Menu
حضارة

"كزدورة في يافا".. بين الحسابات الإسرائيلية والتخوّف الفلسطيني

شاطئ يافا

غزة_ بيسان الشرافي

صورٌ ومقاطع فيديو انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤخرًا، لشواطئ أراضينا المحتلة عام 1948، مزدحمةً بأهلِنا من سكّان الضفة الغربية، بعدما قررت سلطات الاحتلال السماح لهم بالمرور إلى "مناطق 48"، في مشهدٍ يُجسّدُ أحلامًا لطالما جالت في خواطرهم.

عبر بواباتٍ مُحدّدة في السياج الأمني "الإسرائيلي"، مرّت أعداد كبيرة من الأهالي إلى الداخل، وتجوّلوا- بدون تصاريح أو تفتيشٍ- في مدننا وقرانا المسلوبة منذ 1948، حتى صارت "الغَدْوة على شطّ حيفا.. والكزدورة في عكّا" على بُعد قرارٍ منكَ لاجتياز "البوّابة"!

مشهدٌ غريبٌ، اختلفت الآراءُ حولَه، فهل نتّبع قلوبَنا إلى حيث تمنّت لعقودٍ أن تكون؟ أم نرفض ونُخضِعَ المسألةَ للتحليل السياسي، حذِرينَ ممّا ترمي إليه تلك الخطوة الصهيونية؟!

"بدنا نشوف بلادنا"

فلسطينيٌّ خمسينيٌّ وجدَ الإجابة على هذا التساؤل أبسطَ من طرحِه، فقال "نروح ونشوف أراضينا، قبل ما نموت! فيما اعتبرَ سياسيٌّ "فتح البوّابات" إشغالٌ للفلسطينيين، وتحديدًا في الضفة، عن مجابهة تحدّياتٍ جِسامٍ تُواجهها القضية الوطنية، أوّلها الاستيطان والتهويد.

عضو اللجنة المركزية الفرعية للجبهة الشعبية، محمود الراس، اعتبر الخطوة "الإسرائيلية" أداةً لاحتواء وتطويع الغضب الفلسطيني، وللتغطية على اعتداءات المستوطنين المتصاعدة.

"إسرائيل"، ووفق مقالٍ كتبه الراس للهدف، تسعى إلى "إعادة صياغة الوعي الفلسطيني، على أساس التعايش مع الاحتلال تِبعًا لما نظّر إليه وخطّط له، من خلال ما أسماه الفلسطيني الجديد- الفلسطيني المستسلم والخاضع للاحتلال، بديلاً عن وعي فلسطين الهوية والتاريخ والتضاريس". وكذلك استهداف جهود المقاطعة، وكسر إرادة مُناهضي التطبيع، إلى جانب تحقيق فائدة اقتصادية.

ومُعارضًا لفكرة المرور عبر "الفتحات الإسرائيلية"، خاطب الراس في مقالِه "كلَّ فلسطينيٍّ تحتاجه القدس ُ للدفاع عنها، وعن وجودنا"، بالقول "اذهب إلى حيث يجب أن تكون.. لا إلى المكان الذي يريدك عدوُّك فيه".

وسام رفيدي، الأكاديمي والباحث في علم الاجتماع، كان له رأيًا مخالفًا، فقال "كلّها أراضينا، ولنا الحقّ في الذهاب إليها متى نستطيع، وبغضّ النظر عن الطريقة". مُقلّلا من الافتراض بأنّ الهدف الأساسي للاحتلال من فتح البوابات اقتصاديٌّ، "فهناك غاية سياسية أهم" برأيه.

يافا.jpg

"لا محلّ للمُزاودات"

وفي حديثه للهدف، بيّن رفيدي أنّ "إسرائيل تُقدّر أنّ الوضع الأمني في الضفة حاليًا (تحت السيطرة)، بجهود مخابراتها إلى جانب التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية، ما يُجعل فتح البوابات ممكنًا من الناحية الأمنية".

اقتصاديًا، رأى رفيدي أنّ "غالبية من يمّرون عبر تلك البوابات هم من الفئات الشعبية البسيطة، وهذا يظهر جليًا من الصور المنتشرة، عائلاتٌ أخذت طعامها وراحت تصطاف على الشاطئ.. ربّما يُنفقون بعض المال، لكنه يسيرٌ نسبيًا".

وتحدّث رفيدي عن "بعض قطاعات الرأسمال الفلسطيني الغارق في التطبيع مع الرأسمال الصهيوني، بمشاريع مشتركة، ممّن ندّدوا بإنفاق الأهالي أموالَهم في مناطق 48 (فكيفَ يُنفقون أموالهم لصالح الاحتلال؟!)"، معقّبًا "من غير المقبول المُزاودة على الناس بهذا المنطق العجيب، وكأنّ أولئك أصحاب مشاريع اقتصاد مُقاوِم!". مُنوهًا إلى حقيقة أنّ 95% من صادرات "إسرائيل" تصبّ في الضفة.

ماذا عن السلطة الفلسطينية؟

"هذا هو الأهم" برأي رفيدي الذي بيّن أنّ "فتحَ البوابات بمثابة ردٍ إسرائيليّ على إعلان السلطة وقف التنسيق الأمني ليُظهِر الاحتلالُ للسلطة مقدرَته على تسيير الأمور بدونِها، بل وبعلاقة مباشرة". رغم أنّ "وقف التنسيق" لا يزال محطّ شكٍّ، فرئيس الوزراء محمد اشتية بنفسه صرّح أن "بعض القضايا تُسوَّى بتنسيقٍ عبر (طرف ثالث)"!

وكانت السلطة أعلنت وقف التنسيق، ضمن قرارها التحلل من الاتفاقات مع "إسرائيل"، ردًا عزمها تنفيذ خطة الضم- "تطبيق السيادة" في مناطقَ بالضفة والأغوار.

وأعلن الاحتلال عزمه، مع بداية يوليو، البدء بتنفيذ خطة الضم التي تندرج في إطار صفقة القرن التصفوية، وتسعى لشرعنة سرقة أكثر من 30% من أراضي الضفة، وكامل الأغوار، بفرض السيادة "الإسرائيلية" عليها. وهو ما أعتبرته أوساطٌ رسمية وشعبية فلسطينية "أخطر التحدّيات" التي تُواجهها القضية الوطنيّة في الوقت الراهن.

الباحثُ المقدسيّ راسم عبيدات، قال للهدف إنّ الأمن "الإسرائيلي" يسعى- عبر فتح البوابات- إلى تخفيف حالة الاحتقان الفلسطينية، في محاولة لمنع مواجهة أو انفجارٍ مُحتمَل، وسط تصاعد الانتهاكات "الإسرائيلية"، بما فيها اعتداءات وعربدة المستوطنين، التي لا تزال "الوجه الآخر" في مقابل فتح البوابات.

إلى جانب هذا، رأى عبيدات أنّ "تحريك القوّة الشرائية، في ظلّ التراجع الذي يمرّ به اقتصاد الاحتلال يمثّل مكسبًا جيدًا سينعكسُ سياسيًا لصالح بنيامين نتنياهو، الذي بات بحاجة مُلحّة لاستعادة ثقة الجمهور الصهيوني، بالتزامن مع محاكمته واحتمال سَجنه.

تجدر الإشارة إلى أنّ الفصائل الفلسطينية وكذلك السلطة لا تزال تُراقب الصورةَ دونما تعليقٍ رسميّ على القرار "الإسرائيلي" وتعاطي المواطنين معه.