Menu

"بنك الأسرى".. عزلٌ جديد خارج السجون

فادي الشافعي

"بنك الأسرى".. عزلٌ جديد خارج السجون

خاص بوابة الهدف

في مناورة صهيونية جديدة، أفادت وسائل إعلام "إسرائيلية" صباح اليوم الاثنين، بأن وزير الحرب الصهيوني، بيني غانتس، مدد أمر سابق له أصدره في بداية شهر يونيو/ حزيران الماضي، بتجميد قرار عسكري صادر عن قائد قوات الجيش بالضفة، والقاضي بمنع البنوك من صرف مستحقات عائلات الشهداء والأسرى والجرحى، وتجميد حساباتهم.

غانتس أصدر قرار التجميد لمدة 45 يومًا، بعد أن صدر من قبل قيادة الجيش بالضفة في منتصف ابريل/ نيسان الماضي وفقًا لمصادر صهيونية "فإن القرار الجديد بتمديد مدة التجميد اتخذ بناءً على توصية أمنية منعًا لدفع الأوضاع إلى مزيد من التوتر الأمني".

وكشفت القناة "الإسرائيلية" السابعة، في وقت سابق، عن رسالةً بعثها "مسؤول النيابة العسكرية" الأسبق في الضفة الغربية المحتلة، المحامي الصهيوني موريس هيرش، إلى البنوك الفلسطينية يحذّرها من إمكانية رفع دعاوى قضائية ضدها، واعتقال موظفيها على خلفية استقبالها رواتب الأسرى، التي تعتبرها "إسرائيل" أموالًا محظورة، بموجب "قانون" جديد أقرّه القائد العسكري لجيش الاحتلال بالضفة.

مديرة مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، المحامية سحر فرنسيس، قالت للهدف "إنّ سلطات الاحتلال تلجأ إلى معاقبة الأسرى بعقوبات إضافية، كهدم المنازل وقطع الرواتب، وهي عقوبات جماعية، لأنّها تشمل عائلاتهم، وهي مرفوضة وفق القانون الدولي. 

ويستهدف العدو الصهيوني الأسرى، بشكل متزايد، إجرائيًا وقانونيًا، منذ 2009م، وتصاعد هذا مؤخرًا، بضغوطٍ على الحكومة والبنوك الفلسطينية، تتعلّق بحسابات ورواتب الأسرى، إذ أقرّت سلطات الاحتلال خلال الفترة 2015 – 2017 حوالي 10 قوانين تتعلق بالأسرى.

كما أقرّت، مؤخرًا، سلسلة من القرارات العسكرية ذات الصلة، آخرُها القرارُ العسكري المعدّل رقم 1651، الذي صدر بتاريخ 9 فبراير 2020- ويدخل حيز التنفيذ مطلع مايو- وهو يحظر على البنوك الفلسطينية الاحتفاظ بحسابات الأسرى.

عشرات الأسرى والمحررين أكّدوا إغلاق حسابات مالية لهم ولذويهم، في بنك "القاهرة-عمّان" و"البنك العربي"، بالتزامن مع تلقيهم مستحقاتهم عن شهر مايو الماضي. وأكّد هذا رئيسُ هيئة شؤون الأسرى والمحررين، قدري أبو بكر، بالقول إنّ "4 أو 5 بنوك- بها 50% من إجمالي حسابات الأسرى، أغلقت أرصدتهم المالية، وسائر الحسابات في بنكٍ واحد، لم يغلق أيًا منها".

وأفاد الأسرى، في تصريحات إعلامية، بأن إدارات البنوك طالبتهم بالتوقيع على "براءة ذمة"، وخيّرتهم بين نقل حساباتهم إلى بنوك أخرى والبحث عن بدائل. وكانت بنوك فلسطينية أغلقت، سابقًا، حسابات لجمعيات ومؤسسات حقوقية وأهلية، تُعنى بقضايا الأسرى.

الإجراءُ أثار حالةً واسعة من الغضب الشعبي، ونظّم ذووا الأسرى وأسرى محررون إلى جانب قوى فلسطينية وقفات احتجاجٍ في غالبية محافظات الضفة وقطاع غزة

دعا علّام كعبي، مسؤول ملف الأسرى في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - خلال حديثه للهدف- إلى "الضغط على البنوك والمؤسسات المصرفية، التي تواصل تجميد حسابات الأسرى" في وقتٍ هم أحوج ما يكونوا فيه إلى الإسناد من قبل المؤسسات المحلية، التي بات جزءٌ منها- للأسف- متساوقًا مع مخطط شيطانيّ يستهدف جوهر قضيتهم".

وكان رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية كشف، في 8 مايو الماضي، عبر صفحته الرسمية على فيسبوك، اتفاقًا بين حكومته والبنوك، بالتنسيق مع سلطة النقد، يقضي بـ"تجميد أيّ إجراءٍ بخصوص حسابات الأسرى لديها".

