Menu
حضارة

للذاكرة الوطنية وللأجيال

ثلاث سنوات على انتفاضة البوابات الالكترونية: انتصار فلسطيني ساطع والمقدسيون كانوا أسياد الموقف

نواف الزرو

انتفاضة البوابات

خاص بوابة الهدف

حينما رفع المقدسيون أعلام فلسطين على أسوار الأقصى اهتزت أركان المؤسسة الإسرائيلية

(تستحق الانتفاضة الفلسطينية الجماهيرية العارمة التي اطلق عليها "انتفاضة البوابات الالكترونية"ان تستحضر وتوثق وتحفر في ذاكرة الأجيال المقدسية والفلسطينية، ونحن من باب حرصنا على ذلك، ننشر فيما يلي دراسة كاملة حول هذه الانتفاضة موثقين فيها ابرز واهم الانجازات التي حققها المقدسيون في مواجهة الاحتلال في معركة البوابات التناريخية)

*حينما يتحول الإسفلت إلى سجادة بحجم الوطن

فلسطينيًا، حقق الفلسطينيون في انتفاضتهم المقدسية ضد البوابات الالكترونية انتصارًا كبيرًا ساطعًا مؤثرًا تجاوز صداه كل الحدود الفلسطينية والعربية والإسلامية، إذ لم يحصل في تاريخ الاحتلال والمقاومة الشعبية الفلسطينية أن احتشد أكثر من مئة ألف مواطن مقدسي حول بوابات الأقصى للدفاع عنه أمام وحش الاختطاف والتهويد، ولم يحصل أن أقام مثل هذا الحشد صلواتهم على امتداد الشوارع الاسفلتية المحيطة بالأقصى، فقد افترش المصلون الشوارع والأرصفة، وهم يولّون وجوههم شطر القبلة الأولى، بعد أن حالت البوابات الالكترونية، والحواجز الحديدية، وخوذ الجنود، وفوهات البنادق الآلية المنتشرة حول أسوار المدينة العتيقة، وفي شوارعها الضيقة، دون رفع الآذان وإقامة الصلاة، في رحاب مسرى النبي عليه أفضل الصلاة وأجل التسليم. وكان من بين الشهداء الذين سقطوا على سجادة الصلاة، بين يدي الرحمن؛ وفق صورة قلمية نشرت على موقع القدس "دوت كوم، شبانٌ لم يحصد اليأس من عزيمتهم شيئًا، بل حصدوا باستشهادهم، خرافة الأمن التي يتخذها قادة المؤسسة العسكرية الاسرائيلية ذريعة رخوة، لفرض "حقائق طارئة "على أرض زلقة، سرعان ما تتهاوى أمام صيحات الغضب المنطلقة من الحناجر المجروحة بصيحات الحرية. وطيلة الأيام التي سبقت نصب بوابات الأمر الواقع على مداخل مسرى النبي صلى الله عليه وسلم، وقبلة المسلمين الأولى، كانت مساحة الصلاة محصورة بساحات المسجد المبارك داخل الأسوار التي لا تزيد مساحتها عن 144 دونمًا، حتى فتحت تلك البوابات على مصاريعها أمام المصلين، ليفترشوا سجادة بحجم الوطن، يؤدون عليها صلواتهم الخمس آناء الليل وأطراف النهار، تلهج ألسنتهم بالدعاء، وتتميز قلوبهم بالغضب، وهم يرون مسرى نبيهم، وقد حوصر بالحراب وبالجنود. وكان هناك ثمة صور كثيرة، رصدتها عدسات المصورين، وشيّرتها صفحات التواصل الاجتماعي، طيلة ساعات يوم الجمعة العظيمة، تروي حكاية الفلسطيني الذي ولد من جديد؛ إنسان لا تخدعه الوعود، ولا يرهبه الوعيد، بعد أن شمر عن ساعديه، ووقف وحيدًا، إلا من عزيمة لا تلين، وإرادة لا تستكين، يقارع غطرسة القوة العمياء وهي تبطش وتقتل وتسحل الركع السجود، وسط لهيب النار، وأعمدة الدخان.

  ومن بين الصور اللافتة التي أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي وأشغلت، مراكز صنع القرار في تل ابيب، تلك الصورة التي ظهر فيها شاب يتقلّد صليبه على عنقه، ويحمل الانجيل بين يديه، وهو يقف بخشوع جليل، بين إخوته المصلين المسلمين، يقاسمهم الدعوات إلى رب السماوات، مثلما يقاسمهم نصيبهم من السحل والبطش، على سجادة للصلاة باتت بحجم الوطن وهم يتلون آيات الذكر الحكيم:"وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ".. صورة تحمل رسائل بمعانٍ ودلالات كبيرة لكل من يهمه، أو لا يهمه الأمر.

*الصلاة في الشوارع أفضل من المرور المهين عبر البوابات

قال مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين:" إن المصلين يريدون تأدية الصلاة في المسجد الأقصى وساحاته بعزة وكرامة دون قيود أو شروط تفرضها قوات الاحتلال الاسرائيلي"، مشيرًا إلى "أن الاحتلال يحاول خلق الذرائع الواهية، واستغلال الأحداث الأمنية الأخيرة، من أجل منع المصلين من الوصول للمسجد الأقصى والصلاة فيه". وأضاف المفتي العام في حديث لـ"القدس"دوت كوم: "إن الاحتلال يسعى لوضع بوابات الكترونية على مداخل المسجد الاقصى، وهو ما قوبل بالرفض التام، ودفع المصلين لإيجاد أماكن بديلة لأداء صلواتهم رافضين الاجراءات الإسرائيلية، حيث تحولت الشوارع والساحات القريبة من المسجد الاقصى إلى مكان لإقامة الصلاة فيها". وبين سماحته: "أن الاحتلال هو من أجبر المصلين على الصلاة في الشوارع، حيث سيواصل المصلون أداء صلواتهم في تلك الشوارع، حتى إزالة جميع العقبات التي يحاول الاحتلال ثبيتها بالقوة". مضيفاً : "إن الصلاة بكرامة في الشارع أفضل من المرور المهين عبر البوابات الالكترونية التي يحاول الإسرائيليون من خلالها فرض السيادة على الأقصى".

