Menu
أوريدو

سركيس أبو زيد في حوار مع "الهدف"

مطلوب مقاومة قومية شاملة لمواجهة نفس الأعداء: المشروع الإسرائيلي الأميركي وامتداداته في الداخل والخارج

د. وسام الفقعاوي

سركيس أبو زيد

هذه المقابلة نشرت في العدد 17 من مجلة الهدف الرقمية

أجرى اللقاء: د. وسام الفقعاوي

*اتفاق الطائف لم يعد كافيًا

*الولايات المتحدة تسعى إلى أن تأخذ من المقاومة بالاقتصاد والحصار والضغوط، ما لم تتمكن من أخذه بالحرب وبساحات المعركة.

*"إسرائيل" خطر وجودي على لبنان؛ خطر على سيادة لبنان؛ خطر على طبيعة النظام الاقتصادي التعددي في لبنان.

1- جاء انفجار بيروت المُفجع، ليزيد الضغط على الداخل اللبناني الذي يشهد منذ أكتوبر الماضي "انتفاضة" شعبية يتداخل فيها الاقتصادي والاجتماعي مع السياسي، هل لك أن تعطينا رؤيتك بهذا الخصوص؟

يواجه اللبنان أزمة كيانية مصيرية تهدد وجوده؛ لأن هذه الأزمة متشعبة وعميقة الجذور، بما يعني أن النظام السياسي الموجود عاجز عن إيجاد حلول سياسية لذلك هو مترهل وجامد، وغير قابل للحياة؛ لأنه يقوم على المحاصصة الطائفية وتوزيع المغانم، ولم يعد يواكب تطورات وتحديات العصر إلى جانب أزمة النظام هناك أزمة الطبقة السياسية التي حكمت البلاد خلال 60 سنة المنصرمة، وأثبتت أنها غارقة في الفساد والعجز وهي فاشلة وغير قادرة على إيجاد الحلول، ورغم انقساماتها وخلافاتها السياسية الظاهرة تحاول أن تعقد صفقات فيما بينها، ولكن تفاقم الأزمة أصبح وضعها أمام حالة عجز وارباك وعدم القدرة على الخروج أمام كل هذه الأزمات.

بالإضافة إلى هذه الأزمات، يحتفل لبنان هذه السنة بمرور 100 سنة – أي قرن من الزمن- على إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920 من قبل الجنرال غورو وتقيم موضوعي لهذه الـ100 سنة؛ استنفذ الكيان اللبناني وظيفته دوره التاريخي ومن هنا أصبح أمام الطبقة السياسية ضرورة ايجاد حل جدي وجذري يجيب على كل هذه التحديات وعلى مستقبل البلاد؛ لأن التركيبة التي سادت، خاصة على المستوى الاقتصادي خلال قرن من الزمن كانت قائمة على أساس قطاع المصارف وعلى أساس الخدمات والتطور الذي حصل في العالم العربي جعل هذا الدور شبه منتهي، فلم يعد لبنان يحتكر القطاع المصرفي، ولا قطاع الخدمات؛ لأن التطورات في الأنظمة العربية تجاوزته في هذا المجال، لذلك مطلوب من لبنان أن يعقد مؤتمر تأسيسي جديد يثبت فيه هويته ونظامه الجديد وخياراته الاقتصادية ليذهب أكثر نحو نظام إنتاج بالصناعة والزراعة، حتى يستطيع أن يستعيد دوره وفعله؛ لأن الدور الاقتصادي الماضي أصبح شبه منتهي، لذلك لبنان يواجه أزمات مزمنة ومستمرة وخانقة؛ وكل هذا أدى إلى تفكك القوى السياسية، لذلك نلاحظ أن الاكثرية الحاكمة التي شكلت الحكومة تعاني من تفكك وإرباك وخلافات كذلك المعارضة النيابية توجد خلافات وتباينات بين أطرافها، خاصة أن الاصطفاف الذي كان بين 8 آذار و 14 آذار لم يعد متماسكًا كما كان في السابق، أي كل أن كل فريق لم يعد متماسك؛ ليس له برنامج، وليس له قيادة، وليس له إدارة، كما أن العلة الأساسية، بأن الانتفاضة التي حصلت هي تعبر عن نقمة شعبية عارمة ومحقة، لكن هذه القوى التي شاركت في هذه الانتفاضة الشعبية متباينة ومتناقضة؛ البعض منها له ارتباطات في الأن جي أوز والتمويل الخارجي، والبعض لآخر هو يعبر عن قوى يسارية وقومية وتقدمية متباينة الرأي؛ لم تتمكن حتى الآن من وضع برنامج موحد وقيادة موحدة حتى تستطيع أن تشكل كتلة شعبية موحدة قادرة على فرض الحل.

