Menu
حضارة

تقريرفوضى السلاح بالضفة: تهديدٌ للسلم الأهلي والسلطة مُنهمكة "بتشكيل لجان تحقيق" 

أحمد بدير

أرشيفية

خاص بوابة الهدف

لم تكن حادثة مقتل أمين سر حركة فتح ببلاطة البلد في نابلس قبل أسبوعين عماد الدين أبو العميد دويكات (54 عامًا)، هي الأولى من نوعها، ولا حادثة مقتل المواطن خليل الشيخ (47 عامًا) يوم أمس في مدينة البيرة ستكون الأخيرة بالتأكيد، في ظل تزايد حالات الفلتان الأمني وعودة ظواهر المليشيات المُسلّحة في بعض مناطق الضفة الغربيّة.

اشتباكاتٌ مسلحة عنيفة اندلعت يوم أمس في البيرة عقب مقتل المواطن الشيخ الذي كان مُشاركًا في صلحٍ عشائري بين عائلتين في المدينة، وسادت حالة من التوتر الشديد، لكن تبيّن لاحقًا أنّ الشيخ كان أحد ركّاب سيارة جيب من نوع (Land Rover) سوداء اللون، وتوقفت على بعد 100 متر من مكان تجمّع الحضور لصك صلح بين عائلتي قرعان وشوابكة وسط مدينة البيرة، وبعدها حدث تبادل لإطلاق النار بين المتواجدين داخل الجيب من جهة، وأفراد من الأجهزة الأمنية المتواجدين في المكان من جهة أخرى، وأسفر ذلك عن اصابة مواطنين داخل السيارة الجيب وهما: خليل شحادة الشيخ، وأصيب بعيار ناري في الصدر من الجهة اليسرى، ونجل شقيقته خالد خليل الشيخ (26 عامًا)، بعيارين ناريين في القدم، وتم نقلهما إلى مستشفى الهلال الأحمر في مدينة البيرة. وأعلن هناك، على الفور، عن وفاة المواطن خليل الشيخ، بحسب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان. 

ووسط كل هذه الجلبة ما كان من حكومة السلطة الفلسطينيّة إلّا الإعلان عن "تشكيل لجنة تحقيق" -كما العادة- على لسان رئيسها محمد اشتيّة. 

هذه الحوادث المتكرّرة تُهدّد بالتأكيد السلم الأهلي والمجتمعي، إذ رأى الكاتب والمُحاضر في العلوم الاجتماعيّة بجامعة بيت لحم وسام رفيدي، أنّه "لا يوجد من الأساس سلم مجتمعي ولا أمن للمواطن الفلسطيني، وفي أي لحظة من الممكّن أن يحدث فلتانًا أمنيًا في الشوارع وتشعر أنّ حياتك مُعرّضة للخطر في أي وقت".

وأوضح رفيدي خلال اتصالٍ أجرته "بوابة الهدف"، الذي حدثت الاشتباكات المسلّحة يوم أمس قرب بيته في البيرة، أنّ "كثافة النيران التي حصلت بالأمس تُشعرُك بأنّ هناك جبهة حرب مفتوحة بمعنى الكلمة، إذ كان هناك مئات الأشخاص المدججين بكل أنواع السلاح"، مُتابعًا: "عندما تقول السلطة أنّها فقط تسمح للسلاح الشرعي، بينما السلاح الفالت في الشوارع هنا وهناك هو ذاته ما يُسمى سلاح "الشرعية"، ومن يحملون السلاح في الشوارع ويتعاملون بمنطق العصابات في الشوارع هم جماعات السلطة".

وشدّد رفيدي: "قبل أن تتحدّث السلطة عن شرعية السلاح عليها سحب زعرانها من الشوارع، ونذكُر في بلاطة قبل فترة خرج مئات المسلحين في الشوارع، وكذلك في البيرة يوم أمس"، مُؤكدًا أنّه "لم يعد هناك مصداقية لشعار شرعية سلاح السلطة، ولا مصداقية لشعار السلم الأهلي". 

استسهال في استخدام السلاح 

وتابع رفيدي أيضًا، إنّ "الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة تستسهل عملية استخدام السلاح، وتطلق النار على المواطنين بكل سهولة بهدف القتل كما جرى في حوادث عدّة بالضفة"، مُشيرًا إلى أنّ "أجهزة المخابرات الإسرائيلية بكل تأكيد على علم بوجود كل هذه الكميات الكبيرة من الأسلحة المتنوّعة لكنّها مطمئنة كون هذا السلاح لا يوجّه إلى قوّاتها، وتترك عشرات آلاف قطع السلاح في يد الزعران لفرض الهيبة والسلطة وللمحسوبيات والدفاع عن مصالح مجموعات متصارعة داخل جهاز السلطة".