* الزحف المقدس

ووصف الشيخ ناجح بكيرات مدير التعليم والتأهيل في المسجد الاقصى، والقدس نفير المصلين إلى القدس بـ"الزحف المقدس، الذي هو الأول من نوعه ويحمل الكثير من الدلالات والمعاني، وأهمها زيادة الوعي لدى المواطن الفلسطيني خاصة المقدسي بأهمية إبقاء المسجد الأقصى عامرًا بالمصلين، فضلًا عن تعبيره عن مدى الاحتقان في نفوس المصلين من ممارسات الاحتلال بحق المقدينة المقدسة"، وأضاف بكيرات: "إن ما يحدث حالياً وما حدث جعل مفهوم المسجد الأقصى يأخذ بعداً أخر غير البعد الجغرافي، وهو ما دفع الأهالي للنزول الى الشوارع وإقامة الصلاة عند أول حاجز يمنعهم من الوصول للمسجد الأقصى وساحاته، مثلما ساعد في وحدة الموقف الفلسطيني في داخل القدس وخارجها".                                                                                             

و من جهته قال أمين سر المجلس الثوري لحركة فتح فايز أبو عيطة، إن الصلاة في الشوارع هي خطوة من الفلسطينيين كافة للتضامن مع القدس والأقصى وتأكيدًا على رفض الشعب الفلسطيني الإجراءات الإسرائيلية وفي مقدمتها البوابات الالكترونية"، واعتبر أبو عيطة  " الصلاة في الشوارع" تعبيراً واضحاً عن رفض كل الفلسطينيين بلا استثناء لهذه الإجراءات، وهذه ليست الخطوة الوحيدة، بل هناك خطوات أخرى سيقوم بها شعبنا في القدس والضفة لمواصلة كفاحه حتى إزالة البوابات التي تمس بالسيادة الفلسطينية"، وأكد أن المسجد الأقصى بالنسبة للفلسطينيين والمقدسيين خط أحمر لا يمكن أن يسمح للاحتلال أو أي طرف أن ينفذ فيه مخططاته الرامية لمحاولات السيطرة عليه، معرباً عن أمله في أن تزيد الشعوب العربية والإسلامية من وقفتها إلى جانب الفلسطينيين".

 * المقدسيون أعادوا إحياء المقاومة الشعبية

وقال الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، د. مصطفى البرغوثي إن "المقدسيين البواسل والشعب الفلسطيني انتصروا على نتنياهو وقرارات حكومته وأجبروه بنضالهم ومقاومتهم الشعبية على إزالة البوابات الإلكترونية والكاميرات والممرات عن أبواب المسجد الأقصى التي يجب الإصرار على أن تفتح جميعها-  27/07/2017 -.     

وأكد أن "تضحيات الشهداء الذين قدموا حياتهم، وأكثر من ألف جريح فلسطيني، لم ولن تذهب هدراً، وأن الشعب الفلسطيني قدم في القدس نموذجاً رائعاً لقوة وفاعلية المقاومة الشعبية وأعاد إحياء نمط وكفاح الانتفاضة الشعبية الأولى".

وختم البرغوثي بالقول إن "نضال الشعب الفلسطيني ومقاومته الشعبية ستستمر وستتصاعد حتى تتحرر القدس وسائر الأراضي الفلسطينية من الاحتلال بالكامل، وحتى تتحقق حرية الشعب الفلسطيني وينتهي نظام الأبرتهايد والتمييز العنصري الإسرائيلي".

* المسجد الأقصى يخلق المقاومة الشعبية الجماعية ضد "إسرائيل"

 وانتقالاً إلى الشهادات الإسرائيلية، قالت الصحافية الاسرائيلية المناهضة لسياسات الاحتلال عميره هاس في هآرتس -2017-7-23: لقد نجح المسجد الأقصى في خلق المقاومة الشعبية ضد إسرائيل وإشعال خيال وتأييد الجموع التي لا يمكنها الوصول إلى القدس، وليس فقط غير المتدنين الذين لا يصلون جاءوا إلى أماكن الصلاة في القدس لمشاركة أبناء شعبهم، بل أيضاً بعض الفلسطينيين المسيحيين انضموا الى المصلين المسلمين وصلوا صلواتهم، باتجاه الأقصى ومكة. هذه بالطبع هي قوة الإيمان الديني، فمثل عمق الإيمان يكون عمق الاعتداء على القداسة. ولكون المسجد الأقصى هو مكان لجميع المسلمين، فإن هذا الأمر له تأثير. وأيضاً: في القدس يوجد التركيز الأكبر للفلسطينيين الذين يحتكون طوال الوقت مع الإسرائيلي الغريب مع ما يعنيه ذلك من ناحية الاعتداء على حقوقهم وإهانتهم، إنهم ليسوا بحاجة إلى مواقع رمزية للاحتلال مثل الحواجز العسكرية، من أجل تذكر الاحتلال أو التعبير عن الغضب.

