Menu
حضارة

حول مفهوم الثقافة في الأنتربولوجيا

بوابة الهدف_ وكالات

باسكال بيرينو- أستاذ في العلوم السياسية

ترجمة: عبد الكريم وشاشا- كاتب ومترجم من المغرب

مارسيل موس (Marcel Mauss):

ينبغي أولاً وقبل كل شيء تعيين حدود حقل البحث، لكي نعرف عن أيّ شيء نتحدث. إن مثل هذا التعريف هو المرحلة الأولية من البحث، من حيث أنه يشكل تقنية موضوعية وأيضًا قطيعة تجاه المنطق العام.

بيير بورديو (Pierre Bourdieu):

"اللغة العادية وبعض الاستخدامات العلمية للكلمات العادية تشكل المسرب الرئيسي للتصورات الشائعة في المجتمع، وعلى هذا الأساس فإن النقد المنطقي المعجمي للغة هو الذي يؤمّن الشرط المسبق والضروري لصياغة المفاهيم".

ليس غرض  هذه الورقة هو عرض مختلف "التعريفات الأولية"  لمفهوم الثقافة الذي يتم استعماله في مجال الأنتربولوجيا أو القيام باختيار واحد منها بمعايير علمية.. بل سيكون هدفها بشكل أساسي تحديد المجال النظري لمفهوم الثقافة كما هو، أي كما أنتجته الممارسة العلمية للأنتربولوجيين في نهاية القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين. 

يتكون حقل الاشتغال هذا، من عنصرين:

  • التعريفات المختلفة لكلمة "الثقافة" واستخداماتها في قضايا مختلفة: التثاقف (acculturation) أو المثاقفة، التنوع الثقافي، التواصل الثقافي...
  • التصورات المختلفة التي تدور حول مفهوم الثقافة في مقابل تلك التي تتميز فيما يتعلق بها (الحضارة، التقدم...) أو تلك التي تطرح في مواجهة (الطبيعة، الشخصية...)
  • لذلك سنحاول وصف مجال البحث المحدد على هذا النحو غير الشامل (بالنظر إلى السمة المجزأة للقراءات التي تم إجراؤها في مقابل الإنتاج العلمي الأنتربولوجي الهائل).

الحقل الدلالي

إن مفهوم الثقافة، بمجرد قبوله من طرف العلماء، سيتطور في العديد من الأعمال الأنتربولوجية، وسينتشر في الزمان وفي فضاء الحقل العلمي وسيتلبس معان كثيرة ومختلفة، والتي سنحاول تصنيفها وترتيبها (على أساس أن التعاريف المختلفة التي جرى تحديدها لن تتعارض إلا من أجل إضاءة الموضوع).

الثقافة كعملية تحويل

يعتبر بعض المفكرين (على الأقل في بعض من أعمالهم) أن الثقافة وسيلة للتعلم ووسيلة لنقل ميراث اجتماعي. يقول رادكليف براون (Radcliff Brown) في البنية والوظيفة:

 "إنه بسبب وجود الثقافة والتقاليد الثقافية تختلف الحياة الاجتماعية البشرية اختلافًا أساسيًا عن الحياة الاجتماعية للأنواع الحيوانية الأخرى؛ إن نقل طرق التفكير والإحساس والتصرف المكتسبة التي تشكل العملية الثقافية والسمة المميزة للحياة الاجتماعية للإنسان هي بدون شك ليست سوى جزء من هذه العملية الشاملة التفاعلية المشتركة بين الأشخاص، أو من العملية الاجتماعية التي تمثل الواقع الاجتماعي نفسه ".

إن هذا المعنى ل"الثقافة" يوجد عند معظم علماء الأنتربولوجيا ويمثل أحد عناصر لتعريف أشمل وأوسع.

إشكالية المحتوى

لقد تم تعريف محتوى الثقافة على نحو مادي وروحي، أو ما يسميه Roger Bastide ب الثقافة الصريحة (الظواهر المادية) والثقافة الضمنية (المعارف، المواقف، والقيم المشتركة بين أفراد المجتمع)؛ إن مثل هذا الانقسام يمكن أن يطرح مشكلات لا سيما فيما يتعلق بتحليل ثقافات ما قبل التاريخ: "هناك مجال واحد لم يتم تناوله بعد بالقدر الكافي: هو مجال الأنشطة الجمالية والدينية، تهتم دراسة الثقافة المادية بالعمق الكامل للفترة ما قبل التاريخ،  من ظهور أوائل (anthropiens) أسلاف (Hominini) أشباه البشر إلى بدايات صناعة المعادن، أي عندما لا تضم الوقائع والحقائق الدينية والفنية إلا حالة متأخرة من التطور البشري: نهاية العصر الحجري الأوسط، وخاصة العصر الحجري الأعلى والأزمنة التي تليه. " (André Leroi-Gourhan, 1970, p. 24) 

هكذا يوحد مفهوم الثقافة مستويين من البنية الاجتماعية الكلية (البنية التحتية المادية والبنية الفوقية الإيديولوجية)، وبهذا المفهوم ندرك جيدًا الجدلية بين العالم الحقيقي وإيديولوجيات العالم. ومن ناحية أخرى، يرتبط المستويان ارتباطًا وثيقًا إلى الحد الذي "يكون فيه الكائن المادي كائنا سوسيو –ثقافيًا ولا يتم تعريفه فقط من خلال خصائصه الفيزيقية، بل من خلال  مجموع علاقاته بالنظام الاجتماعي".

