Menu
حضارة

اكتشافات الغاز والنفط في "شرق المتوسط" وتأثيرها على دولة الرفاهية في الخليج

رضي الموسوي

خاص بوابة الهدف

تتسابق دول حوض شرق البحر المتوسط على التنقيب عن النفط والغاز في مياهها الإقليمية، وتوقع عقودًا بهذا الخصوص مع الشركات العالمية بهدف سرعة استخراج النفط والغاز، حيث تشير بعض المسوحات إلى أن المنطقة تسبح على بحيرة من الغاز، وإن استثمرت بشكل صحيح وتم تسويق إنتاجها كما ينبغي، فإن المستقبل سيكون واعدًا بلا شك. لكن الكيان الصهيوني، وباعتباره كيانًا غاصبًا زرع في خاصرة الوطن العربي، فقد مارس طبيعته العنصرية الاحتلالية منذ اليوم الأول للتنقيب عن النفط والغاز نهاية تسعينات القرن الماضي، وذلك للسطو على ثروات فلسطين التي يحتلها ويقيم كيانه على أراضيها، والبلدان المشاطئة لحوض البحر المتوسط، حيث تفيد الدراسات المتعددة المصادر إلى أن حجم الغاز الطبيعي الذي تطفو عليه المنطقة يزيد على 120 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، ونحو  ملياري برميل من النفط، ما يضعها على خريطة الدول المنتجة للنفط والغاز بشكل تجاري وبحجم يتماشى مع حجم الثروة في باطن بحرها، ما جعل الكيان الصهيوني يسطو ويستولي على حقل "غزة مارين" المكتشف في 2000 داخل الحدود البحرية الإقليمية لقطاع غزة، ويحتوي على نحو 30 مليار متر مكعب من الغاز، ويواصل الكيان التنقيب في حقل "تمار" المكتشف في عام 2009 ويحتوي على احتياطيات تقدر بنحو 280 مليار متر مكعب من الغاز. ويتصارع على مجموعة من حقول الغاز مع الدول الأخرى بهدف الاستيلاء عليها، كما هو الحال مع حقل "ليفيان" وتقدر احتياطاته بـ620 مليار متر مكعب، وحقل "تانين"، 35 مليار متر مكعب، حقل "كاريش"، أكثر من 50 مليار متر مكعب، وحقل "روبي" وتقدر احتياطاته بـ90 مليار متر مكعب من الغاز.

ومع اشتداد الصراع والمنافسة في شرق المتوسط على ثروة الغاز والنفط، تدخل تركيا على الخط مع قبرص "التركية"، في مواجهة جمهورية قبرص، عضو الاتحاد الأوروبي والمدعومة من اليونان، وتتنازع أيضًا مع مصر التي تنقب في حقل ظهر الذي يحوي 850 مليار مترًا مكعبًا ويعد أكبر حقل غاز في شرق المتوسط. يمتد الصراع ليصل إلى ليبيا، حيث تتنازع الأطراف هناك على منابع النفط بالدرجة الأولى والمصالح الاستراتيجية، لدول الجوار والدول الكبرى، ما يعقد الأزمة، المأزومة أصلًا، ويهدد البلاد بالتفتت والتشظي إلى دويلات قبلية ومناطقية.

ورغم اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية التي وقعت بين بعض دول حوض شرق البحر المتوسط، إلا أن الصراع على أشدّه في ظل إصرار الكيان الصهيوني على اختلاق الأزمات خصوصا مع غزة (حقل غزة مارين) ومع لبنان (بلوك رقم9)، حيث يقوم هذا الكيان بمهماته الوظيفية التي تأسس من أجلها والمتمثلة في إبقاء المنطقة العربية ومحيطها مفتتة وغارقة في صراعات داخلية، كما هو الحال في الوقت الراهن مع بعض الدول العربية، ولأن الصراع في لبنان على أشده، فقد دخل الكيان مدعوما من إدارة ترامب الشعبوية المؤيدة مطلقًا للكيان ضد لبنان، فزادت واشنطن من حصارها على بيروت للدرجة التي مارست فيها عملية افقار للشعب اللبناني والمس بسعر صرف عملته الوطنية الليرة مقابل الدولار الأمريكي.