أمام كل هذا التفكك والانهيار لبنان في حالة خطيرة؛ فإما أن يجدد التسوية السياسية السابقة ودونها عقبات، وإما أن تتبلور القوى الشعبية لتفرض التغير والإصلاح، وإما الذهاب إلى فتنة جديدة؛ تدخل البلاد في فوضى وفي ضياع.

2- لبنان لا يزال محكومًا لاتفاق الطائف الذي جاء ليُمأسس الطائفية السياسية، ويبقي التدخلات الخارجية في الوضع اللبناني الداخلي قائمًا، كيف يمكن أن يجري استثمار انفجار بيروت من القوى الخارجية المعادية للبنان، خاصة في إطار الاستهداف المباشر للمقاومة؟ وأين موقع الاستراتيجية الأمريكية – الصهيونية من ذلك؟

يمكن أن نقسم الجواب على مستويين

أولًا: بالنسبة إلى اتفاق الطائف، نجح في إيقاف الحرب اللبنانية ودخل في مرحلة السلام، ولكن بعد مرور سنوات تبين أنه لم يعد كافيًا لحل المشاكل، فهو من جهة تم تنفيذه بشكل انتقائي؛ لم ينفذ بالكامل، هناك عدد كبير من البنود الموجودة في اتفاق الطائف لم تنفذ، بالإضافة لا يوجد ظروف مواتية من أجل إنتاج تسوية جديدة ونظام جديد، لذلك الآن هناك عدة طروحات حول موضوع اتفاق الطائف البعض يطالب بتطبيق اتفاق الطائف والبعد يطالب بالتعديل. وهناك أطروحات من خارج اتفاق الطائف تدعو إلى حياد اللبنان وتدعو إلى الفدرالية أو الأمن الذاتي أو اللامركزية الموسعة الإدارية، وكل ذلك لا يمكن الاتفاق عليه أو تحقيقه بدون توافق اللبنانيين. فلبنان محكوم من جهة بالدستور، ومن جهة أخرى بميثاق قائم على ما يسميه باللغة اللبنانية "الديمقراطية التوافقية"، بمعنى عدم الاحتكام إلى الأقلية والأكثرية، بل إلى توافق الطوائف الرئيسية على الدستور أو على القوانين أو على الحلول المطلوبة، لذلك لبنان الآن في مأزق؛ لأن طبيعة القوى السياسية وطبيعة الموازين وطبيعة التركيبة تضعه أمام ارباك وعجز في تغير اتفاق الطائف أو تعديله؛ بسبب كل هذه التوازنات، لذلك أمام هذا العجز المؤسساتي السياسي وأمام هذا المأزق انفتحت الأبواب أمام التدخلات الخارجية، لا سيما الأمريكية والصهيونية التي تستغل هذه الانقسامات وهذا التفكك السياسي من أجل فرض عقوبات وفرض حصار الهدف منه هو تطويق المقاومة لأن المشروع الأمريكي الصهيوني، لم يتمكن من أخذ ما يريد من المقاومة بالعمل العسكري؛ لأن هنالك نوع من توازن رادع؛ فلم تعد "إسرائيل" بإمكانها أن تقوم باعتداءات سهلة على لبنان دون أن يكون هناك عقاب؛ دون أن يكون هناك كلفة، لذلك بعد أن كانت "إسرائيل" تأخذ ما تريده من الدول العربية بفعل الضربات والحروب الخاطفة والسريعة وغير المكلفة الآن أصبحت هذه الكلفة عالية، من هنا لجأت مع الولايات المتحدة الامريكية إلى فرض عقوبات وحصار حتى تأخذ من المقاومة بالاقتصاد والحصار وبالضغوط، ما لم تتمكن من أخذه بالحرب وبساحات المعركة، لذلك لبنان الآن في مأزق ليس قادرًا بسهولة على تعديل نظامه ليحل مشاكله السياسية، وفي الوقت نفسه، هذا يفسح المجال أمام القوى الخارجية لفرض ضغوطها وإرادتها من هنا الخيارات الآن صعبة ومصيرية.

