Menu

مفارقات ذكرى الرحيل الخمسينية

د. محمد السعيد إدريس

ربما لم يكن من قبيل الصدفة أن تتزامن الذكرى الخمسين لرحيل الزعيم جمال عبد الناصر مع حال التردى والإنزواء الذى يسبق السقوط للنظام الرسمى العربى الذى تفاقم فى هذا العقد الأخير بعجز غير مسبوق لهذا النظام عن معالجة الأزمات العربية الهائلة خاصة فى سوريا وليبيا واليمن، ثم فى السودان والجزائر ضمن تداعيات فشل تجربة الانتفاضات الثورية العربية، وعجزه، بل وفشله فى القيام بوظائفه الأساسية خاصة وظائف الأمن والتنمية والتوحيد أو على الأقل التكامل العربى الاقتصادى والسياسى والعسكرى. كما أنها تتزامن مع حالة غير مسبوقة من التهافت على تطبيع العلاقات مع كيان الاحتلال الإسرائيلى فى ظل هذا الوضع العربى المأزوم لذلك أضحى من اللازم التساؤل أولاً: هل بقى شئ من النظام العربى يمكن التعويل عليه؟ وثانياً: هل يوجد أمل فى نهاية النفق المظلم؟
السؤالان شديدى الأهمية الآن ونحن فى مصر والكثير من الدول العربية نمتد بذاكرتنا إلى جمال عبد الناصر الذى رحل عن دنيانا منذ خمسين عاماً، خصوصاً وأن ظاهرة تجاوز "الثوابت" أو "المحرمات" الحالية تتفاقم بضراوة فى ظل قبول رسمى عربى صامت جزئى أو كلى لما يحدث من تصفية للقضية الفلسطينية وللإنخراط فى "مشروع الحلف الأمريكى" الجديد الذى يرمى إلى الربط بين دول عربية والكيان الصهيونى لمواجهة "خطر العدو الجديد" المسمى بـ "العدو الإيرانى".
المفارقة تبدو شديدة الغرابة بين ما حدث منذ ما يقرب من 70 عاماً عندما طرح مشروع "الحلف الغربى" البريطانى ثم الأمريكى ورد الفعل المصرى والعربى على هذا الحلف وبين مشروع الحلف الأمريكى الجديد والموقف العربى منه. مفارقة أقرب إلى الفجيعة بين ما كنا عليه وبين ما أصبحنا فيه، وهنا يعيد السؤال الصعب طرح نفسه: هل من مخرج؟ فمشروع "الحلف الأمريكى" الراهن هو أسوأ مؤشرات الانحدار العربى، ولا يختلف كثيراً عن مشروع "الحلف الأمريكى" السابق الذى عملت الولايات المتحدة على فرضه فى السنوات الأولى من عقد الخمسينيات من القرن الماضى، عندما حاولت بريطانيا فرض مشروع "اتفاقية الدفاع المشترك" على مصر، لكن الزعيم مصطفى النحاس رئيس الحكومة المصرية زعيم "حزب الوفد المصرى" الحاكم حينذاك، تصدى بقوة لهذا المشروع ولم يسقطه وحده، ولكنه أعلن معه انسحاب مصر من معاهدة عام 1936 التى وقعتها مصر مع بريطانيا فى ذلك العام والتى منحت مصر استقلالاً شكلياً ومشروطاً ليفتح مجدداً أبواب النضال المصرى من أجل تحقيق الاستقلال الكامل عن بريطانيا، وهو ما تحقق بتفجر ثورة 23 يوليو 1952 التى خاضت المعركتين معاً: معركة تحقيق الاستقلال بإجلاء قوات الاحتلال البريطانية عن مصر، ومعركة إسقاط مشروع "الحلف الأمريكى" الذى حمله جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكى الأسبق إلى الزعيم جمال عبد الناصر، وأراد أن يفرضه على مصر وعلى كل العرب عام 1954.
شخص مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكى الحالى الذى يتزعم دعوة "الحلف الخليجى" الجديدة بين إسرائيل والدول العربية التى سوف تنخرط فى علاقات تطبيعية مع الكيان الصهيونى، كنواة لتوسعة هذا الحلف ليضم فى المستقبل القريب، كما يتوقعون فى واشنطن دولاً عربية أخرى غير خليجية، لتؤسس فيما بعد، نظاماً إقليمياً جديداً يكون فيه الكيان الصهيونى هو "القوة الإقليمية العظمى المهيمنة" لا يختلف كثيراً عن شخص جون فوستر دالاس، كلاهما رجل مخابرات، وكلاهما شديد الإيمان بالكيان الصهيونى وشديد العداء للوحدة العربية.
فإذا كان دالاس قد جاء للعرب يطالبهم بالدخول فى حلف دفاعى مع الولايات المتحدة لمواجهة "الخطر السوفيتى" فإن مايك بومبيو يجئ الآن ليطاب العرب بالدخول فى حلف مع الولايات المتحدة ولكن ضد إيران هذه المرة. وفى الحالتين يهدف الحلفان إلى فرض انحراف معيب فى مجرى الصراع التاريخى والإستراتيجى المتجذر فى إقليم الشرق الأوسط منذ غرس الكيان الصهيونى عنوة فى قلب الوطن العربى عام 1948 فى فلسطين وهو الصراع العربى ضد هذا الكيان.
