Menu

المفكرون الماركسيون والمسألة القومية (من2-2)

خاص بوابة الهدف

الماركسية والتحرر الوطني:

لقد نشأت الماركسية وتطورت في القارات الثلاث، آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، في المرحلة الامبريالية، حيث كانت هذه القارات خاضعة للاستعمار بأشكاله المختلفة.

وعلى هذا الأساس فقد كانت الإشكالية المطروحة هي: كيف يمكن لهذه المناطق أن تنسلخ عن السيطرة الاجنبية؟ وأن تحرر نفسها كأمم؟ وأن تبني دولها القومية المستقلة، ثم تناضل داخل حدود هذه الدول لإجاد توجه شعبي ديمقراطي يكون هدفه إنجاز تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة ذات أفق اشتراكي؟ [1]

لقد كان تاريخ القرن العشرين بالنسبة لبلدان القارات الثلاث محكوما، بشكل أساسي، بعلاقاته مع البلدان الاستعمارية.

فعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي كانت تكوينات منطقة التحرر الوطني غير كلاسيكية، فبناءاتها التحتية كانت عبارة عن نظم رأسمالية هامشية، ونظم تقليدية سابقة على الرأسمالية.

أما بناءاتها الفوقية، فإنها تتميز بوجود مكونات ايديولوجية عديدة، يلعب فيها الدين دورا هاما للغاية. وهي بمجموعها تشكل "الايديوولجيات القومية" التي يتركز تأثيرها في أنها تجعل مجموعة معينة من الشعوب تتعلق بهويتها ووجودها، فتحقق الدوام لنفسها وتشكل ذاتها كتكوين قومي مستقل.

لقد ارتبطت المسألة القومية في بلدان حركة التحرر الوطني في القارات الثلاث بقضيتين أساسيتين هما: الاستقلال القومي، والوحدة القومية.

وهكذا وجدت دول حركة التحرر الوطني نفسها بعد الاستقلال أمام مجموعة ملحة من المهام: الدفاع عن الاستقلال السياسي وتوطيده، والنضال من أجل الاستقلال الاقتصادي من خلال استكمال السيادة عل الموارد الاقتصادية والطبيعية وإلغاء نفوذ الاحتكارات الرأسمالية العالمية، وتحقيق علاقات اقتصادية عالمية متكافئة، والتغلب على التأخر الاقتصادي وبناء اقتصاديات وطنية مستقلة، والقيام بإصلاحات زراعية تستهدف الحد من الملكيات الكبيرة ومن الفوارق الاجتماعية الضخمة، وإقامة حياة سياسية ديمقراطية تستهدف تشجيع المبادرات المستقلة لجماهير الشعب والاستفادة القصوى من مساهماتها البناءة، والقضاء على الأمية، وتطوير شؤون التعليم والثقافة الوطنية.

ومن الواضح أن المهمات ، الموصوفة أعلاه، قد طرحت في بلدان القارات الثلاث أهدافا ذات طابع وطني ديمقراطي عام طالما أنها تتوجه نحو تصفية إرث السيطرة الاستعمارية الطويلة المتمثل بالتأخر الشامل، والاستغلال الاقتصادي، والتبعية للنظام الرأسمالي العالمي، وكذلك نحو إزالة علاقات الإنتاج ما قبل الرأسمالية.

لقد مرت العلاقات الإشكالية بين الماركسية والتحرر الوطني بثلاث مراحل: أولها، مرحلة الماركسية الكلاسكيية. وثانيهما، مرحلة ما بين الحربين. وثالثها، مرحلة الحرب الباردة.

المرحلة الأولى: مرحلة الماركسية الكلاسيكية (1848 – 1914):

لقد اتجهت معظم الكتابات الماركسية، خلال هذه المرحلة، إلى تبرير الاستعمار، واعتباره عامل تحضر للبلدان المستعمرة.

ففي مقال نشره أنجلز في 23 يناير / كانون الثاني 1848، اعتبر التوسع الأمريكي في المكسيك، بعد حرب عام 1847 بين البلدين، امتدادا للحضارة الرأسمالية المتقدمة.

وفي نص آخر له، نشر في العام 1852، قال: "في رأيي أن المستعمرات نفسها، أي تلك الأراضي التي تقطنها شعوب أوروبية مثل كندا والكاب وأستراليا، سوف تحصل على استقلالها. أم بالنسبة لتلك الدول التي استعبدت ببساطة، والتي تقطنها شعوبها الأصلية مثل الجزائر والهند، فإنه يتعين على طبقة البروليتاريا أن تتحمل مسؤولية مؤقتة في توجيهها، بأسرع وقت ممكن، إلى طريق الاستقلال".