3- قلت في تغريدة لك على "توتير" أن الرد الوحيد، على العملاء هو جبهة المقاومة الوطنية، كما تناولت أيضًا بالانتقاد البطريركية، كيف تنظر لتجاذبات واستقطابات النظام السياسي اللبناني؛ سلطة وأحزاب وتيارات، وكذلك دور المرجعيات الدينية في ذلك؟ وما هو أفق الخروج من المأزق القائم؟

رغم الأزمات الاقتصادية والسياسية التي يواجهها لبنان؛ هناك أيضًا مجموعة من الأزمات التي أيضًا تضيف إلى الأزمات الاقتصادية والسياسية أزمات أخرى، منها على سبيل المثال وليس الحصر؛ الموقف المتباين في لبنان حول موضوع العملاء، خاصة الموجودون في الأرض المحتلة؛ لأن هناك بعض العملاء الذين كانوا موجودون في الجنوب؛ فروا هاربين مع العدو "الإسرائيلي"، وهم مقيمون في الأرض المحتلة، لذلك بعض القوى السياسية تطالب – للأسف – بالعفو عنهم أسوة بالعفو العام الذي يطالب به البعض للمتهمين بتجارة الحشيشة والإرهاب وغيره.

يحاولون تمرير عفو عن هؤلاء العملاء، رغم أنه كانت المحاكمات التي حصلت إلى حدٍ ما مخففة، والأحكام لم تكن متشددة، لكن هذا يعكس وجهة نظر هذا الفريق الذي يسمي هؤلاء العملاء بـ"المبعدين"، وكأن السلطة اللبنانية هي التي أبعدتهم، دون الاعتراف أنهم هم الذين أبعدوا نفسهم؛ لأنهم على علاقة وتعاون وارتباط بالعدو "الاسرائيلي"، لذلك هذه المسألة هي مسألة تمس هوية لبنان ووجوده ومستقبله، لذلك من هنا مطلوب عودة الحياة؛ عودة الروح إلى جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وأن يكون هناك ثقافة وطنية تميّز وتفرز بين العدو والصديق، وأن يكون هناك ثقافة وطنية تعمّق الفهم الوطني والالتزام الوطني؛ لأن "إسرائيل" عدو يشكل خطر وجودي على لبنان، خطر على سيادة لبنان، خطر على طبيعة النظام الاقتصادي التعددي في لبنان مناقض للعنصرية "الإسرائيلية"، العدو "الإسرائيلي" أيضًا يهدد الموارد المائية والغاز والبترول، لذلك هي عدو للبنان كما هي عدو لفلسطين، ولبنان و فلسطين يواجهان عدو مشترك و"إسرائيل" التي تقوم على إلغاء الآخرين وفرض هيمنتها وسلطتها، لذلك موضوع العملاء هو موضوع أساسي، ومطلوب أن يكون هناك قوى وطنية تواجه هذا العدو بكل الأشكال لذلك البعض يريد منه خطوة وبداية طريق التطبيع – مع العلم أن العدو "الإسرائيلي" هو عدو للبنان يهدده بالجو وبالأرض وفي الموارد وكل هذه الأمور من المسائل الأخرى التي وجد حولها أيضًا خلاف بين اللبنانيين هو ما طرحه البطريرك الراعي حول حياد لبنان وهذه النقمة هي طرح قديم كان بعض الأطراف يطرحون تحييد لبنان عن الصراع مع "إسرائيل"؛ ضمن نظرية كانوا يرددونها "قوة لبنان بضعفه"، لذلك لبنان الاستقلال، لم يعمل على بناء جيش قوي، جيش قادر على مواجهة "إسرائيل" والدفاع عن الجنوب عن أرضه وعن سيادته لذلك وصلت الأمور إلى ما نحن عليه، لذلك هذا الطرح هو طرح مشبوه وخطير يمهد لتدخل خارجي؛ لأن مشروع الحياد، كما يطرحه بأن يفرض من الخارج وهذا شكل من أشكال تدويل الأزمة اللبنانية، بدلًا من أن يكون هناك حوار وطني داخلي لرسم إستراتيجية دفاعية مشتركة وتحديد إستراتيجية لبنان، يسعى البطريرك ومن معه لأنه هو يعبر عن شريحة معينة تحاول أن تستدرج القوى الدولية من أجل فرض نظام جديد على لبنان؛ يدير ظهر إلى البيئة العربية والمحيط العربي ويتخلى عن القضايا المصيرية، لا يدرك بأن أزمة لبنان هي جزء من أزمة المنطقة؛ لأن هناك تداخل استراتيجي بين لبنان وفلسطين والمنطقة ككل، لذلك لا يستطيع في لبنان أن ينعزل عن محيطه هناك الجغرافيا تتحكم بهذا الموضوع وهناك صراع وجود مع "إسرائيل" التي تريد أن تلغي لبنان، والمنطقة من أجل قيام دولة "إسرائيل" الكبرى التي تمتد من النيل إلى الفرات وهناك خطر داهم في هذا الموضوع، وهو تنفيذ صفقة القرن، وصفقة القرن ليس خطر على فلسطين فقط، بل هي خطر على أيضًا على لبنان؛ لأنها تفرض عملية توطين الفلسطينيين والتنازل عن حق العودة؛ لأن ذلك يعني لبنان، ولبنان معني في هذه المسألة، وعليه أن ينسق مع الفلسطينيين، ومع كل القوى العربية التي ترفض هذه الصفقة؛ من أجل جبهة لمواجهة هذه المؤامرة الخارجية على لبنان وعلى فلسطين.