حلف دالاس كان يريد من العرب أن يتحالفوا مع بريطانيا والولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتى باعتباره العدو والمصدر الأساسى للتهديد للمعسكر الغربى الرأسمالى الذى كانت تتزعمه الولايات المتحدة مع تفجر الحرب الباردة عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945. والآن يجئ مايك بومبيو ليحاول تحقيق نفس المشروع ولكن بأهداف أخرى. فمشروع الحلف الجديد يقوم على ركيزتين، الأولى، هى الانصراف العربى نهائياً عن القضية الفلسطينية بالانخراط فى مشروع التسوية الذى طرحه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وحمل اسمه: "صفقة ترامب" أو "صفقة القرن" الذى يؤسس على مشروع "الدولة اليهودية" الموسعة فى فلسطين وعاصمتها القدس الموحدة، والثانية التحول من الصراع ضد إسرائيل إلى الصراع ضد إيران من خلال التأسيس لعلاقة "تحالف إستراتيجى" أمنى ودفاعى بين إسرائيل والدول العربية يكون لإسرائيل اليد الطولى فيه.
فى الخمسينيات استطاع العرب وأد الحلف الأمريكى وإفشاله. وعندما التقى جون فوستر دالاس مع جمال عبد الناصر وطلب منه مشاركة مصر فى الحلف الجديد الذى حمل اسم "حلف بغداد"، حيث استضافت العاصمة العراقية مقر هذا الحلف، كان استفسار جمال عبد الناصر المنطقى هو: "ضد من سيشكل هذا الحلف؟ من العدو؟" وجاء وقتها رد دالاس أن "الحلف ضد الاتحاد السوفيتى"، وهنا جاءت إجابة جمال عبد الناصر الصادمة "مصر لن تدخل فى حلف ضد الاتحاد السوفيتى لأن الاتحاد السوفيتى لم يحتل أرضاً عربية، ولأننا لا نخشى على أنفسنا من أيديولوجيته الشيوعية، لو عندكم حلف يعمل ضد إسرائيل التى احتلت أرضنا العربية وتهدد أمننا العربى سنكون أول المشاركين فى هذا الحلف".
كان هذا الرد من جمال عبد الناصر بداية لواحدة من أشرس المعارك التى خاضتها مصر وخاضها العرب مع الولايات المتحدة، وكان بداية لسلسلة من المواجهات المتبادلة والمتسارعة بين الولايات المتحدة ومصر. ففى مسعاها للانتقام من مصر لرفضها الانضمام إلى "حلف بغداد" حفزت واشنطن إسرائيل للإعتداء على قطاع غزة عام 1955 الذى كان تحت الإدارة المصرية منذ نكبة 1948. ولم تستطع مصر الرد لأن الجيش المصرى لم يكن يملك الأسلحة اللازمة للرد. فأرسلت مصر بعثة للتعاقد على صفقة أسلحة مع الولايات المتحدة، وهنا كان الرفض الأمريكى مصحوباً بالتشفى. بعدها سافر جمال عبد الناصر فى سبتمبر 1955 إلى أندونيسيا للمشاركة فى المؤتمر الآسيوى- الإفريقى المنعقد فى مدينة باندونج، الذى كان بذرة التأسيس لسياسة "الحياد الإيجابى" ومن بعدها سياسة "عدم الانحياز". وهناك فى باندونج التقى عبد الناصر مع شواين لاى الرئيس الأسبق للحكومة الصينية وعقد معه صفقة تقضى بأن تعترف مصر بالصين الشعبية مقابل أن تتوسط الصين لمصر مع الاتحاد السوفيتى لتوقيع أول اتفاقية لتسليح الجيش المصرى.
ضربتان مصريتان قويتان للولايات المتحدة: الاعتراف بالصين الشعبية ضد الإرادة الأمريكية وكسر احتكار السلاح، بعدها جاء الانتقام الأمريكى بالإيعاز للبنك الدولى بإلغاء قرض تمويل بناء السد العالى، ورد جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس لاسترداد حق وطنى مغتصب أولاً ولتأمين مورد وطنى لتمويل بناء السد العالى ثانياً، فجاء العدوان الثلاثى: البريطانى – الفرنسى- الإسرائيلى ضد مصر (أكتوبر- نوفمبر 1956).
سلسلة طويلة من المعارك لم تخضها مصر وحدها بل خاضتها الأمة العربية كلها. فالعدوان الثلاثى إنتهى بانتصار سياسى لمصر قاد فيما بعد إلى أول تجربة وحدوية عربية فى العصر الحديث بين مصر وسوريا فى 22 فبراير 1958. وقامت الجمهورية العربية المتحدة ليس رداً فقط على تهديدات تركية حيث كانت تركيا عضواً فى كل من حلف شمال الأطلسى  "الناتو" وحلف بغداد، ولكن كانت بالأساس رداً على السياسات العدوانية الأمريكية والإسرائيلية ودفاعاً عن استقلالية الإرادة العربية. فبعد أشهر قليلة وبالتحديد فى 14 يوليو 1958 قامت الثورة فى العراق وسقط حلف بغداد سقوطاً مدوياً وانتصرت الإرادة العربية.
هل يمكن أن تجدد الإرادة العربية انتصاراتها وتسقط مشروع الحلف الأمريكى - الإسرائيلى الجديد وتوابعه، وتعيد التأسيس لمشروع للنهوض العربى؟ سؤال سيظل يشغل العقل العربى ومعه نجد أنفسنا فى حاجة شديدة إلى استعادة استلهام مشروع جمال عبد الناصر الذى رحل منذ خمسين عاماً ومازال رحيله صاخباً.