وإذا كانت دول حوض شرق البحر المتوسط تتهيأ للدخول في نادي الغاز والنفط، رغم كل هذه الصراعات والمنغصات الصهيونية المدعومة أمريكيًا، فما تأثير ذلك على الحالة الخليجية، حيث أقواس الأزمة مشدودة في أكثر من اتجاه، ما ينذر بتطيير دولة الرفاهية التي سادت منذ منتصف سبعينات القرن الماضي وبدأت مؤشرات أفولها مع انهيار أسعار النفط في الربع الأول من العام الجاري بسبب حرب الأسعار، وانتشار جائحة كورونا (كوفيد19)، وباشرت بعض الحكومات الخليجية نزع صفة الرفاهية عن دولها وشعوبها بإجراءات مؤلمة تغيب عنها الشفافية وتتعلق برفع الدعم عن المواد الأساسية، بما فيها زيادة أسعار المحروقات والمواد الغذائية والكهرباء والماء وفرض ضريبة القيمة المضافة وإعادة هيكلة مؤسسات التأمين الاجتماعية والمس الجوهري بالحقوق المكتسبة للمتقاعدين في بعض هذه الدول، الأمر الذي تسبب في إشاعة الإحباط والغضب والفقر والبطالة بين المواطنين.

لا شك أن دول مجلس التعاون الخليجي الغنية بالنفط والغاز، تشعر بقلق من اكتشافات النفط والغاز في شرق المتوسط، وذلك بسبب بروز منتجين جدد في السوق العالمية التي يعاني أصلًا من التخمة ومن انهيار أسعار النفط، ما تسبب في توجيه ضربات كبيرة وموجعة للموازنات العامة في دول الخليج، فضلًا عن اضطرار هذه الدول إلى تقليص إنتاجها من النفط تماشيًا والتزامًا مع الاتفاق الذي أبرم بين دول أوبك + والقاضي بتقليص الإنتاج بمعدل 10 ملايين برميل يوميًا لإعادة التوازن للسوق النفطية حتى أبريل نيسان 2022، بضغط من الرئيس الامريكي دونالد ترامب الذي أراد حماية صناعة النفط الضخري من الانهيار. ورغم الالتزام الظاهري بهذا التخفيض، إلا أن الأسعار لا تزال متدنية، وتحوم في منتصف يوليو /تموز الجاري حول 42 دولار للبرميل، بينما يتراجع استهلاك النفط بسبب الجائحة التي تجتاح العالم وتقوّض اقتصاديات دوله.

لقد حذر الكثير من المفكرين والأكاديميين والمختصين الخليجيين وعلقوا جرس الإنذار منذ الطفرة النفطية الأولى منتصف سبعينات القرن الماضي وأكدوا ضرورة التركيز على عناصر التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وعلى مسألة الوحدة بين أقطار دول الخليج العربي لتشكيل نواة إقليمية على طريق الوحدة العربية الحقيقية. ويشير د. محمد الرميحي في كتابه "الخليج ليس نفطًا - دراسة في إشكالية التنمية والوحدة"، إلى هذه العناصر ويؤكد على أن "مستقبل إنسان هذه المنطقة (الخليج) وأرضها مرتكز على نجاح حقيقي في التنمية بمعناها الشامل؛ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي وتحقيق الوحدة التي هي أمل العرب، وهي بين أقطار المنطقة العربية الخليجية الصغيرة، لا شك تعني موضوعيًا أكبر من الأمل.. إنها ضمان المستقبل نفسه". لكن هذا الطموح في التنمية والوحدة لم يجد له طريقًا على أرض الواقع، فقد غرقت منطقة الخليج في أعاصير الحروب التي لم تتوقف حتى اليوم، وأثرت على الإنسان الخليجي الذي يرنو لتحقيق التنمية الانسانية الشاملة. فمنذ منتصف السبعينات، أسست اتفاقية الجزائر الموقعة بين العراق وإيران إلى اضطراب الوضع بين البلدين الذي بلغ أوجّه في سبتمبر/ أيلول 1980 عندما قرر النظام العراقي تمزيق اتفاقية الجزائر 1975 التي جاءت بعد سنوات من المعارك بين نظام المركز في بغداد وبين الأكراد في الشمال العراقي المدعومين من نزام شاه ايران. إلغاء الاتفاقية أدى لاشتعال حرب الخليج الأولى التي دامت ثماني سنوات عجاف؛ قتل فيها مئات الآلاف ومُنيت العراق وإيران بخسائر فاقت 500 مليار دولار، عدا عن تعطّل عملية التنمية وتخلف البلدين عن مواكبة التطور الاقتصادي والاجتماعي المطلوب.

