Menu

التفوق العسكرى النوعى وحصانة السلام

د. محمد السعيد إدريس

نقلا عن صحيفة الأهرام المصرية

تكشف ردود الفعل الإسرائيلية العصبية على ما جرى تسريبه من معلومات بخصوص وجود بنود سرية فى ما يسمى بـ "اتفاق السلام" بين الإمارات وإسرائيل من بينها تعهد الولايات المتحدة بإمداد دولة الإمارات بكمية كبيرة من الأسلحة الأمريكية المتطورة تضم، علاوة على مقاتلات "اف- 35" (الشبح) طائرات خاصة بالحرب الإلكترونية وطائرات مسيرة من طراز "أم-كيو" (أهم طائرة تجسس أمريكية)، إلى أى مدى يعيش كيان الاحتلال الإسرائيلى "خطر تهديد وجوده"، بمعنى وجود إدراك كامن فى الشعور النفسى الداخلى للإسرائيليين بأن هذا الكيان "القوى جداً"(!!!!) يمكن أن يزول من على الوجود بفعل أحداث وتطورات لا يستطيع أحد التنبؤ بها ولا متى ستحدث لكنهم يعيشون الخطر داخلهم فى كل لحظة، على العكس تماماً من كل ما يجرى ترويجه من أكاذيب حول "القوة الإسرائيلية التى لا تقهر" وعن "الدولة الإقليمية الكبرى المهيمنة فى الشرق الأوسط".

أسئلة كثيرة تترتب على هذا الإدراك الذى تكشف، عفوياً، بقوة خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، وبالذات منذ أن أفصحت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مضامين صفقة الأسلحة الأمريكية المتطورة التى من المفترض أن تقدمها واشنطن لدولة الإمارات كمكافأة لها على انخراطها فى مسيرة تطبيع العلاقات مع إسرائيل فى هذا الوقت بالذات شديد الحساسية للمعركة الانتخابية التى يخوضها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب. من أبرز هذه الأسئلة: هل بمقدور إسرائيل أن تكون دولة حماية لغيرها من الدول فى المنطقة؟ هذا السؤال يترتب على سؤال آخر هو: هل تستطيع إسرائيل منفردة أن تحمى أمنها؟ بمعنى آخر هل إسرائيل تستطيع أن تكون إسرائيل، بكل ما يعنيه هذا الاسم، دون أن تكون "محمية أمريكية".

هذان السؤالان يفجران أسئلة أخرى كثيرة مستقبلية تتعلق بمستقبل توازن القوى الإقليمى خاصة بين إسرائيل وكل من إيران و تركيا فى حال حدوث تحول فى أولوية إقليم الشرق الأوسط بالنسبة للإستراتيجية الكونية الأمريكية، ومن ثم وزن إسرائيل ضمن مجمل المصالح الأمريكية الإستراتيجية.