وأشار اشتية، في تصريحه، إلى تشكيل لجنة لدراسة الأزمة، مكونة من ممثلين عن: سلطة النقد، هيئة شؤون الأسرى المحررين، جمعية البنوك، ووزارة المالية، ستجتمع وتقدّم توصياتها خلال أيام، وفي ضوئها "سيكون هناك موقف موحد من جميع الأطراف، بخصوص التهديد الإسرائيلي ضد البنوك". وقال إنّ حكومته لن تخضع لهذا التهديد، وستُوجِد "حلولًا تحفظ حقوق الأسرى والشهداء وتحمي البنوك من بطش الاحتلال وأيّة إجراءات قضائية".

بدوره، أكّد علام كعبي، للهدف، أن البنوك غير ملتزمة بقرار الحكومة وسلطة النقد، فتجميد حسابات الأسرى مستمرّ، وكثيرٌ منهم لم يتلقَّ مخصصاته عن شهر يونيو. داعيًا إلى "ضرورة تفعيل أدوات الضغط الشعبي والرسمي على البنوك لإجبارها على الالتزام بموقف الكل الوطني".

وطالب كعبي الحكومة باتخاذ إجراءات إدارية وقانونية بحق البنوك غير الملتزمة، كما دعا الجماهير إلى تنظيم احتجاجات جماهيرية أمام مقرات البنوك، وسحب أرصدتهم وتجميد حساباتهم فيها.

تجارب سابقة 
وأقر الكنيست الصهيوني، عام 2017، قانونًا، مكّن دولة العدو بعدها بنحو عاميْن من اقتطاع 138 مليون دولارٍ من أموال المقاصة الفلسطينية- في 7 فبراير 2019، بحجّة أنّ السلطة الفلسطينية تدفع هذه الأموال رواتبًا للأسرى وذويهم، وهو ما تسبب بأزمة مالية خانقة عانت منها الحكومة الفلسطينية، التي رفضت بدورها استلام أموال المقاصة منقوصة.

المحامية فرانسيس، التي تحدّثت للهدف، بيّنت أنّ الاحتلال لا يأبه للقانون الدولي في التعامل مع الأسرى الفلسطينيين، ويستغلّ قضيتهم سياسيًا، بما يُشبه السياسة الأمريكية التي تدّعي (محاربة الإرهاب)، وبدأتها واشنطن منذ 2002، بملاحقة مؤسسات وناشطين يعملون في القضايا الاجتماعية، ومصادرة أموالهم، وإعلانهم "جمعيات غير قانونية".

"تّوظّف إسرائيل حاليًا نفس السياسات الأمريكية، في ظل غياب المساءلة الدولية الحقيقية، إذ تنتهك دومًا القانون الدولي دون أي عقاب أو محاسبة"، والحديث للمحاميّة.

لم تثبُت السلطة الفلسطينية على موقفها طويلًا، إذ تكشّف- في ظلّ اشتداد جائحة كورونا وتداعياتها في فلسطين- اتفاقٌ  أبرمه وزير المالية الفلسطينية شكري بشارة مع نظيره الصهيوني موشيه كحلون، يقضي بتحويل الاحتلال قرضًا بقيمة 800 مليون شيكل شهريًا إلى السلطة، دفعة مُسبقة من أموال المقاصّة الفلسطينية، التي ستجبيها "إسرائيل" خلال الشهور المقبلة، على أن تكون عملية الإقراض على 6 شهور من تاريخ الاتفاق.

مُراقبون اعتبروا الاتفاقَ ليس أكثر من حلٍّ فنيّ لقضية سياسية. وبيّن أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر في غزة، سمير أبو مدللة، أنّ "إسرائيل أرادت إنزال السلطة عن الشجرة"، والقرض كان لمنع انهيار السلطة، وبقيمة مالية تُبقيها على قيد الحياة فقط، لتواصل مهامها، سيّما الأمنية.

على مدار سنوات طويلة، لم تتوقّف التحذيرات الوطنيّة والشعبية من استهداف الأسرى، في ظلّ المحاولات الصهيونية المستمرّة لعزلهم. وتصاعد هذا الإنذار مع تحويل وزارة الأسرى والمحررين- التي تأسست عام 1998- إلى هيئة برئاسة عيسى قراقع، بمرسوم رئاسي صدر في 2014. ولم تُخفِ السلطة في حينه أن سبب هذا القرار الضغوطُ "الإسرائيلية" والدولية عليها بسبب دفعها رواتب الأسرى.

