Menu
أوريدو

خطاب التأجيل: هل سقطت رهانات التطبيع في السودان؟

البرهان - نتنياهو

خاص بوابة الهدف

الاستبشار بالتغيير الذي حدث في السودان ، ودور قوى التغيير فيه، يبدو أنه بات يلمس حدودًا حرجة، في ضوء ما تشير إليه السياسات الرسمية من رهاناتٍ تعاكس الإرادة الجماهيرية وترهن مصيرَ البلاد بجهات الهيمنة والعدوان على شعوب المنطقة.

تصريحات حيدر بدوى، الناطق باسم وزارة الخارجية السودانيةن الأسبوع الماضي، حول التطبيع مع الكيان الصهيوني، لم تكن هي النشاز الوحيد في معادلة الموقف من الكيان الصهيوني، فنفي وزارة الخارجية ورفضها هذه التصريحات لم يكن أفضل حالا من حيث محتواه و موقفه من الكيان الصهيوني، وتهرّب من تقديم موقف واضح من هذه القضية وأحال رفض تصريحات بدوي لاعتبارات اختصاصية وإجرائية.

بدوي كان صرّح بأن لقاء رئيس المجلس السيادي "عبد الفتاح البرهان" مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني "بنيامين نتنياهو"، قبل أسابيع، كان "خطوة جريئة فتحت الباب أمام اتصالات يمكن أن تتم بين الطرفين"، وأشار المتحدث باسم الخارجية السودانية إلى أن "الاتجاه نحو إقامة علاقات مع إسرائيل ليس جديد، وسبقنا إليه وزير خارجية النظام البائد إبراهيم غندور".

تبع ذلك بيانٌ من وزارة الخارجية السودانية، قالت فيه إنها "تلقّت بدهشة" تصريحات حيدر بدوي، عن سعي الخرطوم لإقامة علاقات مع إسرائيل"، وأضافت في بيان صادر عن وزير الخارجية المكلف عمر قمر الدين "وجدَت هذه التصريحات وضعَا ملتبسَا يحتاج للتوضيح"، وأضاف البيان أن "أمر العلاقات مع إسرائيل لم تتم مناقشته في وزارة الخارجية بأي شكل كان"، وأنه  "لم يتم تكليف السفير حيدر بدوي للإدلاء بأية تصريحات في هذا الشأن".

وفي فبراير الماضي، عبرت طائرة تابعة للكيان الصهيوني لأول مرة، فوق الأجواء السودانية، بعد أقل من أسبوعين على لقاء نتنياهو والبرهان رئيس المجلس السيادي السوداني.

التطبيع كرهان لرفع العقوبات

الرهان على التطبيع مع العدو الصهيوني كمخرج من أزمات البلاد التي راكمها النظام السابق، وكأداة لرفع العقوبات المفروضة أمريكيًا على البلاد وشطبها من قوائم الدول المتهمة أمريكيًا بدعم الإرهاب، هذا الرهان كان بدأ بالفعل في عهد النظام السابق، وغذّته ضمن التركيبة الحاكمة بعد الثورة مواقفُ الأطرافِ المدعومة إماراتيًا، ومنهم جنرالات الجيش المهيمنين على المجلس السيادي الحاكم وسياسات البلاد، لكن "الرفض" الذي قدمته الحكومة السودانية وقوى الحرية والتغيير الداعمة المكونة لهذه الحكومة، مثل تحولًا خطيرًا في الموقف من العدو الصهيوني والتطبيع معه، وفتح الباب واسعًا أمام استمرار هذه الرهانات التطبيعية المضرة بالمصالح والموقف السوداني التاريخي الرافض للتطبيع والداعم للنضال العربي في وجه العدو الصهيوني.

رئيس الحكومة السودانية عبد الله الحمدوك، خلال لقائه وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، في 25 أغسطس 2020، دعا الإدارة الأمريكية "إلى ضرورة الفصل بين عملية رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ومسألة التطبيع مع إسرائيل".

وأعلن الحمدوك بعد المحادثات التي جمعته مع بومبيو في الخرطوم، أن حكومته "لا تملك تفويضاً" لاتخاذ قرار بشأن التطبيع مع "إسرائيل"، وأن مهمتها "محددة" باستكمال العملية الانتقالية وصولاً إلى إجراء انتخابات.

ووصل بومبيو إلى السودان في رحلة جوية من الكيان الصهيوني مباشرة، واصفاً رحلته بأنها "أول رحلة جوية رسمية مباشرة بين البلدين". والزيارة جزء من جولة إقليمية يقوم بها بومبيو بعدما اتفقت "إسرائيل" والإمارات هذا الشهر (أغسطس) على إقامة علاقات كاملة، وتأتي في وقت تضغط فيه الولايات المتحدة على المزيد من الدول العربية للتطبيع مع العدو الصهيوني.

وأوضحت الخارجية الأميركية أن الوزير سيلتقي رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، ورئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان "لمناقشة دعم واشنطن لحكومة انتقالية ذات قيادة مدنية في السودان، وتعميق العلاقات السودانية الإسرائيلية".

موقف الحمدوك والحكومة السودانية تلاقت معه قوى الحرية والتغيير، التي راهن عليها الشارع العربي والسوداني في تقديم موقف واضح وحاسم ضد التطبيع مع العدو الصهيوني. فيما جاء بيانها متهربًا من تصدير موقف، معتبرًا أن التطبيع ليس من مهام الحكومة الانتقالية، وهو ما يعني انزياحًا خطيرًا في خارطة المواقف السودانية، من رفض التطبيع الى الجدل حول صلاحية وتخويل الحكومة والمجلس السيادي بالتطبيع، ومحاولات من جنرالات الجيش لجرّ البلاد إلى استعجال التطبيع مع العدو.

تعاني السودان من عقوبات فرضتها عليها الولايات المتحدة الأمريكية، منذ تسعينات القرن الماضي، بذريعة إيواء نظام البشير لشخصيات مرتبطة بتنظيم القاعدة، وكذلك ما نسبَته جهاتٌ دولية وحقوقية لنظام البشير من جرائم ارتكبت خلال الحرب الأهلية في إقليم دارفور السوداني، ورغم رفع الولايات المتحدة العقوبات التجارية عن الحكومة السودانية عام 2017، تسعى حكومة الحمدوك لإزالة اسم السودان عن القوائم الأمريكية للدول الداعمة للإرهاب، لتسهيل حصولها على قروض وتمويل دولي لموازنتها، بما يعنيه ذلك فعليًا من ربطٍ للاقتصاد السوداني بشروط البنك الدولي والمانحين الدوليين، وإرهاق البلاد بمديونية ضخمة تضاف إلى مجموع السياسات والكوارث الاقتصادية التي راكمها نظام البشير الفاسد.

جنرالات البشير الباقون على رأس الجيش والمجلس السيادي، والمدعومون إماراتيًا، بينهم العديد من المتهمين بارتكاب جرائم حرب، والمطلوبين للمحاكمة الدولية على هذه الخلفية، وجزء من دوافعهم في اللهاث نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني، هو الحصول على غطاء أمريكي للإفلات من جرائمهم بحق السودانيين، سواء في مرحلة قمع التمرد في دارفور، أو في الهجمات الوحشية التي شُنّت على المتظاهرين والثوار السودانيين، أبرزها مجزرة القيادة العامة 3 يونيو 2019.