المسألة القومية العربية من وجهة نظر المفكر الراحل ياسين الحافظ [1]
تكمن مشروعية التفكير فيما كتب المفكر الراحل ياسين الحافظ من كون فكره راهن ومعاصر لنا من جهة، وقابل لأن يكون أحد مكونات الفكر القومي الديمقراطي العربي في المستقبل من جهة ثانية، فهو يدعونا إلى الارتفاع من مستوى المشاعر القومية العربية إلى بناء الأمة، بما ينطوي عليه ذلك من أساس ديمقراطي لهذا البناء.
لقد أمسك الحافظ بمفهوم التأخر التاريخي للمجتمع العربي، الذي يتجلى سياسيا بغياب الرأي العام وبكونه صاغرا وعزوفا، ويتجلى اقتصاديا بكون الاقتصاد العربي مندلقا نحو الخارج وتابعا، ويتجلى اجتماعيا بسيطرة بنى اجتماعية ما قبل قومية (طائفية، عشائرية، عائلية، محلية..)، ويتجلى فكريا بسيطرة فكر تقليدي تمتد جذوره إلى العصر الوسيط. لذلك فهو ينتقل من نقد "السطح السياسي" إلى نقد "العمق الاجتماعي" الذي يصوغ الحيز السياسي ويفرزه.
وكانت تجربة الحافظ الفكرية والسياسية استمرارا لأرقى التقاليد الوطنية والقومية الراديكالية لأبرز المفكرين اليساريين السوريين (خاصة سليم خياطة ورئيف خوري) وتتويجا لها، بعد أن قام بأكبر عملية نقدية مع أشكال الوعي التحرري العربي الحديث، بتياراته الثلاثة: الليبرالية والقومية والماركسية، من خلال أداته النظرية الناجعة "الوعي المطابق" التي عنت إنتاج وعي عقلاني بالواقع العربي، ومن ثم إنتاج وعي مناسب بحاجات هذا الواقع للتقدم .
لقد أنتج الحافظ خطابا نابضا بالحياة مشبعا بالدلالات السوسيولوجية والثقافية والسياسية والنظرية، فمنح الخطاب السياسي العربي بعدا نهضويا ذا طابع شمولي. وبذلك، حرر الخطاب القومي من البلاغية المترهلة، وأنقذ الماركسية العربية من ضيق العبارة والأفق وتكلس الصيغ، حين استعاد روحها النقدية، بوصفها سؤالاً مشرعاً ضد الثبات والسكون والامتثال والعقائدية المنغلقة على نفسها.
فمع ياسين الحافظ اكتسب الخطاب العربي مفهوما يتجاوز التبسيطات اليمينية واليسارية حول المسألة القومية، يتجاوز المفهوم اليميني الذي يقوم بعملية تدليس بين الوعي القومي الحديث والوعي التقليدي المفوت، والذي انتج مفهوما فيزيقيا عن "الروح الأزلي الخالد"، والذي بدوره غدا ايديولوجيا للتمايز ومعاداة الآخر.
ويتجاوز المفهوم الامتثالي الاقتصادوي الذي يغيب الخصوصية التاريخية لأشكال الانتقال إلى القومية الحديثة. ومن خلال نقده المزدوج هذا ، قدم وعيا جديدا بالمسألة القومية، بوصفها عملية تاريخية تخترق الفرد والمجتمع والثقافة، وليست تجميعا كميا لوحدات مجزأة.
وعلى أساس هذا الوعي فـ"القومية هي الحركة التاريخية التي ترفع سديما بشريا إلى كتلة متجانسة، متلاحمة، مندمجة، تستحق اسم الامة".
ولعل مصدر إشعاع خطاب الحافظ أنه لم يقارب السياسة والمجتمع في العالم العربي إلا من خلال إشكاليته المركزية "التأخر" وبالتالي وعي "النهضة في وجه التأخر".
وفي هذا السياق انتقد الايديولوجيا المهزومة "التقليدوية الجديدة" التي توهمت إمكانية دخول العصر يتجنب الثورة القومية الديمقراطية "المنظور النهضوي" والقفز إلى تبني "المنظور التنموي"، فقال: "ما من شعب حقق تقدما اقتصاديا دون أن يكون قد حقق تقدما مجتمعيا وثقافيا وسياسيا".
لقد كان الحافظ رائدا في التقاط عوامل هزيمة المشروع القومي العربي، حين استعاد الإشكالية المركزية للنهضة عبر سؤال "التأخر"، باعتباره ليس تخلفا اقتصاديا يمكن تجاوزه عبر التنمية، وليس مسألة فقدان أصالة الذات التاريخية التي زلزلت موضوعيا أمام التوسع الكولونيالي، بل المسألة تكمن في التأخر كفوات حضاري يشمل كل بنى المجتمع العربي.
وبسبب هذه الريادة، التي لم تكن مقصورة عليه وحده بالتأكيد، سوف نتوسع في تناول توصيفاته ومقولاته وتحليلاته حول المسألة القومية العربية.
أولاً: نقده للتيار الماركسي (الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي) ودعوته إلى "تعريب" الماركسية، حيث ميز ياسين الحافظ بين الايديولوجيا والمعرفة العلمية، حين أدخل أفكار المفكر الفرنسي التوسير (Althusser) المجال التداولي للفكر العربي، الأمر الذي ساهم في منح خطابه تفردا وخصوصية منهجية علمية متماسكة، فضحت مدى امتلاء الوعي الماركسي العربي السائد بأوهام الايديولوجيا. وقد قدم لوحة أولية تقريبية عن سمات وخصائص كل من النظرتين الايديولوجية والمادية التحليلية.
| النظرة الدوغمائية والايديولوجية | الفكر المادي التحليلي – التركيبي |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
وقد أدت المقابلة بين المنهجين إلى أن يكتشف الحافظ السمات الأساسية للسياسات الصائبة تجاه قضايا المسألة القومية العربية، فحددها بثلاث: القومية، وبناء الديمقراطية، والوعي المطابق بمستوياته الثلاثة (وعي كوني، وعي حديث، وعي تاريخي). ومن الواضح أنه التزم المنهج الماركسي في التحليل، إلا أنه دعا إلى استخلاص تركيبة ماركسية عربية، التي بدونها: "ستبقى الماركسية شيئا برانيا بالنسبة للعرب لا يتغلغل في ثنايا الذهن العربي". ومن ثم دعا إلى ضرورة صياغة أبحاث ماركسية ملموسة عن الواقع العربي، بما يكفل: "تحول الماركسية في المجتمع العربي من شيء براني إلى شيء جواني"، أي: من الماركسية إلى الماركسية العربية، بوصفه أحد الأهداف الأكثر أهمية للثورة العربية".