كل هذه الأزمات التي تواجه لبنان تطرح سؤال أساسي من يواجه كل هذه الأزمات؟ أين هي الأحزاب؟ وما هو دور المرجعيات الدينية؟ للأسف؛ لأن الأحزاب مشرذمة لكل له موقف وإدارة مختلفة لمواجهة تحدي "العمالة" وتحدي "الحياد" وما يرافقه من اطروحات لها علاقة بالتقسيم وبصيغة فدرالية للبنان وبحكم وبأمن ذاتي وغيره من المسائل المطروحة سرًا وعلنًا هذا يفرض على القوى اليسارية والقوى التقدمية والوطنية، أن تتوحد في جبهة وطنية مشتركة لها برنامج واحد يحدد رؤياها إلى لبنان الجديد، لبنان اللاطائفي، لبنان المدني، لبنان الوطني، لذلك هذه الأحزاب مسؤولة عن ومقصرة عن قيام جبهة وطنية حقيقية ذات برنامج وذات إدارة واحدة في مواجهة هذه التحديات؛ لأن التحديات التي تواجهنا أن كان بالنسبة إلى العملاء أو بالنسبة إلى الحياد أو غيرها هي مرتبطة بقوى خارجية، بدعم خارجي، هي جزء من المخططات الأمريكية الصهيونية التي تهدف إلى تفكيك، وإلى إضعاف الدول المحيطة بفلسطين حتى تتمكن هذه القوى "الإسرائيلية" الأمريكية من فرض إرادتها على الشعب الفلسطيني دون أن يكون هناك تدخل وموقف من الدول المعنية، خاصة من دول الطوق ودول العالم العربي بشكل عام، لذلك مطلوب في أسرع وقت ممكن قيام بجهة وطنية من الأحزاب الوطنية لمواجهة كل هذه المخاطر.

أما ما يعني المرجعيات الدينية، للأسف لكل مرجعية لها برنامج ولها موقف تطالب بمجموعة من الصلاحيات ومن المكاسب لطائفتها، ولكل مرجعية دينية ارتباطات خارجية ومرجعيات في الخارج وهي التي تكرس الانقسام الطائفي الذي يحول لبنان إلى معتقلات طائفية إلى معاقل طائفية مغلقة، مما يسهل تمرير أو فرض أمر واقع وهو تقسيم لبنان، تفكيكه حتى لا يكون هناك دولة قوية قادرة على مواجهة "إسرائيل" وقادرة على الإنماء النهضة والتطوّر.

4- في سياق استهداف لبنان ومقاومته، لا يمكن الفصل بين العدوان الأمريكي على لبنان و سوريا من خلال ما سُمي "قانون قيصر"، واستحضار الوصاية والانتداب على لبنان ودعوات البعض لتدويل مسألة انفجار بيروت.. قبل الاستحضار والدعوات؛ طُرحت دعوة التوجه شرقًا، كيف تقرأ هذه الدعوة؟

من ضمن استهداف المقاومة ولبنان، طرح مشروع جديد، وهو قانون قيصر الذي يطال محاصرة سوريا وفرض عقوبات وغيرها، وهذا القانون له تداعيات منها على العلاقات اللبنانية السورية؛ لأنه دائمًا لتمرير الصفقات الأمريكية "الإسرائيلية" مطلوب هناك أن يكون اختلاف أو تباعد أو تجزيئية بين لبنان وسوريا.