خطر حقيقي على حياة المواطنين

وأكَّد رفيدي خلال حديثه مع "الهدف"، على أنّ "هناك خطرًا حقيقيًا على حياة المواطنين في ظل حالة الفلتان الموجودة، وبالأمس كان من الممكن أن يُقتل أي مواطن برصاصة طائشة لكمية النار التي جرى إطلاقها، وكل المشكلة من الأساس هي صلحة عشائرية كما يُقال لإنهاء مشكلة بسيطة جدًا حدثت أثناء فترة العيد"، مُتسائلاً: "ما الفائدة من الحديث عن سيادة القانون إذا كان تنظيم السلطة يتعامل مع نفسه كعصابات ومجموعات مُسلّحة؟، وما الفائدة من الحديث عن شرعية السلاح إذا كان بعض الزُعران باتصالٍ هاتفي واحد ينزلون مئات المسلحين إلى الشوارع؟!".

لجان التحقيق

وشدّد أيضًا على أنّ "السلطة إذا أرادت اتخاذ إجراءات جدّية عليها اتخاذها بحق المجموعات المتفلّتة من تنظيمها تحديدًا"، لافتًا إلى أنّ "الاحتلال يعلم ويرى أنّ السلاح مغرّق البلد، لكنه يعلم تمامًا أن هذا السلاح لا يخرج ضده، بل يخرج إمّا في الأعراس، أو في مناسبات "الجعجعة" التي يطلق فيها النار بشكلٍ مكثّف، أو في المشاكل وفرض السطوة والسلطة على الناس، ولو شك الاحتلال مجرد شك أنّ رصاصة واحدة ممكن أن توجّه ضد قوّاته سيقوم فورًا بحراثة مدينة البيرة بالكامل، بل ستُبادر السلطة قبل الاحتلال لإلقاء القبض على حاملها ومصادرتها". 

وبشأن لجان التحقيق، تساءل رفيدي: "هل سمعنا يومًا عن نتائج خرجت عن لجنة تحقيق، سواء في أحداث الدهيشة أو بلاطة أو البيرة أو أي حدث سابق؟ هل سمعنا نتائج تحقيق بشأن الاعتداء على والد الشهيد باسل الأعرج أمام مجمّع المحاكم؟ هل سمعنا نتائج اللجنة في التحقيق بالهجوم البربري والهمجي الذي نفذته الأجهزة الأمنية بحق المطالبين برفع العقوبات عن غزة عام 2017؟ لا يوجد أي نتائج للجان التحقيق، فلا يوجد أي تحقيق تُعلن نتائجه بالأسماء والعقوبات بحق المُخالفين".

ورأى رفيدي في ختام حديثه مع "الهدف"، أنّ "المطلوب اليوم لكبح جماح ظاهرة الفلتان الأمني وفوضى السلاح هو حراك شعبي جدّي تنزل فيه الناس إلى الشوارع للمُطالبة بوقف الفلتان وعزل هذه المجموعات والعصابات ومُصادرة سلاحها".

صباح اليوم الخميس 6 آب، دعت القوى الوطنية والاسلامية لمحافظة رام الله والبيرة، إلى "أخذ زمام المبادرة، وتحمُّل المسؤولية الوطنية في هذا الظرف السياسي بالغ الدقة لتشكل لجان السلم الأهلي وتعزيز الروابط والقيم النبيلة لشعبنا، ومواجهة مظاهر التوتر والاحتقان، وضبط النفس، ومنع أيّة تداعيات مخالفة لعادات وقيم وتعاليم شعبنا وتضرب وحدتنا الداخلية التي هي صمام الأمان لمواجهة مخططات الاحتلال، ومحاولات تصفية القضية الوطنية لشعبنا".

كما أكَّدت القوى في بيانٍ لها، على أنّها "ستقف في وجه كل من يحاول نشر الفوضى، وإثارة النزاعات والمشاكل من أعوان الاحتلال الذين يحاولون في العديد من المناطق ضرب السلم الأهلي، واشعال الفتن، والشجارات العائلية وغير العائلية".

من جهته، قال القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عمر شحادة، إنّ "الحوادث الأخيرة تأتي بفعل أزمة المشروع الوطني، وأزمة الديمقراطية، وتفجَّرت هذه الأحداث في ظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تسبّبت بها جائحة كورونا، لذلك من المفيد أن نرى الطابع الموضوعي لهذه الانفجارات في وجه السلطة والقيادة الفلسطينيّة، خاصةً في ظل تغييب المشروع الوطني التحرّري المركزي الناظم للشعب الفلسطيني". 

السلطة تدور حول نفسها 

وأكَّد شحادة خلال حديثه مع "بوابة الهدف"، على أنّ "جمهور السلطة سيكون في مقدمة الساخطين على السلطة وقيادتها وأجهزتها الأمنية. هذه السلطة باتت تدور حول نفسها في مستنقع الأزمة السياسيّة الوطنيّة الشاملة"، مُعقبًا على إعلان تشكيل لجنة للتحقيق في مقتل المواطن الشيخ يوم أمس، بالقول: "في لحظة ما يفقد الجمهور الفلسطيني عامةً الثقة في السلطة ومؤسساتها التنفيذيّة والتشريعيّة وخصوصًا القضائيّة، ومن المُلاحظ في الآونة الأخيرة عودة مظاهر الأشكال العشائريّة لحل القضايا واللجوء للقضاء العشائري لتحل محل القانون".