ومن المنظور الماركسي الديمقراطي أدان الشيوعية العربية التي خاضت معركة الماركسية السوفياتية – الستالينية ضد الليبرالية، دون ان تستوعب أن نقد الليبرالية من موقع متخلف عنها، من موقع المجتمع الذي لم يحقق منجزاتها، لن يكون نقدا اشتراكيا بل "تأخراكيا" ، وتلك سمة ميزت خطابه الماركسي العربي عن الخطاب الماركسي التقليدي.
كما وجه الحافظ نقدا للحركة الشيوعية العربية لأنها وضعت هدف "الوحدة العربية" على الرف حينا وناوأتها حينا آخر، فاحزاب هذه الحركة استلهمت نظرية ستالين عن نشوء القوميات والأمم، والتي قد تصح على تاريخ نشوء الأمم والقوميات الأوروبية، من خلال التعويل على أولوية السوق الوطنية الواحدة والاقتصاد المشترك، لكنها لا تصح على تاريخ الأمم الأخرى ما قبل الرأسمالية. وعلى هذا فالقومية العربية لم تولد في السوق البورجوازية، بل ولدت في "غمار الكفاح المشترك ضد الاستعمار".
وأخذ الحافظ على الشيوعية العربية، أنها كانت في السياق العربي "امتثالية ووثوقية"، لم تنقد الخصوصية التاريخية لواقعها، لتتمكن من التمفصل في إشكالاته المركزية، ولتنتج وعيا خلاقا لهذه الخصوصية، من اجل نقدها ومن ثم تجاوزها. ولهذا عجزت عن إنتاج ماركسية مبدعة خلاقة، ملتصقة بزمنها وتاريخها، مثلما فعلت الانتلجنسيا الفيتنامية والصينية.
وفي محاولة منه لتحليل أسباب عزلة الأحزاب الشيوعية العربية وجد أنها "غير نقدية" و"سياسوية" غفلت تماما عن المسألة المركزية في الواقع العربي: التأخر، وإسقاط واقعة التأخر سيقود ضروريا إلى تشويه الديمقراطية، ومن ثم اختزالها إلى "إصلاح زراعي" لم يفعل في التجربة العربية ما ينبغي أن يفعله من حيث "تحرير الفلاحين من قيم وقيود المجتمع التقليدي القاهرة، مما أدى إلى أن يقف هذا الإصلاح عند حدود "كولكة الريف"، لذلك نعتها بـ"الماركسية المتأخرة".
وانطلاقا من ذلك تساءل الحافظ: لماذا أسقطت الماركسية العربية المؤسسية مقولة التاخر، ولماذا كرست المنظومات التنموية؟
- لأنها "كررت ببغائيا مقولات الماركسية السوفياتية"، التي تجهل بالطبع المشكلات العيانية العربية من جهة، ومن جهة أخرى لأن الماركسية السوفياتية فرضت عليها إشكاليات وهموما لا تمت بصلة إلى الواقع العربي.
- لأنها أسقطت البعد التاريخي للواقع العربي، مما جعلها تضع جانبا مقولات "الاستبداد الشرقي" الماركسية، هذه المقولات التي تقدم أدوات وعي مناسب بجوانب الضعف والقصور، المكونة عبر التاريخ في المجتمع العربي، وتدفع بالتالي إلى التأكيد على المكانة المركزية التي للثورة القومية الديمقراطية في تقدم المجتمع العربي.
- لأنها "اقتصادوية"، وهذا ما جعلها تنكر الأبعاد المجتمعية والايديولوجية والسياسية التي للتأخر العربي، فعجزت عن التقاط تأثيراتها السلبية، بل الكابحة، على محاولات التنمية التي شهدها العالم العربي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
لقد وجد الحافظ أن قصور وتأخر الشيوعية العربية يكمن في أنها لم تتمكن من تجاوز إشكالية المثقف التقليدي والحديث، فكانت تفتقر إلى الحصافة والجذرية في رؤيتها ومواجهتها للواقع التقليدي العربي، كما أنها افتقرت إلى الجذرية في موقفها من الهيمنة الامبريالية، وبذلك لم تكن أقل عجزا من النموذجين الآخرين (المغترب عن المجتمع، والمغترب عن العصر)، لأنها لم تتمكن من "تعريب" الماركسية، كما "فتنمها" الفيتناميون، و"صينها" الصينيون، فكانت في أيديهم سلاح انعتاق من أسر التأخر، وسلاح تحرر راديكالي من الاستعمار.
ولم يكتف الحافظ بتوجيه النقد إلى الشيوعية العربية، بل أبدى طموحه إلى امتلاك الماركسية امتلاكا وطنيا، وقوميا، وتاريخيا، وكونيا، فكانت ترسيمته النظرية عن "الوعي المطابق"، أي المطابق للواقع والمناسب للهدف المرسوم. لذلك اعتبر الماركسية هي الفكر الغربي الوحيد الذي يمكن للمثقف الوطني في "العالم الثالث" أن ينتظم في منهجيته النظرية والمعرفية، دون ان توضع هويته الوطنية أمام سؤال (الأنا والآخر) نظرا لما مثلته الماركسية من فكر نقدي انشقاقي على تراث الرأسمالية وأطماعها التوسعية. أي أنها الفكر الغربي الذي يتيح لمثقف البلدان المتأخرة أن يكون وطنيا بحق، بالدرجة ذاتها الذي يكون فيها كونيا، أي عقلانيا وديمقراطيا، إنسانا يعيش ليس بجسده فقط في حاضر العصر، بل يعيش بعقله مستقبله أيضا، بدون استسلام أو إلحاق واستتباع.