من هنا كان دائمًا هناك محاولات للفصل بين المسارين، بين الشقيقين، حتى لإضعاف الاثنين مع العلم بأن العلاقات التاريخية والقومية والإنسانية والعائلية بين لبنان وسوريا هي عميقة وأساسية، لذلك استحضروا من أجل عزل لبنان عن سوريا، من أجل فصل المسار اللبناني عن المسار السوري، خاصة بأن هناك محاولة مكملة وهي تعديل الصلاحيات اليونيفل الموجودة على الحدود مع فلسطين المحتلة، هناك محاولات لتعديل القانون؛ قانون اليونيفيل لحد غعطاء الصلاحيات لليونفيل للتدخل في الجنوب بالتفتيش والاعتقال بشكل مباشر دون مراجعة الجيش اللبناني، وهناك نقطة أخرى بالتعديل تطال نشر قوات اليونيفل على الحدود اللبنانية السورية، وهذا يكمّل منطق العقوبات والفصل الذي فرضه قانون قيصر بين لبنان وسوريا، وهذا دائمًا كلما كان هناك مخططات خارجية تستهدف لبنان وسوريا من جهة، وطرح موضوع التدويل – سبق وذكرت عن موضوع الحياد الذي طرحه البطريرك والخلفية المراد منها هو فرض التدويل -، ولكن هناك صيغ أخرى حول موضوع التدويل، كان منها إنشاء المحكمة الدولية لاغتيال رفيق الحريري، والآن بدأ البعض يطرح عملية تدويل التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، والهدف منها هو أن يكون هناك تدخلات خارجية، بالإضافة إلى عملية تدويل التحقيق؛ هناك تحت عنوان المساعدات؛ تأتي المخابرات الأمريكية ومخابرات فرنسية وأوربية على أنواعها، وهناك خبراء يعلمون على التحقيق الميداني؛ من أجل التمهيد لعملية تدويل الأزمة؛ عبر التحقيق، وعبر المساعدات الإنسانية أمام هذه المآسي؛ ولأن الخروج من الابتزاز الغربي الذي يفرض شروطه ويفرض رزنامته على الحكومة اللبنانية، وإلا أن يكون هناك عقوبات أو تدخل خارجي، وهناك تهديد بأن الغرب لن يساعد لبنان، وبأن يوفر له المساعدات على النكبة التي تعاني منها بيروت، ولا يساعده ماليًا للخروج من أزمته المالية والاقتصادية؛ إلا بعد القبول بالتوطين والموافقة على صفقة القرن، وربما عقد اتفاقية سلام مع "إسرائيل"، كما كان طُرح سابقًا، وكل هذه الأمور الهدف منها ابتزاز لبنان سياسيًا لانتزاع مواقف سياسية منه، لذلك يعتبر الاتجاه شرقًا هو أمر طبيعي. إن لبنان جزء من هذا الشرق هو درة هذا الشرق، هو سويسرا الشرق، كما كان يقال، بينما البعض يحاول أن يصور لبنان على أنه قطعة من الغرب مزروعة في خاصرة العالم العربي، بينما هو جزء من هذا العالم الشرقي.

من هنا مطلوب أن يتوجه لبنان شرقًا بمعنى أن يتعاون مع الدول غير الخاضعة للمنظومة الأمريكية؛ من أجل تحقيق التنمية وتحقيق مساعدات خاصة أن الصين عرضت أن تقدم عدد كبير من المساعدات، إن كان للجيش، وإن كان لترميم المرفأ أو غيرها من المساعدات الاقتصادية التي لا ترهن لبنان إلى البنك الدولي، وإلى الشركات المالية الغربية، لذلك من الطبيعي أن يتجه لبنان شرقًا؛ لأنه هو من الشرق وأن التعامل مع الشرق يحافظ على سيادته ويوفر له التنمية والعمران والمساعدات الغير مشروطة.

الانفجار الذي طال مرفأ بيروت، بالإضافة إلى الأبعاد السياسية والإستراتيجية هناك دور كبير اقتصادي لهذا المرفأ خاصة له دور أساسي في ترسيخ المركزية للدولة اللبنانية وهو يوفر لها موارد اقتصادية كبيرة بينما المطلوب هو ضرب هذا المرفأ من أجل إحياء أو إعطاء دور أكبر لمرفأ يافا المحتلة والمرافئ "الإسرائيلية" التي بدأت تنسق مع الدور العربية بأن يكون هناك سكك حديد ونقل بري بين "إسرائيل" وبعض الدول العربية مما يولد أزمة ويعطل دور مرفأ بيروت الذي كان له دور حيوي في ربط المتوسط مع الخليج وهذه نقطة هامة يجيب الإشارة إليها.

من هنا يجب الإسراع بالتوجه شرقًا؛ لأن الصين لديها مشروع من أجل إعادة ترميم وتشغيل مرفأ بيروت بالسرعة المطلوبة، بينما الغرب سيتلكأ في توفير هذا الدعم؛ لأنه يريد أن يعطي فرصة لـ"إسرائيل" حتى تكون بديل عن مرفأ بيروت.