ساحة الأقصى من جهتها تُمكن العدد الأكبر من المقدسيين من التجمع معاً في مكان واحد والشعور كجماعة، وعندما يحرمون من هذا التجمع فهم يحتجون كجمهور واحد يذكر الفلسطينيين الآخرين أنهم جميعاً جمهور واحد يعاني من نفس المحتل الأجنبي.

*ما زال الشعب الفلسطيني قادرًا على إنشاء جيل جديد

كما كانت عميره هاس كتبت قبل ذلك في هآرتس 2017-5-17 تقول:  يوجد رغم ذلك لدى الجيش الإسرائيلي، ولدى من وضعوا السياسة الإسرائيلية، نقطة ضعف: الشعب الفلسطيني، ابن هذه البلاد؛ قمنا بإجراء ترانسفير كبير واحد إضافة إلى ترانسفيرات كبيرة أخرى، واختلقنا فكرة الأرض الخالية، لكنها تتفجر كل يوم أمام ناظرينا، خارطة ما قبل 1948 مع مئات القرى لم تُمح: اللاجئون وأحفادهم يحرصون على أن تبقى هذه الخارطة في الوعي، يقومون بإحيائها رغم أنفنا ويقنعون الكثير من الأشخاص في العالم بحقهم في العودة، لقد تفرقوا وانتشروا في العالم، لكن عندما يجتمع خمسة أشخاص منهم معاً من أرجاء المعمورة يتحدثون وكأنهم عاشوا طوال حياتهم في نفس الحي – نفس اللهجة، ونفس الذكريات، ونفس النكات ونفس الجدالات التي تُسمع في شفا عمر ونابلس.

نحن لا نسمح لهم بالمجيء للزيارة في البلاد التي ولد وعاش فيها أجدادهم، وهم مرتبطون بها ويعرفون ما يحدث، الكثيرون منهم عاشوا سبعة عقود، من كابوس الى كابوس. قمنا بقتلهم، بالآلاف، عن قرب من الجو ومن خلال آخرين، ولا يمكن الحديث حتى عما بعد الصدمة لأن الكارثة مستمرة، ونحن نعمل كي تستمر. يمكننا التعلم من الفلسطينيين كيفية التمسك بالحياة واستثمار الأمل والجهود في الأجيال الشابة من أجل الصحوة والإنتاج والبناء.

لقد فوتت إسرائيل فرصة الاستجابة لاستعداد الفلسطينيين وقف الدائرة الكارثية؛ أقمنا نظام ابرتهايد، قمنا بتقسيم المنطقة التي اعتبرها العالم دولة فلسطينية إلى جانب اسرائيل، أقمنا اجهزة مزدوجة من البنى التحتية والقانون، وها هم الفلسطينيون مغروسون عميقاً في بلادهم، الدهاء الذي طبقت إسرائيل من خلاله مشروع الاستيطان بغطاء عملية السلام هو أكبر من قدرة القيادة الفلسطينية على مواجهته، وها هو جيل جديد من الفلسطينيين يقوم وينجح في التسبب بهستيريا الدعاية الإسرائيلية وأكاذيبها، مثل حركة الـ بي.دي.اس".

*المقدسيون سادة القدس

    وفي إطار ردود الفعل والتعليقات والتحليلات الإسرائيلية على تطورات الأحداث أيضاً، كتب مراسل صحيفة "هآرتس: 20/07/2017 -" لشؤون القدس نير حسون، إنه من الصعب التنبؤ بشأن كيفية انتهاء الأزمة الحالية في الحرم المقدسي، ولكن الأيام الأخيرة أثبتت أن صاحب السيادة الحقيقية في الحرم المقدسي ليس إسرائيل ولا الأردن ولا الأوقاف، وإنما هم الفلسطينيون المقدسيون. واضاف: أن ما كان يميز المجتمع الفلسطيني المقدسي هو نقاط ضعفه: الفقر وغياب القيادة والارتباط بالاحتلال وهدم البيوت ومصادرة الأراضي. ولكن في الأيام الأخيرة حقق المقدسيون إنجازاً لم يسبق له مثيل، إذ أنهم بواسطة الاحتجاج غير العنيف، الذي اشتمل على مقاطعة الدخول إلى المسجد الأقضى، فدفعوا إسرائيل إلى زاوية خطيرة جعلها تدرس بجدية التراجع وإزالة البوابات المغناطيسية/ الإلكترونية، وهذا القرار يتوقع أن يصدر قبل صلاة يوم الجمعة، وفي حال تم إلغاء صلاة الجمعة، فإن ذلك سيكون سابقة تاريخية. واعتبر المراسل أن الأقصى بالنسبة للمقدسيين هو أكثر من رمز وطني أو ديني، فهو المكان الذي يشعرون فيه بحرية معينة فوق الاحتلال، إذ لا يوجد فيه تواجد إسرائيلي في غالبية ساعات اليوم، وهو المنطقة الخضراء المفتوحة الأكبر في القدس المحتلة، وهو مزدحم بالناس كل الوقت، وبالتالي فإن التهديد بتغيير الترتيبات في المكان هو تهديد حقيقي لهوية المقدسيين وحياتهم اليومية. كما لفت حسون إلى الاستجابة العارمة لمطلب عدم دخول الأقصى من خلال البوابات الإلكترونية، رغم مساعي شرطة الاحتلال في إظهار أن الفلسطينيين يتعايشون مع البوابات الإلكترونية، وعرض أشرطة مصورة تظهر مصلين يدخلون المسجد، إلا أنه من السهل الجزم بأن الحديث عن أفراد يبدون كسائحين وليس كمصلين فلسطينيين، فمقاطعة الدخول إلى الأقصى من البوابات الإلكترونية متماسكة، بل وتتعزز يومياً. وأشار في هذا السياق إلى الدعوة لإغلاق كافة المساجد، الجمعة، والتوجه إلى بوابات الأقصى، ما يعني أن هناك احتمالات لحصول مواجهات عنيفة ربما تكون الأعنف منذ دخول أرئيل شارون إلى الحرم المقدسي عام 2000، وفي حال لم يحصل ذلك، فقد بات من الواضح أنه لا مرد لموجة العنف القادمة.

