Menu
أوريدو

المفكرون الماركسيون والمسألة القومية (1من 2)

خاص بوابة الهدف

موقع المسألة القومية في الفكر الماركسي لا يخرج عن مراحل التطور الرأسمالي، فكل مرحلة من هذا التطور كان يقابلها تطور سياسي للطبقة البورجوازية، فتطور سيطرة رأس المال على الصناعة أدى إلى ظهور الدول القومية الأولى.

ومع بداية هذه المرحلة ستتداخل، حسب التوصيف الماركسي، مصلحة الأمة مع مصلحة البورجوازي الصناعي، وتصبح مصالح البورجوازية هي نفسها المصالح القومية.

فحسب البيان الشيوعي الصادر سنة 1848، فإن البورجوازية تمركز ملكية وسائل الانتاج، وتاتي المركزية السياسية (الدولة القومية) كنتيجة محتومة لهذا التمركز.

لقد وضعت الماركسية لنفسها هدفا رئيسيا هو تدعيم الوعي الطبقي، وتشجيع التضامن الأممي بين صفوف الطبقة العاملة في العالم، ومن هذا المنظور ، عارضت الايديولوجية القومية ومناورات الفئات الرجعية، التي وظفت، في كثير من الأحيان، هذه الايديولوجية من أجل تأخير إنضاج الوعي الطبقي.

لذلك، واجه الماركسيون بعد كارل ماركس وفريدريك أنجلز سؤالاً جوهريا هو: هل يجب عدم التعاطي مع المسألة القومية وطرح مسألة سعي الطبقة العاملة إلى السلطة طرحا طبقيا فقط؟ أم يجب توظيف المسألة القومية في خدمة الثورة الاشتراكية؟

لقد واجهت الأمميتان الثانية والثالثة المسألة القومية مواجهة مباشرة، فالأممية الثانية واجهتها في إطار الدولة المتعددة القوميات، خاصة الامبراطورية النمساوية – المجرية، والاممية الثالثة واجهتها في إطار الامبريالية وحقوق الشعوب المستعمرة في تقرير مصيرها ونيل استقلالها القومي. [1]

لقد تأثر تشكل الأمم بالصراع بين جميع طبقات وفئات المجتمع الاقطاعي وهكذا، فإن تشكل الأمة يغدو ممكنا بفعل وحدة الروابط الاقتصادية والأرض واللغة.

وإذا كانت وحدة الروابط الاقتصادية المتينة مؤشر جوهري للأمة المكتملة التشكل، فإن وحدة الأرض مؤشر ضروري لوجود الأمة ولنشاطها كعضوية إثنو – اجتماعية متكاملة.

فالأرض تمثل القاعدة المادية لتشكل الروابط الاقتصادية بين شعب الأمة، وميدان نشاطه وتطوره، وهنا تبدو اهمية مسألة الحدود الجغرافية للأرض، التي في إطارها تمارس الأمة وجودها ونشاطها.

فإذا كانت للأمة دولتها فإن هذه الحدود تغدو حدودا للدولة، ويصبح الدفاع عنها أمرا يمس الأمة كلها، مما يجعل النضال من أجل وحدة الأرض عامل تعزيز للوعي القومي، وعامل توحيد صفوف الأمة.

ومن الأهمية بمكان الأخذ بالحسبان أن الأرض القومية: "ليست مجرد بقعة جغرافية، وإنما ترتبط عضويا بالنمط الاجتماعي للأمة التي تعيش فوقها.. وفي هذه الظروف تغدو الجوانب الاجتماعية الطبقية عوامل حاسمة في تحديد سامات الأمة".

أما عن الأمة والطبقة، فإن الماركسية ترى أن الطبقة القائدة للأمة هي الطبقة الحاملة لأسلوب الإنتاج المهيمن في صلب منظومتها الاقتصادية، وأن هذه الطبقة هي التي تتزعم النضال من أجل إنجاز المهمات التاريخية لتطور الأمة، وتلعب الدور الحاسم في تحديد معالمها السياسية والاجتماعية ، وكذلك علاقاتها بالأمم الأخرى. وأن زعامة الأمة يمكن أن تنتقل من طبقة إلى أخرى، حتى في إطار الرأسمالية نفسها، ولكن مع استبعاد إمكانية قيام وحدة قومية حقيقية بين الطبقات المتناحرة.

فـ:"اللوحة الزائفة لوحدة الأمة، المرسومة عبر تشويه وعي الذات القومي لدى الكادحين ، تسهل على الطبقات الاستغلالية مهمة استبدال الصراع الطبقي بالتصارع بين الأمم، وعلى تحويل الكادحين إلى أعوان في العدوان الخارجي والرجعية الداخلية".

أما عن علاقة الأمة بالدولة، فإن الماركسية ترى أن الدولة تتشكل قبل تشكل الأمة بوقت طويل، فهي، كأداة للسيطرة الطبقية، تظهر منذ قيام المجتمع العبودي، وتبقى كذلك في كافة التشكيلات الاقتصادية – الاجتماعية التناحرية.

