوحًا على حساب الفلسطينيين والعرب، ما يستدعي كما حالة استنفار عربي استراتيجي، إن جد الجد لدى بعض العرب الذين ما يزال فيهم نبض عروبي حقيقي..!