وفي سياق محاولته "تعريب الماركسية" أعلن انتظامه في منهجية عدد من المفكرين الماركسيين، خاصة غرامشي (Gramsci) ولوكاش (Lukacs)، إضافة إلى توظيفه عقلانية ماكس فيبر (Weber) الليبرالية المضادة للماركسية، في خطابه النظري للانتقال من الوعي الامتثالي إلى الوعي النقدي، ومن الوعي الايديولوجي إلى الوعي المطابق.
كما رأى الحافظ أن الماركسية، بعقلانيتها النقدية وميراثها التنويري، قادرة على تغطية الفجوة التاريخية المتمثلة بانعدام فرص تكون طبقة بورجوازية في بلداننا. ذلك أن المستوى التاريخي من "الوعي المطابق" يعلم أن الاشتراكية لا يمكن أن تُبنى على أرضية ومفاهيم ومناهج تقليدية ووسطوية، بل فقط على أرضية ليبرالية. وقد أسس هذا الموقف على الأطروحة الماركسية القائلة: "إن الأمة يجب عليها أن تستخلص درسا من تاريخ أمة أخرى، لكن عندما يصل مجتمع إلى اكتشاف درب القانون الطبيعي الذي يحكم حركته.. لا يمكنه أن يتجاوزه بقفزة ولا أن يلغي بمراسيم مراحل تطوره الطبيعي، بل يمكنه أن يختصر فترة الحمل ويلطف آلام الولادة".
لقد كان طموح الحافظ لإدراج الماركسية في البنية التكوينية للثقافة العربية وطموحه إلى "تعريبها" سابقا لتطور منظومته المعرفية ونضجها النظري والمفاهيمي، بل هو نتاج سيرورة تجربته وممارسته الفكرية والسياسية، وهذه العملية المزدوجة كانت تقتضي فهما جديدا للماركسية، صاغه الحافظ بهدف التأسيس لممكنات نظرية ليسار عربي جديد منذ الستينات، وبلور مفاهيمه ومعطياته في السبعينات في ثلاث نقاط رئيسية هي:
- تعريف الماركسية، لأن إشكالات الواقع العربي لا تجد لها حلا في الموضوعات الماركسية الكلاسيكية، فلا بد لعملية "تعريب الماركسية" من الانفتاح الدائم على الواقع العربي الملموس، حيث ننفي وجود نظرية جاهزة ونهائية.
- علمية وعلمانية الماركسية، إذ أن الانطلاق من الواقع، واعتبار الحقيقة دائما ثورية كامنة في بنية وعي الحافظ، ولذا فهو منذ الستينات يتنبه إلى خصوصيات الواقع العربي (خاصة التخلف الثقافي)، وعليه فإنها تتطلب الجانب العلمي والعلماني من الماركسية للاستجابة لحاجاته للتقدم.. وقد شدد الحافظ على خصوصية المجتمع العربي، بوصفه أشد حاجة لهذه العلمية والعلمانية "لأنه لم يعش المرحلة الديمقراطية البورجوازية على الصعيد – الفكري والثقافي". وقد تعمق فهمه لهذه المسألة بعد خيبته بالمشروع القومي التقدمي، وبعد استفادته من تاريخانية المفكر المغربي عبد الله العروي، وبداية إلحاحه على مسألة التآخر، وتهافت التفسير الطبقوي للقوى التي صنعت الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة، ليبدأ السؤال المرير: أي ثورات صنعنا؟ وأي اشتراكيات بنينا؟
- ثورية الماركسية ورفض الإصلاحية اليمينية، وهنا يشير إلى تمييز الماركسية بين إصلاحيتين: ثورية، وهي التي تنتزع من الرجعية قسما من قواها ومواقعها تمهد لتقويض سلطتها. ورجعية، تصبح في خدمة الرجعية عندما لا تزعزع سلطتها ونفوذها.
وهكذا فإن "تعريب الماركسية" يتحقق عبر عملية اندماجها بإشكاليات الواقع العربي المعاش، وبتواصلها مع حركة الجماهير العربية ومطامحها.
ثانياً: أولوية الفكري والسياسي، وكان ذلك ثمرة تطور وعي الحافظ باتجاه امتلاك قانون "حكم الواقع"، كبديل عن قانون "حكم القيمة"، مما أتاح له إنتاج وعي مطابق لواقع المجتمعات المتأخرة التي يسبق فيها الايديولوجي مجمل العناصر التكوينية لوجودها، وهو بذلك اذ يتفق مع عبد الله العروي وسمير امين وماكس فيبر، بأولوية الايديولوجي في مجتمعات التأخر، مما أتاح له تفكيك المنظومات الساكنة، الإيمانية، التقليدية للماركسيات العربية في صورتها الحزبية المؤسساتية. ومن جهة اخرى، في صدد حديثه عن مظاهر التأخر في المجتمع العربي، ومقارنته بين التأخر السياسي والايديولوجي والعسكري، رأى: "أن البنية السياسية أشد تأخرا من سائر بنى المجتمع الأخرى، رغم أن التأخر الايديولوجي يكمن في أساس تأخر السياسي..".
ثالثاً: توصيف المجتمع العربي، فخلافا للمنطق القومي العربي التقليدي وللمنطق الماركساوي العربي المسفيت، ينطلق الحافظ من أن الأقطار العربية متفاوتة، لا من حيث حجمها ومستوى تطورها الاجتماعي والاقتصادي والحضاري فحسب، بل متباينة أيضا من حيث مكوناتها التاريخية، ومن حيث بنية المجتمع ومدى تلاحمه، ومن حيث عمق الترضيض والحضور الامبرياليين، وبالتالي من حيث إمكانات التقدم ومدى نضوج النزوع الوحدوي. فالعالم العربي فيه ما يمايز وما يماثل، ما ينبذ وما يحفز، فيه المتأخر جدا والمتأخر والأقل تأخرا (ولكن ليس فيه ما هو متقدم البتة، فالعالم العربي كله عالم مفوت) وفيه الفقر الذي يقترب من التسول والغنى الذي يذكر بالأسطورة القارونية: "إن هذا الوطن – العالم سيجد في الوحدة العربية، لا طرق الحفاظ على وجوده فحسب، بل الأرضية الملائمة لتقدمه".