كما رأى شحادة أنّ "اللجان التي يتم تشكيلها تكون محاولة لتخدير المجتمع والقفز عن الشؤون الضرورية، لكن إذا بقيت القيادة على هذه الشاكلة سيكون أول من يثور في وجهها هم الفئات التي خلقتها السلطة ذاتها كالبرجوازية الصغيرة وصغار الموظفين وحتى المجندين والأجهزة الأمنية"، مُشددًا شحادة على أنّه "لا يُمكن علاج كل الوضع الوطني والمظاهر الاجتماعية إلا بإيجاد مشروع وطني شامل ناظم ينهض بأبناء الشعب الفلسطيني وينضووا في إطار هدف مركزي أمامهم يُثير أفق الأمل في التحرُّر السياسي والاقتصادي والاجتماعي".

أزمة المشروع الوطني وتناقضاتها 

وذكَّر شحادة خلال حديثه مع "الهدف"، بأنّ "أزمة المشروع الوطني ينبثق عنها تناقضات كبيرة جدًا: اقتصاديّة، وسياسيّة، واجتماعيّة، وأمنيّة، وكل ما يجري هو انعكاس للأزمة الوطنيّة الشاملة التي تعيشها القيادة الفلسطينيّة".

وختم شحادة حديثه، بالتأكيد على أنّ "المطلوب من القوى السياسيّة والاجتماعيّة المناوئة التي تشكّل القطب الإيجابي في الساحة الفلسطينيّة هو أن تُعزّز فعلها في محاولة وضع حد لتفلّت القيادة الفلسطينيّة من العمل المؤسسي ومُحاربة النزعة التسلطيّة الاقصائيّة التي تقوم بها هذه القيادة، والضغط باتجاه إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، واشتقاق استراتيجية وطنية جديدة بديلة لأوسلو تقوم على الوحدة والمقاومة والشراكة، وعقد مجلس وطني جديد يُعيد صياغة الوضع السياسي والاجتماعي والديمقراطي وينتخب قيادة جديدة بديلاً عن القيادة التي وصلت إلى حد التفسّخ والتحلّل". 

حياة المواطنين ستظل مُهدّدة

عدّة مُؤسساتٌ حقوقيّة طالبت بضرورة قيام جهات انفاذ القانون بدورها في حماية المواطنين وضبط فوضى السلاح، إذ عقَّبت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في بيانٍ لها اليوم على مقتل المواطن الشيخ، أنّ "حياة المواطنين وأمنهم ستظل مُهدّدة في ظل انتشار الأسلحة بين المواطنين، وتساهل جهات إنفاذ القانون مع مستخدمي الأسلحة في التجمعات والمناسبات الاجتماعية، ما يهدد السلم الأهلي وسلامة وحياة المواطنين".

وطالبت الهيئة "بتحقيقٍ جنائي فوري من قِبل جهات الاختصاص في حادثة مقتل المواطن الشيخ، وتقديم كل من يثبت تورطه في الحادثة إلى القضاء، وقيام أجهزة إنفاذ القانون بدورها وواجبها في حماية المواطنين وضبط استخدام الأسلحة، عملاً بأحكام المادة 14 من قانون الأسلحة النارية والذخائر لسنة 1998 والتي تنص على حظر حمل الأسلحة في المحلات العامة وفي المؤتمرات والاجتماعات والحفلات العامة والأفراح، وعلى منع التظاهر بحمل السلاح".

كما أكَّدت الهيئة في بيانها، على ضرورة "مراجعة إجراءات استخدام وحمل الأسلحة من قبل منتسبي أجهزة الأمن بما يضمن الالتزام بتعليمات استخدام الأسلحة النارية ومدونة السلوك ذات العلاقة".

في حين قال المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، إنّ "فوضى السلاح وحالة الفلتان الأمني تهدّدان السلم الأهلي في الضفة الغربية"، مُطالبًا "باتخاذ خطوات جديّة لضمان سيادة القانون ومحاسبة المسؤولين".

وطالب المركز "مجلس الوزراء باتخاذ خطوات جديّة لوقف حالة فوضى السلاح في الضفة الغربية، والعمل الفوري على فرض سيادة القانون"، مُؤكدًا على "ضرورة تقيّد الأجهزة الأمنية بالمعايير الدوليّة الخاصة باستخدام السلاح الناري، الواردة في مدونة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين لسنة 1979، يما يؤمّن الحفاظ على أرواح وممتلكات المواطنين".

وتستمر حالة الفلتان الأمني وفوضى السلاح بالضفة الغربيّة، في ظل أنّ الاحتلال معني بهذا الفلتان وتمدده، لكنّه لن يسمح به في حالةٍ واحدةٍ فقط، وهي إذا أصبح هذا الفلتان يُهدّد "أمنه"، في المقابل تستمر السلطة وحكومتها "بتشكيل لجان تحقيق" واحدةٍ تلو أخرى، على قاعدة أنّ الزمن كفيلٌ بالنسيان.