ولهذا السبب يعمل الإسرائيليون، بكل جدية للحيلولة دون حدوث أى اهتزاز، ولو محدود، فى مكانة إسرائيل ضمن أولويات السياسة الأمريكية والتزاماتها، ويعملون ثانياً من أجل تأسيس روابط تحالفية موازية مع القوى العالمية الصاعدة خاصة الصين وروسيا لتكون رديفاً للقوة الأمريكية فى حال حدوث أى تراجع فى الالتزامات الأمريكية نحو إسرائيل، ويعملون ثالثاً على امتلاك القوة المتفوقة القادرة على الردع المطلق، وهنا يتبين أهمية وحرص إسرائيل على أن تمتلك منفردة، دون غيرها من الدول الشرق أوسطية، السلاح النووى، باعتباره الورقة الأخيرة للدفاع عن وجود إسرائيل ضد أى خطر يتهدد هذا الوجود، وهذا يفسر السر وراء العداء الإسرائيلى المفرط ضد إيران، وإصرارها على عمل كل شئ، بمعنى كل شئ، لمنع إيران من امتلاك السلاح النووى. وإلى جانب التفرد بامتلاك السلاح النووى يحرص الإسرائيليون على امتلاك التفوق النوعى فى التسلح ضد كل الدول العربية مجتمعة. هذا التفوق النوعى حصلت عليه إسرائيل ليس فقط بضمانة أمريكية ولكن بقانون أمريكى يفرض على الولايات المتحدة أن تحافظ على إمداد إسرائيل بكل الأسلحة التى تجعلها متفوقة عسكرياً على كل الدول العربية. هناك مسعى إسرائيلى رابع لتدبر تداعيات حدوث أى تراجع فى الحماية وليس فقط الدعم الأمريكى لإسرائيل وهو تأسيس تحالف إسرائيلى مع الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة والمرتبطة تاريخياً ومصلحياً بالسياسة الأمريكية، يكون هدفه الأساسى ليس فقط التصدى لأعداء مشتركين (إيران بالتحديد) ولكن أيضاً "شرعنة الوجود الإسرائيلى" على أرض فلسطين وتطبيع العلاقات معها، والعزل النهائى للقضية الفلسطينية بعيداً عن التأثير على مجرى هذه العلاقات.

ضمن هذا كله جاء الذعر الإسرائيلى من تسريبات وجود وعود أمريكية لبيع الإمارات أسلحة متطورة من بينها طائرات "اف- 35" التى تحظر إسرائيل على الولايات المتحدة بيعها لأى من الدول العربية حفاظاً على التفوق النوعى العسكرى الإسرائيلى. وكان المؤتمر الصحفى الذى جمع مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكى فى القدس المحتلة (24/8/2020) مع بنيامين نتنياهو فرصة ليؤكد نتنياهو للرأى العام الإسرائيلى وفى وجود بومبيو أن "الصفقة مع الإمارات لم تشمل قبول إسرائيل بأى صفقة أسلحة". وقبل ذلك بأربعة أيام (20/8/2020) أصدر مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية بياناً مفصلاً أكد فيه أن اتفاق التطبيع مع الإمارات لا يشمل بيعها مقاتلات "اف- 35" ولا يتضمن أى صفقات عسكرية معها، وجاء فى البيان "لقد أكدت الولايات المتحدة لإسرائيل التزامها بالحفاظ على التفوق النوعى (العسكرى) لإسرائيل"، لكن يبدو أن الوعود الأمريكية للإمارات صحيحة، لكنها وعود فى إطار الالتزام الأمريكى بالحفاظ على التفوق النوعى العسكرى الإسرائيلى.

جاء ذلك أولاً على لسان ديفيد فريدمان سفير الولايات المتحدة لدى الكيان الإسرائيلى الذى أدلى بتصريحات مهمة لصحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية أكد فيها أمرين، الأول "أن أى صفقة مستقبلية للأسلحة المتقدمة للإمارات بما فى ذلك مقاتلات (اف- 35) ستكون مشروطة بضمان التفوق العسكرى لإسرائيل" والثانى، أن "الولايات المتحدة ستضمن احتفاظ إسرائيل بتفوقها العسكرى فى المنطقة إذا حدث أن بيعت طائرات (اف- 35) الأمريكية للإمارات".

واستدرك فريدمان قائلاً أنه "رغم أن من الممكن افتراضياً أن تحصل الإمارات، يوماً ما، على الموافقة على بيعها طائرات (اف- 35) فإن عملية التصنيع والشراء ستستغرق سنوات طويلة".