ومن جهة أخرى، فإننا عندما نتحدث عن طبقات في المجتمع العربي إنما نفعل ذلك على سبيل التقريب، فلم: "يشهد مجتمعنا لا الإقطاعية ولا الرأسمالية في صيغتيهما الأوروبية، والبنى التقليدية ما قبل البورجوازية والتطور الرأسمالي المحدود والمشوه مازالت تحجز الاستقطاب الطبقي. لذا فإن ما نسميه طبقات هو في الواقع فئات اجتماعية متشابكة ومتفاوتة في السُلم الاجتماعي، تتصارع فيما بينها وتمارس الواحدة إزاء الأخرى اضطهادا ما أو استغلالا ما".
ومن الخصوصيات العربية التي ركز عليها الحافظ هي السياق التاريخي الذي تشكلت فيه الهوية العربية، إضافة إلى خصوصية أخرى هي نمط "الاستبداد الشرقي" الذي يشكل امتدادا للمخزون الثقافي الجمعي، الذي يحكم اللاشعور المعرفي للمجتمعات التي تحكم الايديولوجيا سيرورة تشكلها وتطورها، وحيث أن الايديولوجي والسياسي في المجتمعات المحيطية كالمجتمع العربي، ما يزال يلعب دورا وازنا تارة وحاسما تارة أخرى.
ولم يكن الحافظ يهدف إلى تأييد هذه الخصوصيات، بوصفها خاصيات لاصقة بهوية الأمة، بل بوصفها ظواهر لا بد من استقرائها، ليكون من الممكن بناء تصور قادر على استبنباط البدائل الضرورية التي تفرضها حاجات الواقع العربي إلى التقدم.
إن هذه الخصوصيات الثقافية التي كانت امتيازا تاريخيا ساعد الأمة في الحفاظ على كينونة وجودها رغم كل التحديات التي واجهتها، فإنها غدت، من منظور تاريخي، عقبة أمام انتقال المجتمع من مرحلة "المللة الدينية" إلى مرحلة "القومية الحديثة".
رابعاً: التأخر و"الفوات" التاريخي: استخدام الحافظ مصطلح "التأخر" بديلا عن مصطلح "التخلف"، لما ينطوي عليه التأخر من معنى نهضوي أبعد من التخلف كمصطلح تقني – اقتصادي، وقد استخدم مصطلح التأخر كمدخل مفهومي أساسي لتوصيف الواقع العربي، فضلا عن إغناء القاموس النظري والسياسي العربي بمصطلحات ذات دلالات عميقة.
وقد ترتب على مفهومه للتأخر العربي صياغة أخرى رائدة لمصطلح "الفوات" الذي يشرح معناه بأنه: "خارج تسلسل وتاريخ الأحداث"، ويدفع به ليتمفصل في السياق الثقافي والاجتماعي التاريخي العربي، وذلك بان: "الشعوب التي تعيش حالة الفوات هي التي يشكل وجودها في عصر معين ضربا من غلطة تاريخية أو مفارقة تاريخية ، باعتبار أنها تعيش في مرحلة تخطتها شعوب أخرى.. الشعوب المفوتة هي الماضي ملقى على هامش الراهن أو الحاضر، هي التي تعيش في غير عصرها".
لقد اعتبر الحافظ التأخر هو المسألة المركزية في الواقع العربي المعاصر، لذلك انتقد "المنظور التنموي" الذي توهم بإمكانية دخول العصر و"تجنب الثورة القومية الديمقراطية التي دشنت العصر الحديث من خلال قلبها وتصفيتها المجتمع التقليدي القديم، وعبر هذه التصفية أمكنها أن ترسي بنى المجتمع الحديث المجتمعية والأيديولوجية والسياسية وإطلاق قواه الإنتاجية.
إن هذه المنظورات التنموية هي "ضرب من محاولة عمل زركشة تحديثية على سطح مجتمع قديم مفوت"، وقد استنتج من تجارب الشعوب المتقدمة أنه: "ما من شعب حقق تقدما اقتصاديا دون أن يكون قد حقق تقدما مجتمعيا وثقافيا وسياسيا".
واستنادا إلى استقرائه لتاريخ الفكر السياسي العربي الحديث وجد أن جماع السياسة العربية متأخر، فالتأخر كامن في البنية السياسية العربية، ليس في المنطق اليميني فحسب، ولا يقتصر على الأقليات العربية الحاكمة: "لسنا إزاء أخطاء فحسب، بل إزاء تأخر، لسنا إزاء سياسات يمينية فقط، بل سياسات لا عقلانية، لسنا إزاء تأخر الأقليات المهيمنة فقط، بل إزاء تأخر البنية السياسية العربية بجماعها". ومن هنا ألح على الحاجة إلى الثورة القومية الديمقراطية التي لا تستدعيها نظرية المراحل، بل تستدعيها لا عقلانية السياسة العربية بجماعها، يمينها ويسارها.
إن التأخر العربي العام جعل العقل العربي، حسب ياسين الحافظ، وكأنه: "برميل بلا قعر، لا يجمع ولا يراكم، مع كل صباح نبدأ تجربة جديدة، وننسى تجربة البارحة".
خامساً: الوعي المطابق، أي تملك السياسات العربية الوعي المناسب لحاجات تقدم الأمة العربية وتحررها ووحدتها، وهو لا يمكن أن يتكون إلا على أرضية الحقيقة الواقعية، وليس الحقيقة التي تنطوي عليها النصوص في اكتمالها المنهجي الداخلي الذاتي. وهو ذو ثلاثة مستويات: أولها، هو وعي كوني. وثانيها، هو وعي حديث. وثالثها، هو وعي تاريخي.
ولم يجد الحافظ حرجا في القول بـ:" ان عبد الله العروي، من خلال منهجه التاريخاني، هو الذي أضاء رؤيته للواقع العربي في بعديه الكوني والتاريخي، وبأنه هو صاحب القول من منظور تاريخاني بتكامل الليبرالية مع الماركسية في سياق تاريخية واقع التأخر العربي، رغم تناقضهما في السياق التاريخي العربي".