5- في يناير الماضي أُعلن عن المشروع الأمريكي الصهيوني (المسمى صفقة القرن)، أين موقع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ضمن هذا المشروع (الصفقة)، في ضوء الواقع اللبناني الراهن ومآلاته المفتوحة؟ وعليه، كيف ترى إمكانية معالجة مسألة حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان؟ 

أكيد صفقة القرن هي متشعبة ومتعددة الأوجه وتشكل خطرًا على فلسطين وعلى العالم العربي ككل، ولكن بشكلٍ خاص تطال لبنان لجهة فرض توطين الفلسطينيين في لبنان، مما يتجاوز حق العودة والحقوق الفلسطينية المشروعة، لذلك ما يجري في لبنان ومنذ فترة هو محاولة فرض الموافقة على صفقة القرن لتمريرها تحت الضغوط التي تُمارس على لبنان وفرض التوطين، مع العلم بأن موضوع توطين الفلسطينيين في لبنان هو مرفوض من اللبنانيين والفلسطينيين معًا؛ لأن الفلسطيني يريد العودة إلى بلاده وأرضه وبيته، كما أن لبنان الرسمي والشعبي يرفض هذا الموضوع، ولكن هناك تخوّف من أن يتم فرض هذا الموضوع، مقابل المساعدات المالية والاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن يوفرها الغرب للبنان، حتى يقبل بهذا الشرط ويمهّد الطريق لتنفيذ صفقة القرن، لذلك مطلوب أن يكون هناك موقف موحّد لبناني وفلسطيني من صفقة القرن ومن عملية التوطين والتمسك بحق العودة، وأيضًا هناك مسألة أساسية تطرح من وقتٍ لآخر وهي حقوق الفلسطينيين في لبنان، هناك لجان مشتركة وهناك حوارات وهناك مساعٍ، ولكن للأسف هذا الموضوع ذات وجهين: هناك أحيانًا بعض الأطراف اللبنانية تمارس نوعًا من العنصرية والاضطهاد والمس بحقوق الفلسطينيين على الأراضي اللبنانية، وفي المقابل هناك أطراف أخرى تريد أن يكون الفلسطيني في لبنان له نفس الحقوق اللبنانية، خاصة لجهة العمل والتربية والعلم وغيرها من المسائل المحقة التي هي طبيعية لأي إنسان في هذه الأرض، لذلك مطلوب أن تكون هذه الحقوق مصانة وموحدة، وأن يكون هناك جبهة لبنانية فلسطينية للتمسك بهذه الحقوق وتحسين شروطها من أجل توفير الحياة الكريمة للفلسطيني المقيم مؤقتًا في لبنان.

6- الوضع العربي يعيش في أسوأ مراحله لجهة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الداخلية في كل بلد عربي، وعلى صعيد الاحتراب الداخلي والعدوان المباشر على سوريا واليمن وليبيا واستهداف مصر والسودان من خلال سد النهضة الأثيوبي، مضافًا لها التدخل السياسي والعسكري التركي في أكثر من مكان في الوطن العربي، فهل هذا ينذر بقادم أسوأ أم قد يشكل مقدمات لواقع يفتح لآفاق التغيير الثوري المنشود؟

طبعًا هناك مشاكل عربية متعددة لها علاقة بالتنمية والتطور، بالإضافة للمشاكل السياسية الموجودة في سد النهضة إلى اليمن إلى التدخّل التركي إلى التدخلات الإقليمية، وإلى غيرها من الصراعات التي تبدأ في المتوسط وتمتد في العالم العربي، ولكن بشكلٍ عام أعتقد أنّ المشكلة الأساسية هي غياب الجامعة العربية للأسف؛ لأن الجامعة العربية أصبح دورها شكليًا غير فاعل وغير قادر وهو نتيجة للصراعات العربية العربية ولصراعات المحاور العربية، ولعدم وجود رؤية عربية موحّدة ولفشل مؤسسات الجامعة العربية، بأن تكون فاعلة حتى على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الإنساني؛ فضلاً عن السياسي والعسكري، لذلك ما يعانيه العالم العربي هو نتيجة موت الجامعة العربية وانهيار مؤسساتها وغياب أي شكل من أشكال التضامن العربي والسياسة العربية الموحّدة، مما يفسح المجال أمام القوى الإقليمية؛ لأن يكون لها دور أقوى وأفعل ويفتح الباب أمام تدخلاتٍ خارجية وأوروبية وأمريكية لفرض إرادتها، لذلك للأسف إنّ كل هذه المشاكل الموجودة في العالم العربي، حيث نلاحظ غياب العرب عن أي دور فاعل أو موحّد لتحقيق الحد الأدنى من وجودهم أو حل مشاكلهم أو يكونوا على الأقل واسطة خير لحل المشاكل السياسية، حتى هذا الدور لم تعد تقوم به الجامعة العربية، لذلك المطلوب عودة الروح إلى التضامن العربي، ولكن هذا متعثر، والبديل عنه مطلوب، أن يكون هناك جامعة عربية شعبية؛ توحّد القوى الثورية واليسارية والتقدمية والقومية حتى يكون هناك رد شعبي على هذه التدخلات وموقف موحّد ليكون ضد التحالف مع إسرائيل وضد التطبيع معها وضد التدخّل الأمريكي وضد كل من يريد المس بالسيادة القومية والسيادة على العالم العربي، لذلك بعد سقوط الأنظمة العربية والجامعة العربية الحل الوحيد هو إيجاد جامعة عربية شعبية تتولى توحيد القوى ومواجهة المخاطر الخارجية.