ولكن، مع ظهور وتطور العلاقات الاقتصادية الرأسمالية ظهرت لدى الدولة وظيفة جديدة هامة، تمثلت في تجميع شعب كل دولة في إطار أمة واحدة.

فالدولة القومية كانت مرحلة ضرورية في تطور الرأسمالية، ومع مسألة الدولة القومية يرتبط حق الأمم في تقرير مصيرها، ففي حركة التحرر الوطني لشعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية صار العزم على تشكيل وتطوير الدولة القومية المستقلة عاملا في تشكيل الأمة لدى الكثير من الشعوب المستعمرة والتابعة سابقاً.

وترى الماركسية أن الوعي القومي ينمو مع الظروف التي تلعب الدور الحاسم في ظهرو الأمة وتطورها، فـ:"وحدة الروابط الاقتصادية والأرض واللغة، وكذلك وحدة السمات الاثنية والقومية للنفسية وللثقافة، والعادات والتقاليد، تولد لدى أفراد الأمة المعنية وعي وحدتهم القومية – وعي الذات القومي".

كما يرتبط الوعي القومي ارتباطاً وثيقا بالمشاعر القومية، التي تلعب دورا هاماً جداً في سلوك الناس.

وتنطلق المادية التاريخية في فهمها للمشاعر القومية من أن هذه المشاعر حصيلة الممارسة الاجتماعية التاريخية للناس الذين يفعلون على أرضية وحدة الروابط الاقتصادية واللغة والأرض، فالناس، الذين تربطهم هذه الوحدة، يتفاعلون مع الوسط الطبيعي والاجتماعي، فتتولد لديهم مشاعر مشتركة، تسمى بالمشاعر القومية، وتشكل لونا من المشاعر الاجتماعية.

وبما أن الإنسان لا يعيش في وسط اجتماعي مجرد، بل في وسط اجتماعي قومي، فإن متطلباته ومشاعره تتسمك بصبغة قومية معينة.

ويعتبر أغلب المفكرين الماركسيين أن مفهوم الأمة أوسع من مفهوم القومية، ذلك أن القومية تدل على المواصفات الإثنية للأمة أو للشعب، أي على سمات لغتها وثقافتها وتقاليدها وعاداتها، بينما تدل الأمة على مجمل روابطها الاقتصادية والاجتماعية[2].

وسوف نتناول مواقف المفكرين الماركسيين من المسألة القومية تبعا لستة اتجاهات هي: الاتجاه الماركسي الكلاسيكي، الاتجاه البلشفي، اتجاه الاستقلال الثقافي في الامبراطورية النمساوية – المجرية، اتجاه العدمية القومية، اتجاه "الاقتصادية الامبريالية" بشكليه الأوروبي والآسيوي، الاتجاه الماركسي القومي، الاتجاه الماوي.

الاتجاه الماركسي الكلاسيكي، كان ماركس وأنجلز ، في العام 1848 الذي كتبا فيه البيان الشيوعي، يعتقدان بالنهاية القريبة للأمم والقوميات.

فالبروليتاريون ليس لهم وطن: "يابروليتاريي العالم اتحدوا"، أما الأمة والنزعة القومية فهما عبارة عن بنى فوقية، صارت بالية حين تخطت السوق العالمية الأسواق القومية: "ألغوا استغلال الإنسان للإنسان فتلغوا استغلال أمة لأخرى. ويوم يسقط تطاحن الطبقات داخل الأمة، يسقط أيضا العداء فيما بين الأمم".

فالحواجز القومية والتناقضات بين الشعوب في طريق الزوال، فـ:"تطور البورجوازية وحرية التجارة والسوق العالمية والإنتاج الصناعي المتجانس وما يلائمه من الظروف الحياتية كافٍ لتحقيق ذلك".

لقد أعطى كارل ماركس وفريدريك أنجلز شكلا أكثر وضوحاً لأطروحاتهما، وعلى الأخص الأطروحة المتعلقة بالأمة، حين أكدا أن على الطبقة العاملة أن تستولي بادئ ذي بدء على الدولة، التي هي قومية بالضرورة.

إن نضال البروليتاريا ضد البورجوازية ، بالرغم من أنه لم يعد في جوهره نضالا قوميا، يتخذ شكل النضال القومي. فغني عن البيان أن بروليتاريا كل قطر ملزمة بأن تتخلص من بورجوازيتها". فلا وجود، بالنسبة لهما ، لنضال اجتماعي لا يبلغ حقيقته السياسية، ولا لمضمون اجتماعي لا يتخذ شكله السياسي، ولا لنشاط اقتصادي لا يستطيع أن يرتسم على مستوى الدولة، وعليه فإن على البروليتاريا أن تستولي على الدولة القومية.

لقد أيد ماركس وأنجلز الوحدة الألمانية البيسماركية في عام 1871، وقالا قولتهما الشهيرة: "بيسمارك يقوم بجزء من عملنا" . كما كانا معاديين لـ"مبدأ القوميات" البونابرتي، الذي يضع أية امم صغيرة على قدم المساواة مع الأمم الكبرى. [3]

إن الوحدة الألمانية ، بالنسبة لماركس وأنجلز، هي جزء من التقدم التاريخي الكبير، جزء من التحول البورجوازي، الذي يسعيا ويخططا كي يكون ثورة بورجوازية ديمقراطية: الديمقراطية، استئصال الاقطاعية والعهد القديم، تحريك أوسع الجماهير الشعبية.