وفيما يتعلق بنتائج السيطرة البريطانية على الهند، كتب كارل ماركس في العام 1853: "إن لإنجلترا رسالة مزدوجة في الهند: الأولى للتدمير والأخرى للتجديد، إبادة المجتمع الآسيوي القديم، ووضع الأسس المادية للمجتمع الغربي في آسيا".

وتابع قائلاً: "إن وحدة الهند السياسية.. كانت الشرط الأول لتجديدها. هذه الوحدة، التي فرضها السيف البريطاني ونظمها ودعمها الجيش المحلي الذي يدربه الانكليز، كانت شرطا لا غنى عنه لتحرر الهند، الشرط الذي لا غنى عنه لكي تكف الهند عن أن تكون فريسة لأول غازٍ أجنبي.

الصحافة الحرة، التي أدخلت لأول مرة في المجتمع الآسيوي، والتي يديرها الخلاسيون المتحدرون من الهنود والأوروبيين، هي إحدى الأدوات الجديدة المقتدرة التي تحمل عبء التجديد إن نظامي زمنداري وريوتواري بالذات، مهما بلغت فظاعتهما، يتضمنان شكلين متمايزين من الملكية الخاصة للأرض، وهذان هما الأمران الكبيران اللذان يفتقر إليهما المجتمع الآسيوي. [2]

إن مواليد الهند، الذين تربوا ضد رغباتهم تربية بسيطة وضئيلة في كلكوتا، هم في طور تشكيل طبقة جديدة تتسم بالقدرات الضرورية للحكم، وهي متأثرة بالعلوم الأوروبية. وحيث يصبح هذا البلد، الذي كان وجوده كالخرافة من قبل، مربوطا فعليا بالغرب.. إن الصناعات الحديثة، التي ستنتج عن شبكة السكك الحديدية، ستؤدي إلى انحلال التقسيمات الوراثية للعمل، التي ترتكز عليها الطبقات المغلقة الهندية، هذا العائق الحاسم أمام التقدم الهندي والقوة الهندية.

وفي 20 مايو/ أيار 1853، كتب ماركس مقالا تحت عنوان "الثورة في الصين وفي أوروبا"، راى فيه إمكانية أن يكون للتغيرات الثورية في آسيا انعكاسات هامة على أوروبا.

ومما ورد في المقال: "أيا كانت الأسباب الاجتماعية التي ادت إلى حدوث تمردات مزمنة تتوالى في الصين منذ حوالي عشر سنوات، والتي التقت الآن في ثورة واحدة جبارة، وأيا كانت الأشكال الدينية والسلالية أو القومية التي يمكن أن ترتديها، فمما لا شك فيه أن هذه الاحداث قد ولدتها المدافع الانكليزية التي فرضت على الصين هذا المخدر الذي يدعي الأفيون.

أمام الأسلحة البريطانية تمزقت سلطة الأسرة المنشورية الحاكمة، وانهار الإيمان بخلود امبراطورية السماء، والعزلة المحكمة البربرية التي تفصل الصين عن العالم المتمدن بدأت تخف، وفتحت فيها ثغرة سمحت بعلاقات تجارية أخذت تنمو بخطى حثيثة تحت تأثير جاذبية الذهب الكاليفورني والأسترالي. وفي الوقت نفسه، فإن العملة الفضية لإمبراطورية الصين، دم شرايينها، بدأت تنزف باتجاه الهند البريطانية".

ثم انتقل إلى الجانب الآخر في هذه العملية التاريخية، إذ قال: "في هذه الظروف، وبما أن التجارة البريطانية قد قطعت الشوط الأكبر من دورتها النظامية، يمكن أن نتوقع أن الثورة الصينية ستلقي الشرارة في اللغم المشحون للنظام الصناعي الحالي، وستسبب انفجار الأزمة العامة السائرة في طريق النضج منذ سنوات، الأزمة التي ستنتشر في الخارج، فتعقبها ثورات سياسية في البر الأوروبي. ذلك سيكون مشهداً طريفاً: مشهد الصين ترسل الفوضى إلى العالم الغربي، في الوقت الذي تدخل فيه الدول الغربية، بواسطة سفن الحرب الانكليزية والفرنسية والأمريكية "النظام" إلى شنغهاي ونانكين ومصب القناة الكبير".