7- الأنظمة الرسمية العربية لم تعد تخفي علاقاتها وتطبيعها متعدد الأشكال مع العدو الصهيوني، بل أصبحت تجاهر بدعمها له ولمشاريعه العدوانية؛ فهل انتقلت هذه الأنظمة مما درج تسميته إعلاميًا بتطبيع العلاقات مع العدو إلى التحالف معه ضد مصالح وحقوق وقضايا أمتنا العربية وفي القلب منها القضية الفلسطينية؟

من الواضح أنّ العالم العربي انتقل من عملية التطبيع مع العدو الإسرائيلي إلى  التحالف العلني، هذا التحالف كان موجود سرًا، وتواطؤ الأنظمة العربية مع العدو الإسرائيلي ليس بالأمر الجديد، بل مزمن وقديم، وكان دائمًا هناك تقصير وتواطؤ وتخاذل وتعاون وتحالف ضمنًا مع العدو الإسرائيلي، ولكن بطرقٍ سرية، والآن أصبح السر مكشوفًا وعلنًا ويجاهر به، والهدف منه هو تصفية القضية الفلسطينية وأن يدير قسم كبير من الدول العربية ظهره للقضية الفلسطينية، وبالنسبة لهؤلاء هناك عدة حقائق؛ أولاً حتى الدول العربية التي وقعت اتفاقيات سلام مع إسرائيل؛ إن كان مصر أو الأردن أو حتى السلطة الفلسطينية تبيّن بأن هذه الاتفاقيات لم تحقق التنمية ولا الازدهار ولا الديمقراطية في مصر والأردن، بل بقيت هذه الدول تعاني من الأزمات ومن المشاكل والاضطرابات، وليس صحيحًا أن التخلي عن القضية الفلسطينية وتوقيع معاهدة سلام ساعد هذه الدول على التنمية والتطور والتقدم، بل بالعكس زادها إشكاليات، لذلك على الدول العربية الأخرى، أن تتعظ وتأخذ هذا الموضوع وهذا الدرس، كما أنّ هذا التحالف لن يكون جامعًا؛ يعني ستقسم الدول العربية، وبدلاً أن يكون هناك موقف عربي موحد ومتضامن، سيكون هناك عرب منقسمون فيما بينهم، حول التحالف مع إسرائيل فريق مع وفريق ضد، وهذا سيؤدي إلى المزيد من إضعاف العرب.

المسألة المهمة أنّه حتى المبادرة العربية التي طرحتها الجامعة العربية وطرحتها القمم العربية حول الحل العادل في فلسطين، يبدو أنّه تم التراجع عنها، وهذا يضعف التضامن العربي، ويضعف ثقة العالم بالالتزامات العربية، وسيؤدي إلى مزيد من الانهيار والمشاكل، إذًا أين الحل؟ طبعًا أنا لا آسف لإعلان بعض العرب التحالف مع إسرائيل، ربما هذا سيشجع على استنهاض الجماهير العربية والشعوب العربية لتأخذ دورها وحقها بيدها، وهذا ربما سيشكّل نوع من التحدي لهذه الجماهير حتى تستجيب لهذا الاذلال وهذا التواطؤ وهذا التخاذل من أجل قيام جبهة عربية جدّية للدفاع عن الحق الفلسطيني وحقوق العرب أينما وجدوا. إذًا العرب الآن أمام خيار مصيري ووجودي إما الاستسلام والذل، وإما الاستنهاض والتوحّد لمواجهة كل هذه المخاطر، فإما أن يكون هناك حيوية عند الجماهير لاستعادة دورها وإما سترضخ إلى الذل والهوان والسيطرة الخارجية، ولكن علَّمنا التاريخ بأن التحدي الوجودي المصيري سيكون هو البوصلة لهذه الجماهير من أجل استعادة دورها بعد أن خدرتها الأنظمة وحرفتها عن حقها وعن الوجهة الصحيحة.