وكان أنجلز، في كتابات 1848 – 1852، قد دعا إلى الوحدة الألمانية بأقص ما يمكن من الحماس، حمل بشدة على التجزئة الألمانية التي "تمزق جسد الأمة وتبدد طاقتها"، ودعا إلى الحرب ضد أعدائها، واستثار في عام 1859 الحماس القومي للألمان ضد نابليون الثالث والقيصر الروسي.

ومن المناسب، في هذا السياق، أن نشير إلى أن ماركس وأنجلز لم يكونا يتخذان مواقف تحبيذ إجمالي إزاء جميع حركات التحرر القومي، فالحال عندهما أن الأمم والقوميات ليست متعادلة أمام حركة التاريخ الواقعي.

ففي فترة ثورة 1848، التي ترقى إليها معظم كتاباتهما حول المسألة القومية في اوروبا الشرقية، كانت بغضاؤهما لروسيا القيصرية المقياس الأساسي لحكمهما على الحركات القومية. وكمحصلة لموقفهما، الذي يعتبر القيصرية الدعامة الرئيسية للرجعية في أوروبا، فقد انتهيا إلى اعتبار كل انتفاضة قومية تضعف القيصرية أمرا إيجابيا، وإىلاعتبار كل حركة قومية يمكن أن تفيد مواقع القيصرية وتدعمها كحركة رجعية وضارة.

بيد أنهما في حالة حركة تحرر قومي ينظران إليها كحركة عادلة وتقدمية، كما كانت عليه الحال في بولونيا خاصة، قد استخلصا نتائج تتعلق بما تفرزه الواقعة على الصعيد التكتيكي. [4]

وإذا كانت الحالة النموذجية للمسألة القومية في أواسط القرن التاسع عشر هي حالة أوروبا الشرقية، فإن الحالة النموذجية للمسألة القومية الكولونيالية هي حالة أيرلندا.

ففي رسالة بعث بها ماركس إلى أنجلز عام 1869، اكد أن الطبقة العاملة الانكليزية لن تنجز شيئا مطلقا قبل ان  يهتز النظام البريطاني عندما يفقد أيرلندا.

ومما قاله في تلك الرسالة: "بصورة مستقلة عن كل جملة "أممية" و "إنسانية" عن العدالة إزاء أيرلندا، فذلك أمر بديهي في مجلس الأممية (الأولى)، فإن ثمة مصلحة مباشرة مطلقة للطبقة العاملة الانكليزية في ان تقطع علاقاتها الحالية مع أيرلندا.

ليست المشكلة في أيرلندا ذات طابع اقتصادي فحسب، بل المسألة القومية مطروحة أيضاً".

إن ماركس، بإعطائه الأولوية للعمل في المستعمرة على العمل في المتروبول، قد فتح الباب أمام سائر الرؤى الماركسية اللاحقة، وخاصة الاتجاه البلشفي.

إن الدراسة العميقة للمسألتين القوميتين البولونية والأيرلندية، ولدروس الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب في الولايات المتحدة الأمريكية، سمحت لماركس وأنجلز بإدخال تعديلات هامة على رؤيتها للمسألة القومية.

فإذا كنا، في البداية، يجعلان التحرر القومي رهنا بتحرر الطبقة العاملة الاجتماعي فانهما صارا لاحقا، خاصة بعد تحليل خبرة ثورات 1848 – 1849 البورجوازية، يؤكدان أيضا على الارتباط العكسي، ارتباط نجاح الثورات الاجتماعية وتحرر البروليتاريا بحل المشكلات القومية الملحة.

ومن جهة أخرى ، فقد تحدث أنجلز عن "أمم ثورية" و "أمم رجعية" ، فعندما راى أن "سلاف الجنوب" في الامبراطورية النمساوية يدعمون السلطة الامبراطورية ضد الثورتين الألمانية والمجرية، كتب في العام 1849: ".. إننا نكرر: باستثناء البولونيين والروس، وعلى الأخص سلاف تركيا ، ليس لبقية الشعوب السلافية أي مستقبل، وذلك لسبب بسيط: فهذه الشعوب تفتقر إلى أدنى شروط الاستقلال والقدرة على الوجود، سواء أكانت هذه الشروط تاريخية أك جغرافية أم سياسية أم صناعية. [5]

وليست هذه الشعوب قادرة على الحياة وعلى تحقيق أي نوع من الاستقلال لأنه لم يكن لها في أي يوم من الأيام تاريخ خاص بها.

وتابع قائلاً: "من سائر الأمم التي تعيش في كنف الامبراطورية النمساوية، لا يوجد سوى ثلاث منها حملن راية التقدم ونهضن بدور إيجابي في التاريخ وما زلن يحتفظن بحيويتهن: الأمة الألمانية، البولونية، المجرية.

ولهذا السبب فهي الآن أمم ثورية.. إن المآل الرئيسي لجميع العروق والشعوب الأخرى، كبيرة وصغيرة، هو الفناء في المحرقة الثورية..".