*المقدسيون حشروا "إسرائيل" في الزاوية                                                                                                                                                                                                   واعتبرت صحيفة هآرتس الخميس 20 يوليو 2017 من جهتها "أن سكان القدس أثبتوا خلال الأحداث الأخيرة أن القدس تعود لهم وليس للإسرائيليين أو للأردن أو لدائرة الأوقاف"، واعترفت  الصحيفة العبرية، أن أهالي مدينة القدس نجحوا في حشر إسرائيل بالزاوية من خلال الاحتجاجات غير المسبوقة، بعد نصبها البوابات الالكترونية على أبواب الحرم القدسي الشريف. وشددت هآرتس  على أن الأقصى يعتبر أكثر الرموز الوطنية والدينية التي يحب الفلسطينيون الحفاظ عليها، وأنهم يعتبرون أي تغيير بالوضع القائم هو تهديد حقيقي لهويتهم وحياتهم اليومية، مؤكدة أن إسرائيل باتت الآن تنظر بجدية في الانسحاب وتفكيك البوابات المغناطيسية قبل صلاة الجمعة، وأشارت الصحيفة إلى أنه إذا تم ازالة البوابات الالكترونية وإلغاء قرار نصبها، فإن هذا سيكون سابقة تاريخية حين حدث ذلك آخر مرة إبان الحكم "الصليبي" منذ ألف سنة تقريبا.

* حكومة نتنياهو ارتكبت أخطاء إستراتيجية بالأقصى

وأكدت دراسة إسرائيلية نشرها "معهد أبحاث الأمن القومي"، التابع لجامعة تل أبيب، "أن أحداث الأقصى تتطلب من دوائر القرار الإسرائيلي استخلاص الدروس، مما حدث حتى يكون المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر، "الكابينت" في حالة جاهزية لمواجهة أحداث مماثلة في المستقبل، وليس فقط لمعرفة المسؤول عن هذه الأحداث". وأوضح الجنرال عاموس يادلين معد الدراسة، ورئيس المعهد، أن إعادة قراءة مسلسل الأحداث في المسجد الأقصى يشير إلى أن من أهم أهداف "إسرائيل" الجدية، هي المحافظة على تقوية العلاقات مع جملة الدول العربية ذات العلاقة بالحرم القدسي، وضمان استمرار اتفاقات السلام مع مصر والأردن، والتعاون الإسرائيلي مع السعودية، بالإضافة إلى الحصول على الشرعية الدولية لأي سلوك إسرائيلي في القدس ضمن الاتفاق مع الولايات المتحدة. وأكد الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية "الإسرائيلية" (أمان) أن تطور الأحداث أظهر تعارضاً في الأهداف التي وضعتها الحكومة الإسرائيلية، مما تطلب وجود تفكير إستراتيجي إسرائيلي لإعطاء أولوية للأهداف المهمة المطلوبة. وأظهرت الدراسة أن الاعتبار الأمني الإسرائيلي تقدم على ما سواه من الأهداف الأخرى التي لم يتم إخضاعها للدراسة المطلوبة، وذكرت "أن وضع البوابات الإلكترونية أمام مداخل المسجد الأقصى لم يتم بالتشاور مع مصر والأردن و(سلطة رام الله)، الأمر الذي "منح أعداء إسرائيل فرصة إحداث قلاقل أمنية في الحرم، ومن أهمهم حركة حماس والحركة الإسلامية في إسرائيل وقطر وتركيا التي قررت جميعها الذهاب لتصعيد الوضع الأمني في القدس".   وأكد يادلين أن الحكومة الإسرائيلية اتخذت سلسلة من القرارات غير السوية في أحداث الأيام الأخيرة في الحرم القدسي، أهمها عدم إجراء التشاور مع الدول العربية الصديقة -خاصة مصر والأردن- وجملة حلول تكنولوجية وتقنية بالحرم القدسي بعيدا عن البوابات الإلكترونية والكاميرات الذكية التي استفزت الفلسطينيين. وشدد معد الدراسة على أن "إسرائيل" أخطأت بعدم أخذ المستوى السياسي بعين الاعتبار، توصيات الأجهزة الأمنية ذات الصلة وتحذيراتها، خاصة جهاز الأمن العام (الشاباك) وشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) اللذين حذرا من اندلاع انتفاضة ثالثة، بالإضافة إلى خطأ عدم الاستعداد لاستمرار المظاهرات الشعبية الفلسطينية لأكثر من أسبوع".