8- تأسيسًا على السؤال السابق، كيف تنظر للإعلان عن اتفاق التطبيع الكامل للعلاقات بين الإمارات والعدو الصهيوني وللدور الذي يمكن أن تلعبه الإمارات على صعيد إلحاق المزيد من الأنظمة الرسمية العربية لتطبيع علاقاتها مع العدو؟

واضح بأن بعض الأنظمة العربية اتخذت خيارها بالتحالف مع إسرائيل، وهذا الاتجاه سيتعمم عند بعض الدول العربية الأسئلة المطروحة حول هذا الموضوع: هل هناك اتفاقيات سرية؟ وما هي لأنها لم تتوضح ولم تعلن ولم تعرف؟ ما هو مصير صفقة القرن؟ ربما هذه الاتفاقيات هي تمهيد لصفقة القرن؛ لأنه عندما فشلت إسرائيل وأميركا بفرض صفقة القرن لجأوا إلى عملية التطبيع الاقتصادي وقيام مشاريع مشتركة وتعزيز العلاقات الاقتصادية بين بعض الدول العربية وإسرائيل، كل ذلك سوف يمهّد لإعادة فرض صفقة القرن، رغم أنّها بالبداية كإعلان ذكرت عن تأجيل ضم الضفة، ولكن هذا تدبير مؤقت؛ لأن إسرائيل ستستمر بمخططها، ولكنها تحاول أن تنفذه تدريجيًا بعد أن تستكمل دائرة الدول العربية التي ستطبع معها وستتحالف معها على المستوى الاقتصادي والمالي، مما يحصّن صفقة القرن بعلاقات اقتصادية وعلاقات كاملة بين بعض الدول العربية وإسرائيل، ولكن طبعًا هذه الاتفاقية الهدف المرحلي منها هو دعم ترامب في الانتخابات الرئاسية ودعم نتنياهو المأزوم في الداخل الإسرائيلي، لذلك هذه الاتفاقية لها أهداف آنية مرحلية هي دعم ترامب في الانتخابات الأمريكية ونتنياهو في أزمته الداخلية، ولكن ذلك سينشئ نوع من بيئة عربية مؤاتية للتحالف العربي الإسرائيلي.

9- أين ترى موقع ومسؤولية قوى وأحزاب حركة التحرر العربية على المستوى العربي؟ وما المطلوب منها قطر يًا وقوميًا كي نصل إلى مواجهة شاملة مع المشروع الأمريكي الصهيوني التصفوي في تحالفه مع أنظمة الرجعية والخيانة العربية؟

طبعًا كل هذه الأمور تضع حركة التحرر العربية بما فيها من أحزاب ومنظمات وقوى ومقاومات أمام تحدٍ كبير؛ إما أن تحافظ على وجودها، وإما أن تندثر وتزول، لذلك هذه القوى تخوض الآن صراع وجود؛ إما أن تبقى، وإما أن تزول، لذلك مطلوب من هذه القوى على المستوى القطري أن تنشئ جبهة وطنية لمواجهة الاستحقاقات الداخلية وأن تعزز دور المقاومة ببعديها الخارجي والداخلي؛ لأن المقاومة الحقيقية هي مقاومة ضد الهيمنة وضد الاحتلال وضد السيطرة وضد العدوان الإسرائيلي، ولكن في الوقت ذاته، هي ضد الفساد وضد الطائفية وضد التجزئة وضد التخلّف في الداخل، لذلك مطلوب من المقاومات الوطنية أن تحارب على جبهتين: جبهة مواجهة المشروع الإسرائيلي الأميركي وحلفائه في الخارج وحلفاء هذا المشروع في الداخل، وهم الطائفيون الانعزاليون التقسيميون الفاسدون المستغلون، لذلك مطلوب أن يكون هنالك جبهة مقاومة وتغيير في كل قطر عربي لمواجهة هذا التحدي ضمن الخصوصية التي يعيش فيها، ولكن في نفس الوقت مطلوب أن يكون هناك مقاومة قومية شاملة لمواجهة نفس الأعداء المشروع الإسرائيلي الأميركي وامتداداته في الداخل والخارج، وذلك لا يمكن أن يتم إلا من خلال مقاومة قومية شاملة تواجه العدوان الإسرائيلي الأمريكي، وفي نفس الوقت لها برنامج من أجل قيام نظام جديد يحقق الحرية والعدالة والمساواة لكل مواطنٍ في العالم العربي.