إن الوعي الكوني هو فهم الجزء المتقدم من العالم، وخاصة بعد الوحدة التي فرضتها الرأسمالية عليه، انطلاقا من قانون وحدة الجنس البشري عقلا، وتمايزه تاريخيا، وعندها سيتم كشف مدة الفوات التاريخي للخصوصيات المحلية وأشكال تموضعها التقليدية المتأخرة عن العصر: "إن وعيا كهذا الذي هو وعي القسم المتقدم من العالم هو الذي يفتح لشعب متأخر الطريق إلى ولوج العصر. فالوعي المحلوي – القوماوي لأمة مفوتة، هو وعي مفوت، لذا لم يعد كافيا ولا مطابقا لحاجاتها المتمثلة في تحديث بنيانها ورفعها إلى مستوى العصر.. والواقع أن الليبرالية والاشتراكية، على ما بينهما من تكامل وتناقض، وبخاصة الماركسية، ماركسية ماركس، هما الايديولوجيتان الحديثتان اللتان تقدمان مناهج وأدوات وقيم تسهل امتلاك الوعي الكوني المنشود". وحينئذ لا بد من الإرتقاء من الواقع الأقوامي المفتت إلى الواقع الأموي الذي يحقق الإندماج القومي، وينتج وعيا مواطنيا جديدا يستجيب لصورة الأمة/ الدولة الحديثة، في صيغة وعي قومي – عقلاني- ديمقراطي – علماني- حديث.
أما بالنسبة للمستوى الثاني، أي الوعي الحديث فإنه مستدعى جدليا بالمستوى الأول، فلا يمكن امتلاك وعي مطابق بدون امتلاك الحداثة, أي الوعي الحديث، حيث لا يمكن الامتداد مكانيا في العصر دون الامتداد زمنيا في امتلاك وعي العصر: "في البلدان العربية تجنبت القوى التي تريد نفسها تقدمية التعرض للتقليد ورضيت بحداثة قشرية، توضعت فوق التقليد وعقدت مصالحة مدلسة معه، بل ساهمت في بعث التقليد وتجديده، في حين أن الحداثة والتقليد نقيضان ولا يتصالحان، ذلك أن الأولى تتمحور حول المستقبل في حين أن الثاني يتمحور حول الماضي. وواضح أنه يدعو إلى حداثة مطابقة قادرة على التمفصل في بنية المجتمع العربي للاستجابة إلى حاجات تقدمه، وهي تتجسد في ثلاثة أحداث تاريخية: عصر الأنوار، والثورة الفرنسية، والمجتمع الصناعي، والحركة الاشتراكية المسنودة بجملة من المناهج والقيم.
وهكذا فإن الوعي المطابق لدى ياسين الحافظ هو أولاً، عقل وإعقال للواقع، لا يتم الوصول إليه بداهة بل بالتحليل الدقيق للعناصر والمكونات، في حركتها الجدلية الدائمة، وفي التحليل الأخير هو ليس سوى التقاط الواقع في سيرورته التاريخية، في خط تطورها العام. وهو ثانيا، وعي عقلاني، يعتمد العقل منطلقا ووسيلة، ويستبعد الرؤى المثالية أو الإشراقية. وهو ثالثا، وعي نسبي، لا يدعي الحيازة على الحقيقة المطلقة، إنه وعي يقترب من الواقع يلتقط ظاهراته ويحللها، ومن ثم ينقدها ليصل إلى تكوين تصور مفهومي يعاد اختباره في الممارسة، ويتم تصويبه على أساسها، والمفاهيم لدى الحافظ هي: "توسطات ضرورية تجعل الواقع المتنوع والمعقد جاهزا للوصف والتحليل، وليست أقانيم للعبادة والتقديس، توسطات ضرورية، لكنها ليست الواقع". وهو رابعا، وعي حديث، تكمن أهميته في مجتمع متأخر تشكل الأنماط التقليدية فيه هيمنة وسيادة، ليس على الفئات الرجعية وحسب، بل هي متجذرة أساسا في وعي الكتلة الشعبية الأكثر فقرا، وهذا ما يفاقم تأخرها، ويعيد إنتاج خضوعها للطبقات السائدة من جديد، وهو وعي يجب كسبه باستمرار في معركة دائمة مع الذهنيات والبنى التقليدية، ومع القوى والمؤسسات التي تحرسها من جهة أخرى. وهو خامسا، وعي نقدي في رؤيته لظواهر الوقع، يؤكد على الصحيح، وينقد ويقوم العوج، ويترك الخاطئ، أي إنه وعي يتجاوز نفسه باستمرار. وهو سادسا، وعي تاريخي، يمكن الحكم عليه بمدى مطابقته لحاجات تقدم الواقع، ومدى تمثيله لحركة الضرورة التاريخية، التي تصبح في حال وعيها إحدى صور الحرية، وأحد حدودها. وهو سابعا، تراكمي لا يمكن اكتسابه دفعة واحدة، بل عبر الاستفادة النقدية من التجارب التاريخية، وعبر تصويبه في علاقته بالممارسة.
سادساً: الاشتراكية والمنظور التنموي ونقد التجربة الناصرية: لقد كانت قراءة الحافظ للناصرية في كل مراحل نجاحاتها وإخفاقاتها، وهذا ما يفسر حديثه في سيرته الذاتية: "موقفي من الناصرية: دعم ونقد، ترج ويأس". فمن جهة ، اعتبر النظام الناصري يلعب دورا تقدميا أساسيا في الكفاح العربي العام، حين فتح أمام تطور العرب آفاقا واسعة جديدة، وحول القومية العربية إلى قوة تاريخية، وفتح إمكانية عملية لتحقيق الوحدة العربية. ومن جهة ثانية، فإن التجربة الناصرية ليست رائدة، فالنظام الناصري ليس النظام الثوري النموذجي، بسبب فقره الايديولوجي، وافتقاد أهدافه الاشتراكية لدقة الوضوح والتحديد، وبسبب إغراقه في البيروقراطية، وانعدام النفحة الشعبية في أساليب نضاله وأدواته.