بعد عدة أشهر على نشوب الحرب، تداعى المسؤولون الخليجيون في أبو ظبي وأعلنوا عن قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مايو/أيار 1981، وقد أكدوا في بيان التأسيس على أن الهدف الرئيس هو تحقيق الوحدة الخليجية والسوق المشتركة والعملة الموحدة وجواز السفر الموحد وتحقيق التنمية الانسانية، بيد أنه وبعد قرابة أربعين عامًا على قيام المجلس لم تتحقق الوحدة، ولم تتشكل السوق المشتركة ولم تتوحد العملة الخليجية ولم يصدر الجواز الموحد (!!)، بل إن مجلس التعاون الخليجي يواجه تحديًا جوهريا بعد تفجر الخلافات البينية بين بعض أعضائه، فلا تزال ثلاث من الدول الأعضاء فيه (السعودية والإمارات والبحرين) بالإضافة إلى مصر، في خلاف شديد مع دولة قطر وتقاطعها ديبلوماسيًا واقتصاديًا وسياسيًا ويتواجه طرفا الخلاف في المحاكم الدولية، بينما تتخذ الكويت وسلطنة عمان مسافة بين هذه الدول المختلفة؛ الأمر الذي أثر سلبًا على الفعل الخليجي المشترك، بل وبدأ ينخر في أعمدة المنظومة الخليجية.

بعد عامين على حرب الخليج الأولى، قرر النظام العراقي اجتياح الكويت في الثاني من أغسطس 1990 لتدخل المنطقة في أتون الحرب والصراعات وتجيش الولايات المتحدة وتشكل تحالفًا دوليًا لمواجهة الجيش العراقي في الكويت، وهو الأمر الذي تم كهدف صهيوني أولًا، كما تم حصار العراق وأُخرج من معادلة الصراع العربي الصهيوني بضرب جيشه الذي كان قويًا وعضدًا لدول الطوق وفلسطين، حتى تم إسقاط النظام في أبريل/نيسان 2003 وتأسس نظام المحاصصة الطائفية والإثنية والعرقية، انطلاقًا من دستور الحاكم الأمريكي للعراق السيء الصيت، بريمر، ودفع الشعب العراقي ثمنًا مضاعفًا لما آلت إليه الأوضاع؛ من حيث انتشار الفقر والبطالة والمرض وتفشي الفساد كما يتفشى الكورونا في الوقت الراهن، وتفتت البلاد كما أراد أعدائها، ولم تكد دول المنطقة تحاول التنفس، حتى اندلعت الحرب في اليمن عام 2014، ولا تزال تأكل الأخضر واليابس وتحصد الأرواح وتستنزف دول المنطقة. أما على الضفة الأخرى، وحيث تتشارك إيران ودول مجلس التعاون الخليجي ضفتي الخليج العربي، فقد استمرت الولايات المتحدة في حصار إيران منذ انتصار الثورة الإيرانية في فبراير/ شباط 1979، ولا تزال الحصارات المتعددة مستمرة، ما أدى إلى تأثر الاقتصاد الإيراني سلبا وانهيار العملة الوطنية، والعودة إلى شد أقواس الأزمة إلى أقصاها، خصوصًا بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وعملها الدؤوب على إسقاطه والتأثير على شركائها الأوروبيين للانسحاب منه. هذه المعطيات عطلت برامج التنمية الإنسانية وفرملت عملية التطور المطلوبة خليجيا؛ من حيث زيادة الإنفاق في قطاعي الأمن والدفاع والتسلح، فحازت دول مجلس التعاون مجتمعة على المركز الثالث بعد الولايات المتحدة والصين، وهي مرتبة تعبر عن حجم الاحتقان الأمني والعسكري في المنطقة والضغوطات الغربية على دول المجلس لعقد صفقات التسلح الفلكية، وما تبع ذلك من تأثيرات كبرى على الحياة المعيشية للمواطن العادي، خصوصًا في ظل غياب المحاسبة والشفافية واستفحال الفساد المالي والإداري وبروز أمراض اجتماعية جديدة، عطلت عملية التنمية المستدامة وأخرت إنجاز المشاريع الحيوية؛ معطيات تسير بالتوازي مع الضغوطات لتخفيض إنتاج النفط من حقول دول المنطقة بعد أن تشبعت السوق العالمية بفوائض غير مسبوقة ليصل سعره في بعض الأوقات إلى متوسط 20 دولاراً للبرميل، في الوقت الذي يقدر صندوق النقد الدولي ووكالة فيتش إلى أن نقطة التعادل في موازنة أكبر دولة منتجة للنفط، السعودية، هي بسعر 86.5 دولار للبرميل، وأعلى بقليل في الموازنة العمانية، بينما تصل في الموازنة البحرينية إلى أكثر بقليل من 95 دولار للبرميل 70.19 دولار للبرميل في الموازنة الإماراتية، و54.7 دولار للبرميل للموازنة الكويتية.