لقد كانت مساهمة أنجلس في المسألة القومية أغنى من مساهمة ماركس، حيث كتب عن تمايز البشر إلى مجموعات لغوية في التاريخ الوسيط، وعن تطور القوميات إلى أمم، وعن توجه المجموعات البشرية القومية لبناء دولها القومية.

أما عن الدولة القومية، فقد كانت مساهمة الماركسية الكلاسيكية محدودة، إذ يُعَّد كتاب أنجلز "أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة" النص الكلاسيكي الوحيد المكرس لموضوع الدولة. [6]

وبالرغم من أن القرن التاسع عشر كان بحق "عصر القوميات"، عصر الصراع من أجل تكوين الدول القومية، فإن ماركس اغفل دور الدولة في تكوين الأمة. بل أنه ذهب أبعد من ذلك، حينما دعا إلى دمج السلطتين التنفيذية والتشريعية في الدولة "الثورية" المقبلة، بما ينطوي عليه ذلك من وحدة المجتمعين السياسي و المدني[7].

وهكذا، نلاحظ أن لدى كارل ماركس وفريدريك أنجلز تحليلات عديدة للوقائع القومية، وللظروف وللعلاقات بين الطبقات داخل الأمم، ولكننا لا نلقي لديهما نظرية متكاملة للمسألة القومية، وهو الأمر الذي سوف نجده، إلى حد بعيد، عند الاتجاه البلشفي.

الاتجاه البلشفي، وهو اتجاه متميز فيما يتعلق بالمسألة القومية، كان لينين وستالين من أهم قادة هذا الاتجاه.

لقد كان لينين من الماركسيين القلائل الذين نظروا إلى المستعمرات كسبب للنهوض الثوري في النظام الرأسمالي ككل، وكعامل أساسي في الاستراتيجية الثورية خلال المرحلة الامبريالية.

وكانت النقطة المركزية في المفهوم اللينيني حول المسألة القومية هي الربط بين المسألة الوطنية والقومية من جهة، وبين المسألة الاجتماعية – الطبقية من جهة أخرى.

فلم يكن لينين مرة إلا مساجلا ضد الطرحين الحديين: الطرح الذي يختزل المسألة القومية بأنها مسألة طبقية، والثاني الذي يتناسى المحددات الطبقية في المسألة القومية نفسها. [8]

إن أخطر موضوعة طورها لينين، من خلال مناقشته مع الاشتراكيين البولونيين تكمن في التمييز الذي أقامه بين الحق وتحقيقه، بين حق تقرير المصير وبين تقرير المصير فعلا. إذ انه اشترط الاعتراف بهذا الحق بضمان مصالح النضال الطبقي للبوليتاريا.

لم تكن مناقشة لينين مع الاشتراكيين – الديموقراطيين الأرمن ومع الاشتراكيين البولونيين حول حق الأمم في تقرير مصيرها إلا جزءا من المناقشة التي سبقت ورافقت ثمة أسئلة عديدة راودتنا منذ الستينات، عندما كانت الاغلبية من شيوعيي بلداننا العربية لا تعرف من اللينينية حول المسألة القومية إلا مواقفها "الشعاراتية"، والإضافات الستالينية السطحية والدوغمائية. مما جعلهم ، في المسائل المتعلقة بالمسألة القومية العربية منعزلين عن القضايا الكبرى للنضال العربي المعاصر.

وبين سنتي 1908 و 1912، حيث كانت الثورات تندلع في الشرق، أعار لينين انتباها دقيقا إلى الإمكانيات الثورية لدى الشعوب المستعبدة من جانب الاستعمار. وجعل من بحثه في هذا الشأن جزءا من عمله المكثف لصياغة رؤية ثورية عن الامبريالية والثورات البروليتارية. فقد رأى في الثورة الإيرانية، وثورة تركيا الفتاة، وثورة الصين، مقدمات وبشائر يقظة الشعوب المضطهدة.

مرحلة الصراع (1913 – 1917)، وهي مرحلة هامة في تاريخ تعرف الفكر الماركسي على المسألة القومية، لما تميزت به من مساجلات لينين مع رموز أغلب التيارات الماركسية.

لقد تميزت هذه المرحلة بتمسك لينين بشعار "حق الأمم بتقرير المصير"، بمعناه السياسي، وليس الاستقلال الذاتي الثقافي، أي بما هو حق لكل أمة أن تقرر مصيرها، دون أي ضغط خارجي، وقد دعا الماركسيين إلى:

  • أن يعبروا عن مناهضتهم، دون تحفظ، لكافة أشكال العنف التي تستعملها أمة مسيطرة بحق أمة تطلب الانفصال في دولة مستقلة.
  • أن يشددوا على كون مسألة الانفصال ترتكز على قاعدة تصويت سكان المنطقة بالذات، بواسطة اقتراع شامل وسري.
  • أن يخوضوا نضالا، لا هوادة فيه، ضد كل الأحزاب الرجعية التي تدافع عن الاضطهاد القومي بصورة عامة، والتي تنكر حق الأمم في تقرير مصيرها بنوع خاص.