ومن خلال واقعيته الثورية، التي تذهب من الواقع إلى الهدف، كان الحافظ سباقا في إدراك رغبة الإمبريالية الأمريكية وإسرائيل أن تقضيا على الناصرية، رغم ما كان يراه قصورها. ولكن الحافظ وجه نقدا عميقا لأزمة علاقة الناصرية بالديمقراطية، فعندما أعلنت الثورة المصرية الميثاق الوطني في العام 1962 وصفه الحافظ قائلا: "جاء على شكل أبوي، فكانت علاقة الثورة مع الجماهير علاقة وصاية، أي التزام مصلحة الجماهير والوصاية عليها في نفس الوقت، لم يتح خلق الجماهير الواعية لمصالحها الطبقية، بل خلق الجماهير المتحمسة السديمية.." وفي الوقت نفسه انتقد ما يسمى بـ"الاشتراكية العربية"، إذ أنها افتقدت إلى قاعدة ديمقراطية، وبالتالي أصبحت "تأخراكية"، ذلك لأن الاشتراكية عندما تبنى على أرضية وسطوية لا يعود يجمعها نسب بالاشتراكية في صورتها الأصلية، باعتبارها فرع من الديمقراطية والتحقيق الأمثل لها.
وفي هذا السياق فإن الحافظ انتقد "المنظور التنموي" عندما مسخ مفهوم النهضة إلى "التنمية الاقتصادية" التي طمست كل أبعاد مسألة التأخر العربي. فالمشكلة، حسب ياسين الحافظ، هي مشكلة (تأخر / حداثة)، لا مشكلة "اقتصادية" (تخلف / تنمية)، مشكلة حضارية (فوات / معاصرة) وليست إشكالية تراثية (أصالة / معاصرة). وهو يعيد جذور المنظور التنموي إلى قصور وعي دعاته، الذين اعتقدوا بممكنات تجاوز مشكلة التأخر عبر الخيار "الاقتصادوي" والتقني، ولكن من خلال الحفاظ على البنية التقليدية ومنظومة القيم المرافقة لها.
سابعاً: هزيمة يونيو/ حزيران 1967: يُعتبر كتاب الحافظ "الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة" من أهم المقاربات العربية للهزيمة، ففي تعليقه على لقاء عدد من "المثقفين" تحت اسم" لقاء المفكرين العرب"، وتحت شعار "الإعداد لمعركة التحرير" قال: "لقد عكست مناقشات هذا اللقاء الواقع الفكري المتخلف، السطحي الممزق، الراكد، الذي لم يخترقه العصر ولم يشعر جديا بإنسياب الزمن، وبالتالي فإن المرء ليكتشف في المناقشات جذور الهزيمة في عقولنا اللاعقلانية وفي ثقافتنا، الهجينة، السطحية والمتيبسة".
وفي محاولة منه لوضع اليد على مكمن الخلل، بعيدا عن نظرية المؤامرة التي راجت في العالم العربي، وجد الحاظ أن التكنولوجيا الحديثة بدون قاعها التاريخي المعرفي، العقلاني، الثقافي، وتمازج سيرورات هذه العناصر، ليست إلا حديد "خردة" في اليد الجاهلة. فمشكلة العرب هي القطيعة بين تكنولوجيا الأسلحة الحديثة وقاعها الثقافي العقلاني الحديث.
ثامناً: نقد التيار القومي التقليدي وبلورة قضايا المسألة القومية العربية: إذ رأى أن هذا التيار لا تاريخي، حين لم ير الجذور التاريخية، السابقة للاحتلال الاستعماري، لبعض الكيانات الإقليمية العربية المميزة، ولا مفاعيل الهيمنة الامبريالية وقوانين عملها في العالم العربي. وقد وصف رؤية هذا التيار على النحو التالي: "نحن العرب نشكل أمة واحدة، يجمعنا تاريخ طويل، تربطنا لغة واحدة، نعاني آلاما واحدة، تحركنا آمال واحدة، ينتظرنا مصير مشترك، وما التجزئة سوى صنيع الاستعمار؛ ما دام الأمر كذلك، فمن الطبيعي، بل من الحتمي، مهما راوغ القدر، أن يؤطرنا، بعد زوال الاستعمار ورواسبه، كيان سياسي واحد".
وبعد أن أقر بصحة مقدمة هذه الأطروحة، قال: "إن بناء دولة تؤطر أمة واحدة يتوقف، مع جملة عوامل أخرى، على وعي هذه الأمة ضرورة وحدتها. فالحتمية الوحدوية إنما تنبع، إذا لم تواجه بعرقلات أخرى، من وعي اجزاء الأمة ضرورة وفائدة الواحدة، فضلا عن الإرادة".
ومن منظور تنويري، انتقد الحافظ التيار القومي التقليدي، كما ظهر واضحا في كتابات ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، حيث: "أدانت بلا تحفظ الثورة الفرنسية ورأت بذور التفكير الفرنسي، الدخيل على العرب والمشوه لتفكيرهم، قد سمم النهضة العربية الحديثة منذ ولادتها، بدخوله مصر مع حملة نابليون بونابرت". كما أشار إلى أن هذه الايديولوجيا القومية رفضت الماركسية وأدانتها، انطلاقا من النظر إليها بوصفها: "ذات أصول أوروبية صرفة تمثل نزعة إنسانية".
والقومية، بالنسبة لياسين الحافظ، ليست ايديولوجيا، كما حاول الفكر القومي التقليدي أن يصوغ أصالتها من خلال ترجمة هذه الأصالة عن الفكر الألماني "الروح الأزلي الخالد". وهي ليست تجميعا كميا لوحدات وكيانات مجزأة، بل هي عملية تخترق الفرد لتجعل منه مواطنا، وتخترق المجتمع المكسر عموديا في أنساق سوسيولوجية تعود به إلى نظام القرابة الدموية البدوية، لتضعه في أنساق اجتماعية حديثة. والقومية، أخيرا، تحقيق لذات الأمة، بالدرجة نفسها كتحقيق لذاتية الفرد الحر المسؤول امام القوانين، إنها تحقيق لمفهوم سيادة الفرد على مصيره، وسيادة الأمة على مصائرها. وعلى هذا فـ"الأموية"، في فكر الحافظ، ليست شعورا متمحورا حول السيادة القومية إزاء الخارج فقط بل إنها: "شعور ووعي متمحوران حول سيادة الأمة في الداخل، سيادتها على نفسها".
إن "الأموية" ليست، كما يتداولها الخطاب القومي": "رابطة سلبية أو تضامن سلبي تتخذه جماعة بشرية إزاء جماعة بشرية أخرى مغايرة أو معادية، أي ليست شيئا من قبيل نزعة كره الأجنبي، التي لازمت وتلازم الجماعات البشرية التي تعيش مرحلة ما قبل الأموية".