ويبدو أن موقف ماركس من المسألة القومية في أيرلندا كان مختلفا، كما أشرنا سابقا، ففي مقالة له في سنة 1869، كتب يقول: ".. إن إيماني الذي ما انفك يزداد قوة والذي لابد من غرسه في صفوف الطبقة العاملة الانكليزية هو أن هذه الطبقة ليس باستطاعتها تحقيق أي شيء حاسم هنا في انكلترا ما لم تقطع جذريا مع السياسة التي سلكتها الطبقات المهيمنة تجاه أيرلندا، وما لم تأخذ زمام المبادرة لإلغاء وحدة 1801 القسرية وتعويضها بكونفدرالية قائمة على المساواة والحرية.. إذ ليست المشكلة في أيرلندا ذات طابع اقتصادي فحسب، بل لأن المسألة القومية مطروحة أيضا.

أما بالنسبة للمسألة اليهودية، فقد فند ماركس الأسس التي تستند إليها، ودحض المفهوم الذي تقوم عليه "القومية اليهودية"، إذ قال: "إنها قومية وهمية. هي قومية التاجر، قومية رجال المال، أي قومية الرأسمالي اليهودي". و"علينا ألا نبحث عن سر اليهودي في دينه، بل عن سر الدين في اليهودي الواقعي، في المصلحة العملية والمنفعة الشخصية، في المتاجرة والمال، الذي أصبح بفضله قوة عالمية".

وعندما حاول اليهود، داخل الحزب الاشتراكي – الديمقراطي الروسي، أن يطرحوا عن طريق "البوند" (الحزب الاشتراكي – الديمقراطي اليهودي) المسألة الخاصة لليهود، حيث تلقفوا أفكار الاتجاه الماركسي النمساوي حول "الاستقلال الثقافي القومي الذاتي"، لمس لينين بانهم أخذوا يقتربون من فكرة الصيهونية القائلة بوجود "أمة يهودية متميزة".

لقد لمس لينين في طروحات "البوند"، في الفترة ما بين 1913 – 1914، دعوة صريحة لشق صفوف البروليتاريا الروسية، مما دفعه للوقوف ضد مساعيه، يقوله: "إن فكرة شعب يهودي خاص، علاوة على أ،ها متداعية مطلق التداعي من وجهة النظر العلمية ، فهي رجعية في مرماها السياسي".

كما أشار لينين إلى أن مفهوم الشعب أو الأمة يتطلب شروطا لا تتوفر في اليهود. [3]

المرحلة الثانية: مرحلة ما بين الحربين (1914 – 1945):

تميزت هذه المرحلة بتأسيس الأممية الشيوعي الثالثة "الكومنترن" في 4 مارس / آذار 1919، وبالدور البارز الذي لعبته مع حركات التحرر الوطني، خاصة في قارتي آسيا وأفريقيا.

وقد أقر المؤتمر التأسيسي الأول برنامج الأممية الشيوعية، حيث تم تحديد أسباب ونتائج الحرب العالمية الأولى: "إن الحرب الأخيرة، والتي هي قطعا حرب من أجل المستعمرات، قد كانت في الوقت ذاته حربا قد خيضت بمساعدة المستعمرات. لقد جر سكان المستعمرات إلى الحرب الأوروبية بمقياس لا سابق له. الهنود والزنوج والعرب والمدغشقريون حاربوا على القارة الأوروبية – من أجل أي شيء؟ من أجل حقهم في أن يبقوا عبيدا لإنجلترا وفرنسا.

لم يحدث من قبل أن افتضح الحكم الرأسمالي على هذا النحو من الوضوح، ولم يحدث من قبل مطلقا أن طرحت قضية الاستعباد الكولونيالي بمثل هذه الحدة التي تطرح فيها اليوم.

وأكد البرنامج على أن تحرير المستعمرات غير ممكن إلا بالارتباط مع تحرير الطبقة العاملة في المتروبول، ووجه المؤتمر بيانا جاء في خاتمته: "يا عبيد المستعمرات في أفريقيا وآسيا! إن ساعة ديكتاتورية البروليتاريا في أوروبا ستكون ساعة تحريركم أنتم أيضاً".

هكذا، ومنذ اللحظة الأولى لانبثاقها نادت الأممية الشيوعية الثالثة الشعوب المضطهدة في الشرق كحلفاء في الكفاح ضد الامبريالية، وتحركت باعتبارها المنظمة الثورية العالمية الأولى.