لقد كان لينين ، في البداية، وحتى الثورة الروسية، يقدر عمق الشعور القومي لدى العمال الأوروبيين أقل من قدره، وتجلى ذلك من خلال الدهشة التي أصابته عندما راى ردود الفعل إزاء اندلاع الحرب العالمية الأولى.

وفي حين كان معتادا أن يعارض "القومية البورجوازية" بالأممية البروليتارية، فإنه قد أظهر، من خلال ترحيبه بالحركات القومية في البلدان المستعمرة، أن هناك مكانا في تفكيره لمقولة ثالثة.

ففي البلدان التي ما زالت الحركة القومية فيها فتية يمكن لهذه الحركة أن تسير "يدا بيد" مع الديمقراطية والاشتراكية، كما كان الأمر في اوائل القرن التاسع عشر في أوروبا.

وقد لاحظ أيضاً، أن القومية يمكن أن تكون قادرة على نقل الفلاحين، الذين يغلب عليهم الطابع المحافظ، إلى طريق التقدم والثورة الاجتماعية . [9]

أم ستالين، فقد أصدر ، في أوائل سنة 1913، مؤلفه الشهير "الماركسية والمسألة القومية"، الموجه ضد الاشتراكيين – الديمقراطيين النمساويين وضد المنشفيك الروس وسواهم، فقد عرف الأمة بأنها "جماعة ثابتة من الناس، تألفت تاريخيا على أساس جامعة اللغة والأرضو الحياة الاقتصادية والتكوين النفسي المشترك الذي يجد تعبيرا عنه في الثقافة المشتركة".

لقد وضع ستالين هذا التعريف بالاستناد على عدد من الأمثلة الماخوذة من تاريخ الشعوب الأوروبية، وأكد أن غياب أية من العلائم الأربع (الأرض، اللغة، الاقتصاد، التكوين النفسي والثقافة) يكفي لإسقاط صفة الأمة.

وبما أن الاقتصاد المشترك لا يتحقق إلا بعد اندثار الاقطاعية وتكون السوق القومية والتكامل الاقتصادي الرأسمالي، فإن الأمة "مقولة تاريخية لعصر الرأسمالية الصاعدة".

ونظرا إلى أن كتاب ستالين بقي، لسنوات طويلة، باعتباره القول الماركسي الرسمي في القومية فانه يتعين علينا أن نؤكد بأنه لم يكن علميا في مفهومه، حين ذكر قائمة / وصفة "عوامل" ينطوي عليها تكوين الأمة، مما يعيد إلى الأذهان العلم الاجتماعي في أسوأ أحواله. إذ أننا نحتاج إلى معالجة تاريخية، في العمق، لا إلى تعريف تخطيطي مدرسي لا جدلي إلى درجة بعيدة. [10]

خاض لينين مناظرة مشهورة مع ممثلة تيار العدمية القومية روزا لوكسمبروغ، التي ولدت فيما كان –آنذاك- بولونيا الروسية. وقد تميزت الفترة من 1893 إلى 1914 بمناقشة بين الحزبين الاشتراكيين البولونيين لموضع تقرير المصير القومي.

وكان الحزب الاشتراكي البولوني يؤيد إعادة تكوين بولونيا، اما الحزب الاشتراكي – الديمقراطي البولوني الذي أسسته لوكسمبورغ وآخرون في العام 1893، فقد واصل تقليدا ماركسيا مبكرا في معارضة تقرير المصير الذاتي لبولونيا.

عرضت روزا لوكسمبورغ موقفها في سلسلة مقالات تحت عنوان "المسألة القومية والحكم الذاتي"، نشرت في الفترة 1908 – 1909. حيث ركزت على المفاهيم التالية:

  1. إن حق تقرير المصير هو حق ميتافيزيقي أجوف "كالحق المزعوم بالعمل" في القرن التاسع عشر، أو الحق السخيف "لكل إنسان أن يأكل في صحون مذهبة".
  2. إن مساندة حق الانفصال هي –في الواقع- مساندة للوطنيين البورجوازيين. الأمة ككل موحد ومتناسق لا توجد: كل طبقة في الأمة لها مصالحها و "حقوقها" المتناقضة مع الطبقة الأخرى.
  3. إن استقلال الأمم الصغيرة بشكل عام، وبولونيا بشكل خاص، هو، من وجهة نظر اقتصادية ، يوتوبيا مدانة بقوانين التاريخ.