فإذا كانت "رابطة الدم" أو "نظام القرابة كانت تسود قبل مرحلة "الأموية"، فإن الأمم الحديثة تكونت تاريخيا وحلت تدريجيا محل نظام القرابة، وأنشأت الدول القومية الحديثة.
وهذا النمط من الأمم الحديثة يفرز روح المواطنية، التي تتبدى في صيغة: "الدولة الأموية الديمقراطية العقلانية ومؤسساتها ممثلة للأمة ومصالحها العامة، فهي إذن: "وعي المرء وشعوره بأنه عضو في جسد جماعة إنسانية معينة.. بأنه ند للآخرين.. متساوٍ في الحقوق والواجبات أمام القانون الذي يعبر عن إرادة الأمة".
لقد قام الحافظ بتقصي سير تطور الأمة العربية، للتعرف على الخصوصية التاريخية التي ميزت خط تطورها المميز في إطار المقارنة التاريخية بين خطوط السيرورة الكونية، فوجد أن العامل الذاتي الثقافي (الإسلام) هو عامل التفاعل والصهر. ففي ظله، كتراث حضاري وثقافة مشتركة وتكوين نفسي مشترك، تبلورت الثقافة المشتركة والتكوين النفسي الحضاري، لكن الحركة القومية العربية استيقظت تحت تأثير الفكر الأوروبي، ثم اكتسبت زخما أشد ضد محاولات التتريك أولا ثم ضد اضطهاد السيطرة الاستعمارية ثانياً. وعلى هذا، فإن الحركة القومية العربية لم تستيقظ في "غمار نضال طبقي حاد" كما جرى في أوروبا، والبرجوازية العربية لم تتطور إلى الحد الذي تجعل مقتضيات السوق الواحدة تتحول إلى أداة هدم بين الأقطار العربية، ليخلص من ذلك إلى مغايرة أخرى لسياق التطور الأوروبي هي "أن القومية العربية لم تولد في السوق"، وبالتالي فإن الوعي القومي العربي سبق التطور الاقتصادي العربي.
إن الخصوصية الثقافية التي مهرت شكل تكون الأمة ووعيها القومي، المتمثلة بالدور الايجابي للإسلام، غدت، في المنظور القومي الديمقراطي العلماني لياسين الحافظ، الجذر الأساسي للفوات التاريخي، بمثابتها: "تعبيرا عن وعي سكوني لمجتمع تقليدي، وعي رؤية دورانية لحركة التاريخ".
لقد ربط الحافظ صلة وثيقة بين التقدم والوحدة العربية، فـ"العالم يغذ الخطى نحو تكوين كتل كبرى من الشعوب، وستبقى "الشعيبات" على هامش التاريخ". فلا يمكن تصور تنمية ناجحة إلا في تجمعات كبرى: "إن الأقطار العربية، الكبيرة منها بخاصة، قد تستطيع ، في أحسن الأحوال، تطوير صناعتها القائمة إلى هذا المدى أو ذاك، إلا أنه سيصعب عليها، في ظل التجزئة، أن تتعدى حدود الصناعات التي قامت في أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين. أما الصناعة العصرية التي جاءت نتيجة الثورة الصناعية الثالثة، فمن الصعب جدا، إن لم أقل من المستحيل ، أن تقوم في ظل التجزئة".
إن الأقطار العربية، عندما توضع ضمن مقاييس عالمية، مخالفة لوجهة العصر، فـ:"إن على أولئك الذين يحبون الصناعة الثقيلة والتصنيع الثقيل أن يحبوا الوحدة العربية التي تعتبر الشرط الأولي واللازم لقيام هذه الصناعة".
إن المنظور الوحدودي لياسين الحافظ يزن كل تناقضات الواقع العربي، ويستشرف كل سبل الخلاص العربي، أي تلافي التأخر التاريخي المتراكم للشعوب العربية. وفي هذا السياق حدد الميول الجاذبة في السيرورة الوحدوية بثلاثة ميول:
أولها، شعور هؤلاء البشر المتشرين من الخليج إلى المحيط بأنهم ينتمون إلى أمة واحدة ويجمعهم مصير مشترك، ولا شك أن هذا الشعور يتفاوت من حيث عمقه ووضوحه بين قطر وآخر، أو إقليم عربي وآخر، فمثلا ليس من المناسب تجاهل الفجوة التاريخية بين المشرق والمغرب العربيين، التي قامت منذ القرن الثامن الميلادي، حيث أنشئت الدول المغاربية المستقلة عن الدولة العباسية (الأغالبة، الرستميون، الأدارسة، بنو مدرار)، إلى أن جاء الاستعمار الفرنسي فعمل على: "تعميق وتوسيع هذه الفجوة وصياغة غطاء ايديولوجي لها، مارس تأثيرا ضاراً عميقا على صعيد الثقافة في صفوف الأنتلجنسيا المغربية، كما قام بعملية بتر كامل على صعيد الاقتصاد عبر إمكانية إلحاق الطرف المستعمر بالمركز المستعمر"، وفي الوقت نفسه من المغالطة إنكار وزن الرابطة العربية في المغرب العربي.
وثانيهما، يتمثل في العامل الخارجي، أي مفاعيل الهيمنة الإمبريالية وضغوطها ونهبها للشعوب العربية، بما يشحذ النوازع الوحدوية، ويوجه حدها ضد سائر أشكال نفوذها: "إن الإمبريالية قد جزأت الوطن العربي وولدت وحدته من جديد".
وثالثها، يتمثل في النزوع العربي إلى التقدم، إلى دخول العصر، إلى تأكيد الذات.
أما الميول النابذة للسيرورة الوحدوية فقد حددها الحافظ بخمسة:
أولها، التأخر العربي العام.
وثانيها، الهيمنة الإمبريالية ومحاولتها ممارسة ضرب من التجميد للاحتمالات الوحدوية السياسية، فالعداء للوحدة لا يحرك سياسات الدول الامبريالية وحدها، بل: "يحرك أيضا، وبعداء أشد ، سياسات الدول المجاورة للوطن العربي: إسرائيل، إيران تركيا ، الحبشة.. ولعل موقف إسرائيل يشكل الحالة القصوى".