باراك: نتنياهو كان مذعوراً                                                                                                            كما وصف وزير الأمن الإسرائيلي السابق، إيهود باراك، رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بأنه كان 'خائفا مذعورا وتابعًا وفاقدا للقدرة على تقدير الموقف' في أدائه أمام الأحداث الأخيرة في القدس المحتلة وحول المسجد الأقصى. ودعا باراك في رسالة مسجلة نشرها على صفحته في شبكة التواصل الاجتماعي 'فيسبوك'، السبت 29/07/2017 - إلى 'الإسراع بإسقاطه ومعه المجلس الوزاري المصغر'، معتبرا أن نتنياهو كان على استعداد لتفجير المنطقة 'وإشعال البلاد، من أجل إنقاذ نفسه من خطر التحقيقات التي تلاحقه في ملفات الفساد.

 * الحكومة الإسرائيلية تركع على ركبتيها

وكتب ألون بن دافيد في معاريف 2017-7-28، يقول: ترك عنوان واحد في "إسرائيل اليوم" الغبار لجميع كُتاب المقالات، ما الذي يمكن قوله أيضاً بعد نجاح صحيفة الحكم في أن تدخل في عنوان واحد الأوصاف "ضعيف، خائف، لا حول ولا قوة له". منذ عقدين يقوم رؤساء الأركان لدينا ورؤساء "الموساد" و"الشاباك" بوصف بنيامين نتنياهو بهذه الأوصاف، وحتى الآن تم اعتبارهم يساريين، لكنّ شلدون ادلسون يقول ذلك الآن أيضاً، فبعد مرور خمسين سنة على دعوة موتي غور المدوية "الحرم في أيدينا"، فإن هذا يذكرنا إلى أي حد أيدينا فارغة، لاحظ العالم العربي كله رائحة العرق والخوف التي انبعثت من القدس، فاستغل هذه اللحظة حتى النهاية؛ التقت جميع القوى المتصارعة مع بعضها من أجل إنزال الحكومة اليمينية المتفاخرة على ركبتيها، حتى الخضوع المطلق. مرة أخرى كان هذا التفكير متسرعاً ومتعلقاً بالتغريدة التالية في الفيس بوك، الأمر الذي جعل القرارات متسرعة، ومرة أخرى يتعلم رئيس الحكومة أن هناك قوى أكثر تهديداً وأكثر قوة من نفتالي بينيت. لقد قام بإزالة البوابات الالكترونية، وأبقى على الكاميرات، وأزال الكاميرات وأبقى على الجسور، وقام بإزالة الجسور وأمر كعادته بالفحص اليدوي على مداخل الحرم، وفي نهاية المطاف تلاشى قرار الفحص اليدوي أيضا".

*إسرائيل تسقط كورقة هزيلة...!

   وقال ماتي توخفيلد في صحيفة "إسرائيل اليوم2017-7-27"؛ "يبدو من نتائج الاستطلاع الذي نشر، أول من أمس، في القناة الثانية أن 70 في المئة من الإسرائيليين يعتقدون أن إزالة البوابات الالكترونية هي تراجع، و67 في المئة قالوا إن أداء نتنياهو في هذه القصة غير جيد، و68 في المئة اعتقدوا أن القرار الأساسي لوضع البوابات الالكترونية كان قراراً سليماً. وبالضبط فوق هذا اللغم صعد الكابينت في قراره، أول من أمس، وقد تحدث حكماؤنا عن ضرورة أن تكون قامة إسرائيل منتصبة كشرط لبقائها بين الشعوب التي تريد القضاء علينا، وقد تهاوت، أول من أمس، هذه القامة أمام كاميرات الحراسة".

*بينت:  هزيمتنا في الأقصى يشابه هروبنا من لبنان

  وانتقد  وزير التعليم الإسرائيلي وعضو الكابينت عن حزب "البيت اليهودي" نفتالي بينت بشدة قرار الحكومة الإسرائيلية إزالة البوابات الالكترونية والكاميرات من على مداخل المسجد الاقصى، وقال  بينت أن "إسرائيل" خرجت ضعيفة بعد انتهاء أزمة الأقصى وأن "قوة الردع الإسرائيلية تم المساس بها  والأمر يشبه هروب "إسرائيل" من لبنان". وعقب بينت على قرار الإزالة قائلًا : "إسرائيل" خرجت ضعيفة بهذا القرار واستسلمت للفلسطينيين بدلًا من فرض السيادة "الإسرائيلية" على المسجد الأقص، وقال: "التراجع عن قرار استراتيجي له أبعاد سلبية بعيدة المدى غير أنه يمس من قدرة الردع لدى إسرائيل- الخميس 27 يوليو 2017".

*عـــار الـبـوابـــات الإلكـترونـيـة هزيمـــة إســرائيلـيـة

والتحق بكل الكتاب أعلاه بن كسبيت ليكتب في معاريف-27/7/2017 قائلاً: "أما آخر الأنباء التي تقول إن البوابات الالكترونية، رمز السيادة اليهودية الخالدة على "جبل البيت" أو على أي جبل آخر، كانت ستطوى بشرف وسيلقى بها إلى سلة مهملات الغرور، فلم تنشر في ذاك البيان الصادر عن المكتب، فقد فضلوا أن ينشر العار بعد أن تغلق الصحف (وكأنه لا توجد انترنت)، كما أن حقيقة أنه حتى الكاميرات "الذكية" ستسير في الطريق ذاته وستنزل عن منصتها لم يذكروها، هكذا هو الحال عندما تكون الكاميرات أكثر ذكاء ممن قرروا نصبها. كانت هذه هزيمة الوقاحة، التعالي، الغرور، وسكرة القوة؛ تركنا الفلسطينيين والعالم الإسلامي يجرّنا إلى أزقة لا مخرج معقولاً منها، وافقنا على الدخول إلى حرب رموز غبية، يتميز بها أعداؤنا بدلاً من التركيز على الأمر الأساس، نسينا أنه توجد قيود للقوة وأنه يجب العمل بحكمة، بحساسية، في ظل معرفة الحقيقة وفهم القيود".