وتولى لينين مهمة مناقشة الأفكار التي طرحتها لوكسمبورغ، فكان كتيبه "حق الأمم في تقرير مصيرها" موجها، بصفة محددة، ضد أطروحاتها في المسألة القومية. ويمكن التوقف عند أهم الاختلافات بينهما على النحول التالي:

  • أكد لينين حق تقير المصير للأمم، بينما قالت روزا أنه لا وجود لمثل هذا الحق، وأن وضع هذا الشعار في وقت لم تكن المصطلحات فيه محددة بعناية لا يمكن أن يعني إسهاما في حل المشكلة، إنما يعني تحاشيها.
  • أكد لينين دور البورجوازية في بناء الأمم الحديثة، وقالت روزا: إن هناك ظروفا يكون فيها دور البورجوازية في بناء الأمة في ادنى حدوده. وقد كانت لوكسمبورغ محقة، ليس فقط فيما يتعلق ببولونيا، إنما فيما يتعلق بالتشكيلات السابقة على الرأسمالية.
  • أتاحت لوكسمبورغ مكانا للفيدرالية وللحكم الذاتي، أما موقف لينين من الفيدرالية فكان غامضا، فقد عارضها في البداية ثم تبناها فيما بعد. وكان تفكير لوكسمبورغ أكثر مرونة في هذا الصدد، ويلقى نقدها للينين اليوم اهتماما متزايدا.
  • فسرت لوكسمبورغ تقرير المصير على أنه يعني تقرير المصير الذاتي للطبقة العاملة، اما لينين فقد عارض، وهو محق، هذه الصيغة.
  • عارضت لوكسمبورغ القومية باعتبار أنها تفضي إلى التجزؤ ، اما لينين فقد أكد مزايا الوحدات القومية الكبيرة، ولكنه – في الوقت نفسه- قدر قوة الميل إلى التجزئة ، الذي لم يكن عديم التعاطف معه كليا.
  • رأت لوكسمبورغ أن الحروب القومية التقدمية التحررية غدت مستحيلة "في عصر الامبريالية المنفلتة من عقالها"، أما لينين فقد راى العكس: الامبريالية، إذ تشدد الاضطهاد القومي، تشدد الثورة القومية.

لقد كانت مناظرة لينين مع روزا لوكسمبورغ جزءا هاما من مناظرته الكبرى حول المسألة القومية بصفة عامة، وحول الشعار البلشفي الرئيسي فيها: حق الأمم في تقرير مصيرها، بصفة خاصة.

وخلال الحرب العالمية الأولى، وبالتحديد في عام 1916 حرر لينين كتيبا آخرا تحت عنوان "الثورة الاشتراكية وحق الأمم في تقرير مصيرها"، ومما ورد فيه: "لابد للاشتراكية الظافرة من أن تحقق بالضرورة الديمقراطية الكاملة، ومن أن تحقق بالتالي لا المساواة التامة في الحقوق بين الأمم وحسب، بل أن تطبق أيضاً حق الأمم المضطهدة المظلومة في تقرير مصيرها بنفسها، أي حقها في حرية الانفصال السياسي".[11]

الثورة الروسية والمسألة القومية (1917 – 1923)، لقد كانت المسألة القومية في روسيا القيصرية، قبل كل شيء، مسألة تصفية الاضطهاد القومي الذي كان يعاني منه ما ينوف على نصف سكان الامبراطورية (كانت نسبة الشعوب غير الروسية 57%)، كما كانت مسألة تحرير الأمة الروسية نفسها من كونها أمة ظالمة.

وإضافة إلى ذلك، كان لا بد من تصفية العداءات والكراهية التي كانت سائدة بين شعوب الامبراطورية الروسية، وضمان تطورها القومي الحر، وتصفية عدم تكافؤها الفعلي، وجعل مستوى هذا التطور متقاربا، وتربية الشغيلة كلهم بالروح الأممية، وبروح الأخوة والمودة والوحدة.

ففي يوم 15 نوفمبر / تشرين الثاني 1917 نشر "إعلان حقوق شعوب روسيا"، بما تضمنه من مبادئ أساسية لسياسة السلطة البلشفية الجديدة فيما يتصل بالقوميات ، وهي:

  • المساواة والسيادة لشعوب روسيا.
  • حق شعوب روسيا في تقرير مصيرها بحرية، بما في ذلك حق الانفصال وتكوين دولة مستقلة.
  • إلغاء كافة الامتيازات والقيود والدينية.
  • التطور الحر للأقليات القومية والجماعات الإثنوغرافية التي تقطن أراضي روسيا.

وفي الواقع العملي، كانت سياسة لينين تجاه شعوب المناطق الحدودية ذات حدين:

فمن جهة، ذهبت الحكومة السوفياتية أشواطا بعيدة نحو الاعتراف برغبة هذه الشعوب في الحرية (كما جرى بالنسبة لفنلندا ودول منطقة البلطيق).

ومن جهة ثانية، تم تعبئة أصدقاء الثورة، في كل إقليم، لتشكيل حكومة سوفياتية، وتأمين وصول هذه الحكومة إلى السلطة بمساعدة قوات الجيش الأحمر إذا لزم الأمر.

وفي النهاية، تمت إعادة إدماج أغلب المستعمرات الروسية السابقة في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية.

أما حيثما وطدت الدول الغربية احتلالها العسكري، كما حدث في فنلندا وجمهوريات منطقة البلطيق، أو هُزم الجيش الأحمر، كما حدث في بولونيا، فإن تقرير المصير أصبح أمرا واقعا. [12]

لقد جاء تشكل الأممية الثالثة "الكومنترن"، التي عقدت مؤتمرها التأسيسي الأول يوم 2 مارس / آذار 1919، ليوضح أكثر فأكثر تطور الموقف البلشفي من المسألة القومية.