ورغم التأكيد على أن هذا "التحويل" لن يمسّ حقوق وقضية الأسرى، إلّا أن ما جرى لاحقًا ناقضَ ذلك، فبعد 3 سنوات فقط، قطعت السلطة رواتب 277 أسيرًا محررًا، بدون علم هيئة شؤون الأسرى- كما أكّدت في حينه- بالقول إنّ الإجراء صد من وزارة المالية. وبعدها في أغسطس 2017 أقال الرئيس الفلسطيني محمود عباس رئيس الهيئة، عيسى قراقع.

وتبيّن لاحقًا أن حكومة الاحتلال اشترطت على السلطة قطع مخصصات الأسرى والشهداء- من منفّذي العمليات الفدائية- من أجل التقدم في "العملية السلمية"، ومثل هذا الشرط طرحه مبعوث ترامب على الرئيس عباس، خلال لقاء جمعهما، كإثباتٍ من الأول على "محاربته الإرهاب"، وإلّا ستفرض واشنطن تشريعات قانونية لعقوبات على السلطة.

مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، المحامي راجي الصوراني، أكّد في بيانٍ سابق، أنّ "قرار وقف صرف رواتب الأسرى والمحررين غير قانونيّ وغير أخلاقيّ، ومخالفٌ ليس فقط للقانون الأساسي، بل وللقانون الدولي لحقوق الإنسان".

بنك الأسرى 

استهداف الأسرى في الوقت الراهن يتزامن مع أزمة سياسية واقتصادية مركّبة تعصف بالسلطة، تتمثّل بخطة الضم الصهيونية لمزيدٍ من الأرض الفلسطينية، إلى جانب التداعيات الاقتصادية الخطيرة لجائحة كورونا، التي دفعت السلطة للاقتراض من القطاع المصرفي خلال الشهور الماضية، في محاولة لتغطية نفقاتها المالية، مع إعلانها التحلل من الاتفاقات مع الاحتلال، وعلى إثره رفضت استلام أموال المقاصة. 

في ظلّ هذا، تردّد الحديث مؤخرًا عن مقترَح، طُرح على طاولة اللجنة الحكومية، المشكّلة لدراسة أزمة الأسرى والبنوك، بالتوجّه نحو تأسيس "بنك محلّي" خاص بالأسرى، يتبع منظمة التحرير الفلسطينية. وهو ما اعتبره مراقبون "عودة للحلول الفنّية، لقضايا سياسيّة، وتِكرار لتجارب غير مجدية!". 

رئيس نادي الأسير الفلسطيني، قدورة فارس قال إنّه تفاجأ من تحويل قضيّة رواتب الأسرى إلى "لجنة فنّية"، قال للهدف "هذه قضيّة وطنية، وما كان يجب أن تُحوّل إلى لجنة فنية، لأن القرار الإسرائيلي عدوانٌ سياسيٌ من الدرجة الأولى، وكان يجب الردّ عليه سياسيًا، وليس من خلال (البحث عن حلول) فنية".

وأكد فارس على أنّ معالجة هذه القضيّة لا تتمّ بمعزلٍ عن سياق الحالة الوطنية العامة والصراع الشامل مع الاحتلال، وإذا كانت البنوك الآن مهددة، فأي مؤسسة أخرى بديلة ستواجه التهديد ذاته، فالقرار العسكري لم يشمل البنوك وحدها بل (كل جهة تقوم بنقل المال إلى الأسرى، أفرادًا أو مؤسسات).

وشدّد على ضرورة رفض القرار الصهيوني، وعدم التعاطي معه بأي شكل من الأشكال، ومنع أي جهة- فردًا أم مؤسسة- من الرضوخ له، وقال "علينا مقاومة سياسات الاحتلال بكل تجلّياتها". 

"القضية سياسيّة، ودور المؤسسات الحقوقية فيها محدود"، وفق ما أوضحت مدير مؤسسة الضمير سحر فرانسيس. وعليه دعت السلطة إلى "المبادرة، وحل القضية بالأدوات السياسية؛ فالموضوع أكبر من أن تتصدى له مؤسسات حقوقية".

ولفتت إلى أنّها ومؤسسة الضمير ضدّ التوجّه إلى القضاء "الإسرائيلي" في مثل هذه القضايا، السياسية، لعدم إعطاء المبرر لمحاكم الاحتلال للبتّ فيها. 

وفي الختام، لا يمثّل قرار وزير الحرب الصهيوني الأخير سوى مناورة جديدة بِشأن أموال الأسرى، في وقتٍ يعد فيه إنشاء بنك محلي خاص بالأسرى بمثابة عزل لشؤون الأسرى المالية عن الشون المالية الوطنية الفلسطينية، وسيعفى البنوك من مسؤوليتها الوطنية اتجاههم، ويفتح الباب واسعًا أمام العدو الصهيوني للاستفراد بالأسرى وذويهم كفئة اجتماعية، هذه الفئة التي لعبت دورًا أساسيًا في صراعنا مع المحتل.