وتشير العديد من المعاهد المتخصصة في النفط والطاقة بأن دول مجلس التعاون تنتج أكثر من 19 مليون برميل يوميًّا، تشكل نحو 19 بالمائة من الطلب العالمي على النفط، وبإضافة العراق وإيران، فإن إجمالي الإنتاج وصل الى 31.52 مليون برميل يوميًا في العام 2018. لكن الغاز الذي هو ثروة شرق المتوسط القادمة، ربما لا يكون ضمن المنافسة مع الخليج النفطي أساسا، إذا استثنينا قطر التي تعتبر أكبر مصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم، حيث تخطط لإنتاج 126 مليون طن بحلول 2027، أي بعد سبع سنوات.

إن الخلاصات التي وصلت إليها دول مجلس التعاون الخليجي ينبغي أن تدرس بجدية وحَذَر في الدول الموعودة بالإنتاج الغازي في حوض شرق البحر المتوسط، فقد خسرت دول الخليج عقودًا من الوفرة المالية، كان يمكن أن تشكل اقتصاديات متنوعة في مصادر الدخل وألا تعتمد على النفط مصدرًا شبه وحيد للإيرادات، وذلك من أجل تحقيق بعض الأهداف التنموية المطلوبة، والتي لم تنجز حتى اللحظة بعد نحو 90 عامًا على اكتشاف النفط في المنطقة. ويشير الخبير النفطي د. وليد خدوري في هذا الصدد، إلى أن المأزق في الأقطار العربية "يكمن في الوضع السياسي العام والاقتصادي"، ويلفت إلى أن هناك "غياب مبدأ التعاون والتنسيق الإقليمي في الخطط الاقتصادية القطرية جميعًا بدون استثناء؛ فرغم العشرات من التوصيات والقرارات والمؤتمرات الرسمية، لم تأخذ أي من الدول العربية بشكل جدي أو واقعي مبدأ التكامل الاقتصادي العربي مأخذ الجدّية". بمعنى كان الهروب القُطري الفردي لكل دولة هو الذي حكم سياسة الدول العربية، حيث كانت في وضع أفضل وقت ما قاله الدكتور خدوري منتصف ثمانينات القرن الماضي في ندوة "عرب بلا نفط" التي نظمتها مؤسسة الأبحاث العربية وحضرها نحو ثلاثين مشاركًا من مختلف البلدان العربية والأجنبية. فهل تعي دول حوض شرق البحر المتوسط الموعودة بالغاز بكميات تجارية كبيرة التجربة التي مرت بها الدول الخليجية ودول عربية أخرى كانت تنتج النفط والغاز ولا تستثمره في عملية التنمية؟

رغم التشاؤم، يمكن لدول حوض البحر المتوسط الموعودة بإنتاج الغاز أن تحقق أهداف التنمية الإنسانية إذا أحسنت إدارة ثرواتها الموعودة، رغم تأثير ذلك على نفط الخليج وغازه وعلى دولة الرفاهية فيه، والتي أفل نجمها وتواجه عجوزات كبرى في الموازنات العامة وضغوطات كبيرة لتخفيض سقوف إنتاجها، ما يضع البحبوحة المالية في محل تساؤلات وتشكيك جدّيين.

حجم إنتاج النفط في الخليج (المصدر: وكالة الصحافة الفرنسية) حجم إنتاج النفط في الخليج (المصدر: وكالة الصحافة الفرنسية)