*لن تكون لإسرائيل سيادة على الحرم القدسي

أما عوزي برعام وهو من كانوا يعتبرون من "حمائم" حزب العمل سابقاً، فكتب في "هآرتس 1/8/2017" يجمل الحالة: "يبرز وهم القوة الوهمية خصوصاً في المنافسة المستمرة الجارية بشأن فرض "سيادتنا على الحرم القدسي"، ولا عجب والحال كذلك أنه عندما أزيلت البوابات الإلكترونية من الحرم، قدمت الخبيرة في الشؤون الأمنية ميري ريغيف تشخيصها المهني فقالت: "توصية الشاباك وخوف المستوى السياسي ألحقا الضرر بقوة الردع وبسيادتنا على الحرم القدسي". وفيما يتعلق ببنيامين نتنياهو، نراه، في خضم محاولاته الحصول على دعم اليمين المتطرف، يدلي بتصريحات مربكة، لكنه يفهم حدود قوة إسرائيل في الحرم، ويمكننا أن نقول بلغة بسيطة ومن دون فذلكة: لا توجد، ولم تكن ولن تكون هناك سيادة إسرائيلية على الحرم". واختتم برعام قائلاً: "من الواضح أن هذه الحقيقة تمس بتطلعات كثيرين ممن يدّعون أن صخرة وجودنا تكمن في حقنا في الحرم، لكن هذه التطلعات غير ممكنة التحقيق، في بعض الأحيان حدود القوة تكون موقتة، لكن هناك أيضاً حدوداً ثابتة؛ لن تستطع إسرائيل قط تحقيق أي سيادة على هذا المكان، لأنها حينئذ لن تكون فقط في مواجهة الفلسطينيين المتعطشين للانتقام، بل وأيضاً في مواجهة عالم إسلامي ضخم سيخرج للدفاع عن الأقصى ويحوّل الصراع إلى حرب دينية".

*تقدير موقف: قضية الأقصى وخطط إسرائيل

وفي الحاصل وبعد كل ما تقدم من شهادات واعترافات نختم بالتقرير التالي الذي نشر على موقع المركز الفلسطيني للإعلام: 27/07/2017 -  ويقدم لنا تقدير موقف استخلاصي حول قضية الأقصى وما جرى:

تمكّن الفلسطينيون بصمودهم من إجبار سلطات الاحتلال الإسرائيلية على التراجع عن كل الإجراءات التي اتخذتها لتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى؛ إذ قامت بإزالة الحواجز الحديدية التي كانت قد أقامتها على المدخل الرئيس لباب الأسباط في المسجد الأقصى وفي ساحته الرئيسة بعد مقتل اثنين من الشرطة الإسرائيلية في اشتباك مسلح في 14 تموز/ يوليو 2017.

محاولة لتغيير الوضع القائم

استغلت سلطات الاحتلال الإسرائيلية عملية الأقصى لإنفاذ خططها القاضية بتغيير جذري في "الوضع القائم" للمسجد. فقد أغلقت سلطات الاحتلال المسجد كليًّا أمام المصلين الفلسطينيين، وأخلت العاملين في الأوقاف والحراس الفلسطينيين منه، واعتقلت وحققت مع العشرات منهم. كما أرسلت بلدية الاحتلال في القدس الغربية، أول مرة منذ عام 1967، سيارات نظافة وعددًا من عمال النظافة إلى داخل المسجد بذريعة التنظيف. وهذه المهمة، بحسب الوضع القائم في الحرم، موكولة إلى الأوقاف الإسلامية، ولكنّ البلدية حاولت بذلك إظهار السيادة الإسرائيلية عليه.

وبعد مضي يومين على إغلاق سلطات الاحتلال للمسجد الأقصى، نصبت بوابات إلكترونية في مداخله، وهي الخطوة التي أفشلها الفلسطينيون عام 2014. وفور إقامة هذه البوابات، أجمعت مختلف المرجعيات الفلسطينية الوطنية والدينية في القدس الشرقية المحتلة على رفض هذا الإجراء، وطالبت بإزالتها حالًا، ورفضت دخول المسجد الأقصى ما دامت هذه البوابات قائمة، والمبدأ هو رفض تغيير الوضع القائم، ورفض مظاهر السيادة الإسرائيلية في الحرم القدسي الشريف.