وثالثها، واقع التجزئة والمقاومة التي يبديها والذي: "لا يتمثل فقط بمصالح الأشخاص والفئات الراكبة على بنية سياسية ما قائمة، بل يتمثل أيضاً، وفي كيفية أوزن وأشد تأثيرا، في الأيديولوجيا الإقليمية".
ورابعها، يتمثل في الأيديولوجيات الضمنية أو الصريحة للأقليات الدينية والقومية في العالم العربي، وهي مسألة غير ممتنعة، وبخاصة موقف المواطنين العرب المسيحيين أو موقف الفرق الاسلامية غير السنية: "إن التأكيد على علمانية الحركة القومية العربية ودولة الوحدة العربية والنضال لتطبيقها سيفتح أرحب السبل لحلها بدون تأخير وبجدية". أما مشكل الأقوام غير العربية: "فينبغي أن يحل على أساس مصلحة الوحدة العربية والإندماج القومي العربي".
وخامسها، يتمثل في شخصنة السلطة التي: "أصبحت تظاهرة غالبة في الميدان السياسي العربي"، لأن السلطة المشخصنة: "لا بد أن تستخدم سائر العوامل والعناصر المؤاتية للتجزئة في سبيل تدعيم مواقعها. كما رصد الحافظ عاملين آخرين يشكلان نقطتي ضعف وثغرتين تجعلان السيرورة الوحدوية أكثر صعوبة:
أولهما، افتقار العالم العربي إلى تطور بورجوازي حق.
وثانيهما، ضعف دور القطر العربي – المركز، أو القائد للعملية الوحدوية.
تاسعاً: الدولة الحديثة، وهي تندرج ضمن رؤية ياسين الحافظ للثورة القومية الديمقراطية، بما تنطوي عليه من إمكانية امتلاك وعي مناسب بالواقع، ووعي مطابق لحاجات التقدم العربي. لهذه الأسباب فإن دعوته إلى الدولة الحديثة تمثل استجابة لحاجة الواقع العربي إلى تجاوز فواته التاريخي، حيث يبدأ ذلك بتحديث السياسة بـ"الديمقراطية" وتحديث الثقافة بـ"العلمانية" و"العقلانية"، وفي ذلك يقول: "الديمقراطية لا يمكن أن تؤجل أو تقنن، ولا توضع على الرف اليوم بزعم ممارستها غدا عند النضج، فالنضج السياسي وليد الممارسة الديمقراطية بالدرجة الأولى، فالديمقراطية اليوم هي أمر لا بد منه للديمقراطية غدا، لأن ممارسة الديمقراطية على نحو ناضج مسؤول ومنضبط، لا يمكن أن يتهيأ إلا بالممارسة الدائمة، فلكي نتعلم السباحة غدا، يجب أن نمارسها اليوم".
أما العلمانية، فهي تحضر لدى الحافظ بمثابتها منظومة متكاملة، تستدعي جميع ميزات التجربة التاريخية للأمة: معرفيا، واجتماعيا ، وسياسيا. فهي على المستوى المعرفي معادل للعقلانية، فهي: "تؤمن بالاكتشاف التدريجي للحقيقة سواء في الطبيعة أم بالمجتمع، بواسطة العقل وحده تحت رقابة التجربة. وبدون هذه العقلانية ما كان للعلوم أن تتقدم هذا التقدم المذهل، وبالتالي لا يمكن للعلم أن يتقدم في مجتمع يرفض هذه العقلانية. فالعلمنة إذن إحدى التظاهرات الفرعية لعملية عقلنة المجتمع.
وهنا نلاحظ أن التلازم الذي طرحه بين القومية الحديثة والعلمانية، لم يتوقف عند حدود السطح السياسي، والترسيمات المحدودة عن "فصل الدين عن السياسة" بل استعاد المنظور المعرفي دوره، بوصفه أساسا جوهريا لبناء الدولة القومية الحديثة، وهكذا توصل الحافظ إلى منظومته الفكرية بعد ممارسة النقد للاديولوجيا على مستويين:
أولهما، نقد الأيديولوجيا التقليدية السائدة في المجتمع، هذه الأيديولوجيا المفوتة التي تكرس روح الامتثال والعزوف، وتحول المجتمع إلى كتلة هامدة خارج أسوار العصر وتفاعلاته، هذه الأيديولوجيا هي التي تحدد موقف الإنسان العربي من (الشغل، المرأة، الطبيعة، الوقت.. إلخ)، وهي التعبير الفكري عن التأخر التاريخي العربي.
وثانيهما، نقد أيديولوجيا الانتلجنسيا العربية، إذ رأى أنها أيديولوجيا مستلبة بسبب كونها إما أيديولوجيا سلفية أو أيديولوجيا اغترابية. وفي تناوله لهذا المستوى ميز الحافظ بين محاولتي نهضة شهدهما العالم العربي: الأولى، التي قادها محمد علي باشا، والتي حمل جيلها أيديولوجيا "تقليدية" . والثانية، التي مثلتها وقادتها التجربة الناصرية، والتي حمل جيلها أيديولوجيا "تقليدية جديدة"، لم تشكل تجاوزا بالمعنى التاريخي للأيديولوجيا التقليدية.
لقد ميز الحافظ ثلاثة تيارات رئيسية:
- تيار إسلامي ، تراثي، سلفي: "يكره الحاضر، ويرى بخوف إلى المستقبل ، ويتطلع بشوق وحنين وتقديس إلى الماضي".
- تيار قومي أو "قوماوي": "قومي في أهدافه، شبه عصري في نواياه وشبه تقليدي في واقعه، وتلفيقي في منهجه.. تحت وطأة العصر وإذلاله أصبح يرنوا إلى هذا العصر، ولكن ثقل رواسب الماضي يجعل سعيه إلى ولوج العصر أشبه بسعي المهربين، إذ يريد الدخول إلى العصر خلسة عن أعين الماضي أو بمباركة منه". (البعث).
- ماركسي أو "ماركساوي": بقي هامشيا ولم يستطع الإنغراس في متن الأمة، وذلك نتيجة نهجه الدوغمائي واغترابه كوعي، وافتقاره إلى عمق ثقافي وبعد تاريخي.