وجاء المعنى نفسه على لسان وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو فى لقائه مع نتنياهو فى القدس المحتلة (24/8/2020) فمن ناحية حفظ للإمارات "حقها فى الدفاع عن نفسها ضد إيران" فى إشارة إلى أن إيران وليست إسرائيل ستكون المستهدفة بهذه الأسلحة، ومؤكداً أن ذلك "سيكون ضمن المحافظة على التزاماتنا تجاه إسرائيل". وقال بوضوح شديد "لدى الولايات المتحدة التزام قانونى فيما يتعلق بالتفوق النوعى العسكرى لإسرائيل، وسنواصل احترام ذلك". وجاء روبرت اوبراين مستشار الأمن القومى الأمريكى ليزيد فى تأكيد معنى هذا الالتزام بأنه ليس مقصوراً فقط على التسلح بل بدعم كل ما يحافظ على أمن ووجود إسرائيل. ففى مؤتمر صحفى جمعه برئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو فى القدس المحتلة الأحد (30/8/2020) بحضور جاريد كوشنر مستشار الرئيس ترامب قبيل ذهابهما معاً على أول طائرة إسرائيلية إلى أبوظبى أكد أن الرؤية الأمريكية للسلام فى الشرق الأوسط تؤكد على سيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان وجعل الاستيطان (فى الضفة الغربية المحتلة) حقاً إسرائيلياً".

هذه الطمأنة الأمريكية تكشف حقيقتين الأولى أن ما يسمى بـ "الأمن الإسرائيلى" سيصبح وهماً بدون التعهدات والضمانات الأمريكية. فالتفوق الذى تتباهى به إسرائيل ليس تفوقاً إسرائيلياً ولكنه التزام أمريكى، وما حدث فى حرب أكتوبر 1973 يؤكد ذلك، الأمر الذى يحرصون دائماً على تجاهله واخفائه وهو أنه "لولا التدخل العسكرى الأمريكى المباشر لتعرضت إسرائيل لهزيمتها التاريخية"، الثانية أن هذا التفوق يجرى تسويقه إسرائيلياً وأمريكياً لردع الإرادة العربية وفرض المشروع الإسرائيلى للسلام، أو ما بات يعرف بعد "صفقة السلام الإسرائيلى- الإماراتى" بـ "مبدأ نتنياهو" الذى يقول بـ "السلام مقابل السلام وليس السلام مقابل الأرض".

من هنا جاءت إجابة الجنرال عاموس جلعاد الرئيس السابق للدائرة السياسية والأمنية بوزارة الدفاع الإسرائيلية على سؤال: لماذا تحرص إسرائيل على التفوق النوعى؟

وكانت إجابته أنه "كلما حافظت إسرائيل على تفوقها النوعى، يتعمق الاستقرار وتتعمق حصانة السلام" وهذا ما حرص مايك بومبيو على تأكيده فى إشادته بصفقة "السلام" بين الإمارات وإسرائيل بقوله أن "هذا الاتفاق يثبت أن المنطقة تتغير" وأن الدول العربية "باتت تعرف أن إسرائيل باقية هنا ومن الطبيعى أن تتعامل معها".

هل ما يراه الجنرال جلعاد والوزير بومبيو يمكن أن يكون بمثابة "الحقيقة الأقرب إلى الوهم"؟

الإجابة تقودنا إلى البحث فى الجانب الآخر من المعادلة، أى الجانب الذى لا تستطيع فيه الولايات المتحدة تأمين التفوق النوعى العسكرى الإسرائيلى على دول ليس لواشنطن دور فى تسليحها، سواء كانت تعتمد على نفسها فى التسليح، أو تحصل من مصادر دولية أخرى (روسيا والصين وكوريا الشمالية مثلاً)، على الأسلحة القادرة على كسر هذا التفوق النوعى الإسرائيلى.  ولعل هذا ما يفسر خشية الأمريكيين والإسرائيليين من حدوث اختلال فى توازن القوى الإقليمى لغير صالح إسرائيل وكسر معادلة التفوق النوعى العسكرى الإسرائيلى ومن ثم دحض طموح الإسرائيليين فى حصانة السلام الذى يأملونه لسبب بسيط أنه سيبقى سلاماً بدون حصانة.