قرار عدواني ومتسرع

يبدو من تحليلات وسائل الإعلام الإسرائيلية أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو اتخذ قرار نصب البوابات الإلكترونية في مداخل المسجد الأقصى، من دون إجراء نقاش معمق مع المؤسسة العسكرية والأمنية. ويبدو كذلك أنه اعتقد أن بإمكانه استغلال عملية قتل جنديين من حرس الحدود لإحداث تغيير في "الوضع القائم" ومحاولة فرض السيادة الإسرائيلية الفعلية على المسجد الأقصى في ضوء الضعف الرسمي العربي، وانشغال الدول العربية بمشكلاتها الداخلية، واستمرار الانقسام الفلسطيني وتفاقمه. وفي ظل تحسن العلاقات بين إسرائيل ومعسكر "الدول العربية المعتدلة"، أمل نتنياهو أن تتفهم هذه الدول الخطوة الإسرائيلية على أنها ضرورة أمنية. وبدا للوهلة الأولى أن نتنياهو نجح في مسعاه. بيد أن صمود المقدسيين ومقاومتهم قلبا الحسابات؛ فانطلاقًا من مبدأ رفض أي تغيير في الوضع القائم الذي اتخذته المرجعيات الوطنية والدينية في القدس الشرقية المحتلة، وانخراط المقدسيين في النضال دفاعًا عن الأقصى، ومن ورائِهم الفلسطينيين في الأراضي المحتلة وداخل الخط الأخضر، تغير الوضع كليًا. فقد ظهرت بوادر هبة شعبية واسعة تحمل بين ثناياها تجدد العمليات الفلسطينية وازديادها ضد جيش الاحتلال ومستوطنيه؛ مثل عمليات الطعن والدهس وإطلاق النار.وعلى هذه الخلفية قطع الرئيس الفلسطيني محمود عباس زيارته للصين، وأعلن في الحادي والعشرين من تموز/ يوليو عن "تجميد الاتصالات مع دولة الاحتلال على كافة المستويات"، وطالب بإلغاء جميع الإجراءات التي اتخذتها سلطات الاحتلال في المسجد الأقصى وإعادة الوضع إلى ما كان عليه. أما الأردن، صاحب الوصاية على الأقصى وفق اتفاق وادي عربة، فدعم موقف المرجعيات المقدسية، وطالب المسؤولون الأردنيون في تصريحاتهم بإزالة البوابات الإلكترونية.

حادث السفارة

وفي ما كان الضغط يشتد على الحكومة الإسرائيلية من أجل إزالة هذه البوابات الإلكترونية، وظهور بوادر على تراجعها الوشيك، قَتلَ رجل أمن إسرائيلي يعمل في السفارة الإسرائيلية في عمان، ويكون عادة تابعًا لجهاز المخابرات، مواطنيْن أردنيين أحضرا أثاثًا للشقة التابعة للسفارة، بذريعة أن أحدهما، ولمّا يبلغ السابعة عشرة من عمره بعد، هاجمه بمفك وفق الرواية الإسرائيلية. وعلى إثر هذه الجريمة حاصرت القوات الأردنية السفارة ولم تسمح لمن فيها بمغادرتها إلا بعد إجراء تحقيق مع الجاني. وجرت مفاوضات بين القيادتين الأردنية والإسرائيلية شاركت فيها الولايات المتحدة أسفرت عن السماح للجاني وطاقم السفارة بمغادرتها إلى إسرائيل، وأعلن مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر "الكابينت" بعد ذلك عن قراره إزالة البوابات الإلكترونية من مداخل المسجد الأقصى. بيد أن نتنياهو عاد وقرر في اليوم التالي تطبيق التفتيش اليدوي باستخدام العصا الكاشفة للمعادن على كل من يدخل المسجد الأقصى للصلاة فيه، بديلًا من البوابات الإلكترونية. وقد رفضت المرجعيات الوطنية والدينية المقدسية هذه الإجراءات وقررت الاستمرار في رفضها دخول المسجد الأقصى.

خلفيات القرار

جاء قرار نصب البوابات الإلكترونية في مداخل المسجد الأقصى في سياق الإستراتيجية الإسرائيلية التي تبلورت في العقود الثلاثة الأخيرة لتغيير "الوضع القائم" في المسجد الاقصى بالتدريج (بموجب سياسة الخطوة خطوة)؛ بغرض فرض السيادة الإسرائيلية عليه فعليًا وتقاسمه زمانيًّا ومكانيًّا وبناء الهيكل الثالث.

فقد شهد المجتمع الإسرائيلي منذ منتصف الثمانينيات نشاطًا سياسيًّا ودينيًّا وإعلاميًّا وجماهيريًّا مكثفًا، قامت به قوى سياسية يمينية ودينية متطرفة وعشرات من جمعيات الهيكل وحركاته، والتي تأسست في الثمانينيات، وحصلت على دعم مالي من مؤسسات الدولة الإسرائيلية المختلفة، ودعت علنًا إلى تغيير "الوضع القائم" وإلى دخول اليهود المسجد الأقصى والصلاة فيه وبناء الهيكل الثالث وإزالة المسجد القبلي (الأقصى) وقبة الصخرة وكل ما يمت إلى الإسلام بصلة في الحرم الشريف. وعززت هذه الحركات والجمعيات نشاطاتها في أعقاب اتفاق أوسلو في العام 1993؛ لخشيتها أن تؤدي العملية السلمية إلى إعادة المسجد الأقصى إلى الفلسطينيين.