ففي المؤتمر الثاني للأممية، الذي انعقد في صيف عام 1920، قدم لينين موضوعات حول المسألة القومية ومسألة المستعمرات ، ومما جاء فيها: "إن أساس كامل سياسة الأممية الشيوعية حول المسألة القومية ومسألة المستعمرات ينبغي أن يتجه إلى إيجاد تقارب بين البروليتاريين والجماهير الكادحة في جميع الأمم والبلدان، لأجل النضال الثوري المشترك .. ولأن هذا التقارب هو الأمر الوحيد الذي يضمن الانتصار على الرأسمالية، وبدون هذا الانتصار يستحيل القضاء على الظلم القومي وعدم المساواة القومية".

أهمية أفكار لينين في المسألة القومية أنه وضع الفكرة القائلة بان شعوب الشرق تستطيع، في بعض الظروف، أن تتجنب المرحلة الرأسمالية من التطور، وسوغ الشعار القائل "ياعمال جميع الأقطار وأيتها الأمم المضطهدة اتحدوا".

وما أن توفي لينين حتى بدأ شطط ستالين في المسألة القومية ، ففي المؤتمر الثاني عشر للحزب الشيوعي الروسي، الذي انعقد في الفترة ما بين 15-27 أبريل / نيسان 1923، دارت نقاشات هامة حول المسألة القومية.

وقد قدم ستالين تقريرا إلى المؤتمر تحت عنوان "العوامل القومية في بناء الحزب والدولة"، أكد فيه على أن النزعات القومية ظاهرة داخلية بالغة الخطورة ، في حين أن لينين كان ينظر إليها على أنها رد فعل ضد شوفينية روسيا العظمى.

ومما قاله ستالين في تقريره: ".. إن رهطا من الرفاق، وعلى رأسهم بوخارين وراكوفسكي، قد ضخم حتى الشطط أهمية المسألة القومية. لقد بالغوا، ولم يروا وراء المسألة القومية المسألة الاجتماعية، مسألة سلطة الطبقة العاملة".

وتابع: ".. إن أساس حركتنا يقوم على تدعيم سلطة العمال، وبعد ذلك فقط تطرح علينا المشكلة الأخرى، المشكلة القومية، وهي مشكلة هامة جدا، ولكنها تابعة للأولى". إلى أن وصل إلى القول: "ويستحسن أن نذكر، بالإضافة إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها ، حق الطبقة العاملة أيضاً في تعزيز سلطتها، وبهذا الحق يلحق ويربط حق تقرير المصير".

وفي المحاضرة التي ألقاها في جامعة سفيردلوف، في أوائل شهر أبريل / نيسان 1924، حول "مبادئ اللينينية"، قال:" اللينينية تعترف بوجود طاقات ثورية كامنة في حركة التحرر القومي للشعوب المضطهدة.. بيد أن هذا لا يعني أن تدعم كل حركة قومية .. إنما المقصود هو تأييد تلك الحركات القومية المتجهة إلى إضعاف الامبريالية والقضاء عليها، لا إلى الحفاظ على مواقعها وتدعيمها.

لقد مثلت الستالينية ظاهرة انحطاط وابتذال في الماركسية بشكل عام، وفي موقفها من المسألة القومية بشكل خاص.

فإذا عدنا إلى تعريف ستالين للأمة، نجد أنه يقول "أنها تكونت تاريخيا"، وفي الوقت نفسه يقول: "الأمة ليست مجرد مقولة تاريخية، ولكنها مقولة تاريخية تنتمي إلى عصر محدد، عصر الرأسمالية الصاعدة".

ففي التعريف يقول أنها تكونت تاريخيا، أي تشكلت عبر التاريخ، وبهذا المعنى، من الممكن ألا يرتبط تشكلها بمرحلة الرأسمالية الصاعدة.

وقد عرفت القارات الثلاث، آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، أمما تكونت قبل عصر الرأسمالية الصاعدة، ولكنها لم تستطع بناء دولها القومية بسبب عوامل عديدة، من أهمها السيطرة الاستعمارية على مقدراتها.

أما عن اشتراطه وحدة الحياة الاقتصادية، فإن اقتصاد المستعمرات كان جزءاً من اقتصاد دول المتروبول، فكيف يمكن أن تتحقق وحدة الحياة الاقتصادية؟.[13]

إن ستالين وضع تعريفا إجرائيا اعتباطيا كان يخدم السياسة العملية للبلاشفة في ذلك الوقت، ولكنه أوقع الشيوعيين في العالم العربي باخطاء كثيرة في المسألة القومية العربية، حيث تحدثوا عن "أمة في طور التكوين" و "أمم وقوميات عربية".

الاتجاه الماركسي القومي، بدأ تبلور هذا الاتجاه منذ المؤتمر الأول لشيوعيي آسيا الوسطى المسلمين، في الفترة ما بين 24-30 مايو / أيار 1919. وازداد تبلورا في مؤتمر شعوب الشرق، الذي انعقد بباكو في شهر سبتمبر / ايلول عام 1920. وفي كلا المؤتمرين شدد المندوبون المسلمون على ضرورة تكييف الايديولوجيا الشيوعية مع الظروف الخاصة بالشرق، وألحوا على الطابع الأساسي الذي تتميز به الثوارت القومية، الضامنة الوحيدة لانعتاق الشرق انعتاقا حقيقيا.