مسألة اللاوعي للثقافة

"تحتل وتحدد الثقافة جزءًا كبيرًا من مسار حياتنا، ومع ذلك فهي نادرًا ما تتسرب داخل فكرنا الواعي " (Herskovits) هناك بنية غير واعية للسلوك الثقافي، هذه الملاحظة مهمة من زاويتي نظر: من وجهة نظر منهجية: لكون أن المعنى الثقافي للأفعال وللأفكار ينفلت من النوايا الذاتية للمتدخلين يفي مسبقًا بالشرط المنهجي الذي ذكره دوركهايم في قواعد المنهج الاجتماعي المتمثل في أن عالم الاجتماع (أو الأنتربولوجي) يدخل إلى العالم الاجتماعي كما هو إلى عالم غير معروف ويقطع مع وهم وضوح خطاب الفاعلين الاجتماعيين. أما من وجهة نظر الوقائع: كما فعل Paul Mercier  "يمكننا التمييز بين الثقافة الواقعية والثقافة المثالية، وهذه الأخيرة تتضمن "نماذج تفسيرية، يقدمها المعنيون أنفسهم" وهذه النماذج نفسها يجب تناولها كموضوعات للدراسة، وليس كمبدأ للتفسير، وذلك في حدود تكون فيها الثقافة مثل اللغة تؤسس للسلوك البشري. ومع ذلك، لا ينبغي تصور البنية الثقافية كظاهرة مستقلة تمامًا. يعتبر (A.L. Kroeber) أن الواقع يمكن دراسته وفقًا لأربعة مستويات: المستوى غير العضوي، مستوى الأشخاص (الجسدي والنفسي)، والمجتمع، وأخيرًا المستوى الثقافي المكتمل العضوية (superorganique). تهتم العلوم الاجتماعية (بما فيها الأنتربولوجيا) بهذا المستوى الأخير، كما أن هناك خطر تجسيد وإضفاء الطابع المادي لمفهوم الثقافة... يمكننا أن نقول أن هناك رجع جدلي من الثقافة إلى الشخصية كما هو الأمر بين اللغة والكلام.

مسألة الاتساق والترابط للمركب الثقافي

إذا كانت كل ثقافة على ما يبدو تتكون من قطع وأجزاء، يعني استعارات مختلفة، في المقابل من الضروري أن ننطلق من افتراض الحد الأدنى من الاتساق والتماسك الثقافي من أجل تطوير نظرية علمية للثقافة؛ معظم المفكرين يقرون بوجود تماسك ثقافي ويقدمون بصدد ذلك عدة تعريفات... بالنسبة للبنيويين وعلى رأسهم Claude Lévi-Strauss "كل ثقافة يمكن اعتبارها مجموعة من الأنظمة الرمزية، في الصف الأول توجد اللغة، المعايير والقواعد المرتبطة بالزواج، العلاقات الاقتصادية، الفنون، العلوم، الديانات؛ وكل هذه الأنظمة  تهدف إلى  التعبير عن جوانب معينة من الواقع المادي والواقع الاجتماعي.

وأكثر من ذلك العلاقات التي تربط بين هذين الواقعين والتي تربط بين الأنظمة الرمزية نفسها مع بعضها البعض." (Lévi-Strauss, « Introduction à l'œuvre de M. Mauss » in M. Mauss : Sociologie et anthropologie, Paris, PUF, 1966).

هل توجد روابط بين جميع أجزاء الثقافة؟ وهل هي ضرورية؟ وهل هي تندرج ضمن حقائق الثقافة المادية (طرق إنتاج العيش، السكن، التسلح، الملابس) والثقافة الفكرية (الفنون، الديانات) المؤسسات القانونية والسياسية...؟ وهل بالنسبة لبعضهما البعض مثل أعضاء كائن حي أو مثل أجزاء آلة؟ أو على العكس من ذلك، علاقاتهم مشروطة، تاريخية محضة، وعرضية، بحيث لن تكون ثقافة ما في نهاية الأمر، إلا مجرد خليط عشوائي، مجموعة من الظواهر جمعتها الأحداث في مدها وجزرها ثم لفظتها مثل حطام السفن على الشاطئ..

إذن من خلال ذلك نرى بأن الثقافة هي عبارة عن بنية متحولة ومتنقلة، غير واعية، متسقة ومركبة في محتواها. وبعد وضع كلمة "ثقافة"  في "هالتها الدلالية" وعرض الإشكاليات التي يلعب فيها مفهوم الثقافة دورًا أساسيًا: تواصل الثقافات، تنوع الثقافات، الثقافة والطبيعة، الثقافة والنموذج، التطور الثقافي، الثقافة والتقدم.

إن دراسة الأشكال البنيوية اللاواعية لا تقصي البعد التاريخي، أو بعبارة شهيرة لماركس:

" إن الناس يصنعون تاريخهم، ولكنهم لا يصنعونه على هواهم، إنهم لا يصنعونه في ظل ظروف اختاروها هم بأنفسهم، وإنما في ظل ظروف يواجهونها مباشرة، أعطيت لهم ونقلت إليهم من الماضي".