لقد حدثت في العقود الثلاثة الأخيرة تغييرات مهمة في إسرائيل بشأن الموقف من المسجد الأقصى ودخول اليهود إليه والصلاة فيه وبناء كنيس يهودي أو بناء هيكل فيه وتقاسمه زمانيًّا ومكانيًّا، أهمها:

حدوث تغييرات كبيرة في مواقف تيارات يهودية دينية أساسية فاعلة في المجتمع الإسرائيلي. فقد أصدرت "لجنة حاخامات مجلس المستوطنات" في العام 1996، والتي يقودها التيار الصهيوني الديني، فتوى دينية أكدت فيها أنه من المسموح دينيًّا لليهود دخول الحرم الشريف، ودعت كل الحاخامات إلى دخول المسجد الأقصى وحثتهم على أن يقوموا بتشجيع تلاميذهم وأتباعهم على القيام بذلك. وشكلت هذه الدعوة منعطفًا مهمًّا في موقف التيار الصهيوني الديني من دخول اليهود للحرم الشريف والصلاة فيه، وباتت غالبية حاخامات هذا التيار بالتدريج من دعاة تغيير الوضع القائم ودخول اليهود إلى الأقصى للصلاة فيه لتقاسمه زمانيًّا ومكانيًّا. وكذلك تبنى قطاع مهم من التيار الديني الحريدي، وخاصة أتباع حركة "حباد" الدينية، المواقف نفسها.تبنى حزبا الليكود والبيت اليهودي وأحزاب وحركات يهودية يمينية متطرفة أخرى المواقف المطالبة بتغيير الوضع القائم، والسماح لليهود بدخول المسجد الأقصى بغرض الصلاة فيه وتقاسمه زمانيًّا ومكانيًّا.شهد الكنيست في السنوات الأخيرة نشاطًا محمومًا يتعلق بالمسجد الأقصى، وقدّم العديد من أعضاء الكنيست في السنوات الأخيرة مقترحات قوانين لتغيير الوضع القائم والسماح لليهود بدخول المسجد الأقصى بغرض الصلاة فيه وتخصيص ساعات محددة لهم لهذا الغرض.شهد القضاء الإسرائيلي بدوره تغييرًا في موقفه إزاء المسجد الأقصى؛ ففي أواخر عقد الثمانينيات غيرت المحكمة العليا الإسرائيلية موقفها من دخول اليهود إلى المسجد الأقصى بغرض الصلاة فيه، وأكدت أن من حق اليهود دخول المسجد الأقصى استنادًا إلى "قانون الأماكن المقدسة" الذي سنه الكنيست بعيد حرب 1967، وكذلك استنادًا إلى ما دعته "حقوق اليهود الدينية والتاريخية". ولكنّ المحكمة العليا خولت الشرطة الإسرائيلية منع اليهود من دخول الحرم القدسي بغرض الصلاة فيه لأسباب تتعلق بالحفاظ على سلامة الجمهور والأمن العام. بيد أنها أكدت في الوقت نفسه أن هذا المنع يتعيّن أن يستند إلى قدرة الشرطة على أن تثبت، في كل حالة على حدة، أن صلاة اليهود في الحرم تعرض سلامة الجمهور والأمن العام للخطر، وإلا فمن حق المحكمة أن تصدر أمرًا بالسماح لليهود بدخول الحرم بغرض الصلاة فيه.أدى انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين العلماني والديني إلى ازدياد تشدده تجاه هذه القضية. فقد أظهرت العديد من استطلاعات الرأي العام اليهودي الإسرائيلي في السنوات الأخيرة وجود أغلبية في صفوف المجتمع الإسرائيلي تؤيد تغيير الوضع القائم في الحرم القدسي الشريف الذي يسمونه "جبل الهيكل"، وأن 59 في المئة من المجتمع الإسرائيلي تؤيد أن تفرض إسرائيل فيه تقسيمًا زمانيًّا ومكانيًّا بين المسلمين واليهود، كما كانت قد فرضته في الحرم الإبراهيمي في الخليل.ازدادت في السنوات الأخيرة أعداد اليهود الذين يدخلون يوميًّا الحرم في الساعات المخصصة لدخول السيّاح، والتي تصل إلى نحو خمس ساعات يوميًّا، وذلك بتنظيم من حركات الهيكل وجمعياته، بغرض الصلاة فيه وتثبيت السيادة الإسرائيلية عليه وتعزيز أمر واقع جديد؛ وأصبح يدخل الحرم الشريف منذ ثلاثة أعوام مجموعات من اليهود يبلغ عدد أفرادها العشرات ترافقهم الشرطة الإسرائيلية، وذلك خلافًا لما كان الوضع عليه في السابق؛ إذ كان متبعًا ألا يدخل المسجد الأقصى سوية أكثر من اثنين من اليهود مرافقين بحراسة الوقف الإسلامي والشرطة الإسرائيلية، لئلا يقوما بالصلاة في الحرم الشريف. وفي الوقت نفسه، حظر وزير الأمن الإسرائيلي في أيلول/ سبتمبر 2015 جمعيتي "المرابطين" و"المرابطات" الفلسطينيتين اللتين كانتا تقومان بمتابعة المجموعات اليهودية التي تدخل الأقصى ومراقبتها لمنعها من الصلاة فيه.

خاتمة

استطاع الفلسطينيون بصمودهم وإصرارهم الدفاع عن أرضهم ومقدساتهم وإفشال مسعى سلطات الاحتلال لاستغلال عملية الأقصى لتطبيق إجراءات تهدف إلى تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، وفرض السيادة الإسرائيلية عليه، مستغلةً ضعف الوضع العربي لدفع العرب إلى التسليم لها بذلك. وتعمل إسرائيل منذ عقود وفق مخطط تنفذه بالتدريج وتستغل كل مناسبة للتقدم في تنفيذه، مستغلةً ثغرة أو تراجعًا في الموقف العربي أو الفلسطيني، وما هو مستغرب ومستهجن هو عدم تحمّل الدول العربية والإسلامية مسؤولياتها، وعدم قيامها بأي خطوة جدية لوقف العربدة الإسرائيلية في المسجد الأقصى، في ما يتجاوز بيانات الاستنكار، والتي لو تم الاعتماد عليها لتمكنت إسرائيل من تحقيق هدفها.