الاتجاه الماوي، إذ يعتبر ماوتسي تونغ من أهم الماركسيين الذين حولوا الماركسية من مجرد حركة بروليتارية إلى حركة قومية أيضاً، وقد تمكن من ذلك خلال الحرب العالمية الثانية في قتاله ضد اليابانيين.

فقد قامت الاستراتيجية الماوية على التوجه إلى كل طبقات الأمة "كتلة الطبقات الأربعة": الطبقة العاملة، والفلاحين، والبورجوازية المتوسطة والصغيرة، والرأسماليون المعادون للامبريالية.

وبذلك، حرر ماوتسي تونغ الحزب الشيوعي الصيني من "الأسطورة" البروليتارية، التي بقي الشيوعيون أسرى لها على مدى سنوات طويلة.

كما أعلن أطروحته الأساسية القائلة: إن التناقض الرئيسي الأول هو التناقض بين الامبريالية والأمة الصنيية، وهو في زمن الغزو الياباني للصين، التناقض بين الأمة اليابانية والأمة الصينية.

وعلى الصعيد النظري، أكد ماوتسي تونغ لى عراقة الأمة الصينية، وفتح المجال للخروج من النظرية الستالينية الخطية (نظرية تعاقب الأنماط التاريخية الخمسة: المشاعية البدائية، والعبودية، والاقطاع، والرأسمالية، والاشتراكية)، والأمة كمقولة تاريخية لعصر الرأسمالية الصاعدة. ولذلك، فإن فكر ماوتسي تونغ اتسعت أصداؤه في القارات الثلاث، حين أظهر بوضوح أن الماركسية تستلزم إحساسا عميقا بالقومية.

لم تكن الشيوعية الصينية مجرد نقل لأفكار ماركس وأنجلز ولينين وستالين، وغرسها في بيئة حضارية مختلفة، في وجوه عديدة، عن حضارة أوروبا، بل هي هليط مركب وديناميكي لعناصر ماركسية – لينينية وعناصر صينية.

لقد فهم ماوتسي تونغ حضارة بلاده، المطبوعة بعمق بميسم ماضيها، والمتسمة بخاصيتين جعلتاها أكثر استعدادا، من أية حضارة أخرى غير أوروبية، للتكيف مع العالم الحديث، وهاتان الخاصيتان هما: "حس التاريخ في المقام الأول، وفي المقام الثاني تقاليد فلسفية متجهة إلى المشكلات السياسية والأخلاقية، لا إلى التأملات الميتافيزيقية"[14].

لقد كان لهذه المواقف صدى سلبيا في الاتحاد السوفياتي، خاصة بعد أن اطلق ماوتسي تونغ، في العام 1957، شعاره المعروف "ريح الشرق تغلب على ريح الغرب"، لذا فقد تمحور الخلاف الصيني السوفياتي، منذ عام 1959، حول ثلاثة ميادين:

  1. في الميدان الايديولوجي (مشاكل الحرب والسلام، والطرق السلمية للانتقال إلى الاشتراكية، ودور حروب التحرر القومي).
  2. في الميدان التنظيمي (أسس تنظيم الكتلة الشيوعية، والدور القيادي للاتحاد السوفياتي أو للصين).
  3. في ميدان العلاقات بين الدولتين (المساعدة الاقتصادية والتقنية المقدمة من الاتحاد السوفياتي إلى الصين ومشاكل الحدود، والخلافات حول السياسة الخارجية).

لقد كانت الشيوعية الصينية اشتراكية ووطنية في آن واحد، حيث رأت في حضارة الصين مصدر إغناء لماركسية ماو تسي تونغ، حين استفادت من التواصل الواسع للتاريخ الصيني، مما جعل دعوتها، أثناء المسيرة الكبرى، إلى تحرر الصينيين من الفقر، إضافة إلى التحرر الوطني والنهوض من جديد، أكثر إقناعا لدى الجماهير الصينية وخاصة لدى الفلاحين.

 

 

[1] المصدر السابق – ص 252 - 253

[2] المصدر السابق – ص 255

[3] المصدر السابق – ص 256

[4] المصدر السابق – ص 257

[5] المصدر السابق – ص 258

[6] المصدر السابق – ص 259

[7] يبدو أن بناة الدولة السوفياتية، والدول التي على شاكلتها، قد أخذوا برأي ماركس، فحولوا المنظمات الاجتماعية الوسيطة بين المجتمع المدني والدولة إلى منظمات لـ"رفع اليد" ولـ"التصفيق" للحزب "القائد"، وحكموا بواسطة ديكتاتورية الموظفين الحكوميين.

[8] المصدر السابق – ص 261

[9] المصدر السابق – ص266 + 267

[10] المصدر السابق – ص 268

[11] المصدر السابق – ص 271

[12] المصدر السابق – ص275

[13] المصدر السابق – ص 279

[14] المصدر السابق – ص 283