وكان من أهم قرارات المؤتمر الثاني للأممية الثالثة الدعوة إلى عقد المؤتمر الأول لشعوب الشرق بباكو في شهر سبتمبر / أيلول 1920، حيث ساهم في اعماله (1891) مندوبا ينتمون إلى (37) قومية، من القوقاز وآسيا الوسطى وأفغانستان و مصر والهند وإيران والصين وكوريا وتركيا واليابان.. إلخ.

وقد صدر عن المؤتمر قرارات هامة، تتمثل في أن شعوب الشرق المضطهدة من قبل الامبريالية يمكنها ان تعتمد على تأييد الأممية الشيوعية والدولة السوفياتية. [4]

لقد حلل لينين الوضع في المستعمرات، وأبرز الدور الثوري العظيم لشعوب المستعمرات بقوله: "واضح تمام الوضوح، أن حركة الأغلبية العظمى من سكان المعمورة، الموجهة في الأساس نحو التحرر الوطني، ستتحول في مجري المعارك الحاسمة الوشيكة في الثورة العالمية ضد الرأسمالية والامبريالية، وربما ستشغل حيزاً أكثر ثورية بكثير مما نتوقعه".

وبالرغم من كلام لينين عن دور حركة التحرر الوطني، فإنه في الواقع كانت الحكومة السوفياتية تعطي الأولوية للاعتبارات الديبلوماسية، خاصة أنها لم تكن ترغب في التخلي عن أملها في طريقة للتعايش مع الدول الغربية.

فبعد ثلاثة أشهر من هذا المؤتمر عقدت اتفاقا تجاريا مع الحكومة البريطانية، اشترط على أن يتعهد البلدان بوقف شتى أنواع الدعاية المتعادية بينهما، وعلى أن تمتنع روسيا السوفياتية، بوجه خاص، عن القيام بأعمال دعائية يمكن أن تدفع الشعوب الآسيوية إلى العمل ضد المصالح البريطانية[5].

وعندما انعقد المؤتمر الخامس للأممية الشيوعية، في 17 يونيو/حزيران 1924 كان لينين قد توفي، فبدأت اتجاهات المؤتمر وقراراته ترتدي العلامات المميزة للعهد الستاليني. وخلال المناقشات، مثل روي مرة أخرى أيضا الاتجاه المتطرف. وكانت نقطة الخلاف الرئيسية بين روي وقيادة المؤتمر هي: إن قيادة الأممية تعتبر أن التحالف مع البرجوازية هو التكتيك المناسب لمجمل المرحلة الديمقراطية البورجوازية في البلدان المتأخرة، في حين أن روي لم يقبل بفكرة التحالف إلا في بعض الظروف، وبالتحديد "عندما تكون قدرة البورجوازية بمنأى عن إمكانية الاستيلاء على السلطة".

وخلافا لآراء روي فإن قرارات المؤتمر قد نادت بتكتيك يقضي بالتعاون مع البورجوازية في الشرق كله، وألحت أيضا على أهمية الحركات التحررية في المستعمرات، وعلى ضرورة عدم توجيه كل نشاطات الكومنترن نحو الغرب.

ولكن السياسة التي انتهجها ستالين في الأطراف الإسلامية للاتحاد السوفياتي في الفترة نفسها، والسياسة الخارجية للاتحاد السوفياتي كذلك، لم تدعم فرضية الأممية الشيوعية. [6]

ومنذ المؤتمر السادس للأممية الشيوعية أدت الاستراتيجية المتذبذبة بين خطين رئيسيين: "طبقة ضد طبقة" و "الجبهة الوطنية"، طبقا لمقتضيات السياسة الخارجية السوفياتية، عدم وضوح الرؤية الماركسية تجاه حركة التحرر الوطني.

كما جرى إبدال تعبير "الشعوب المستعمرة والتابعة"، الذي كان متداولا في وثائق الأممية الشيوعية، بتعبير "الجماهير الكادحة"، مما أشار إلى "تصلب" خط الأممية تجاه بورجوازية البلدان المستعمرة. وقد اتضح ذلك حين أصبح شعار "طبقة ضد طبقة" واجب التطبيق في كل مكان.

لقد فرض خط "طبقة ضد طبقة" على شيوعيي الدول المستعمرة أن تضع نفسها في صف البروليتاريا، سواء كانت موجودة فعلا أو وجودها قليل ومحدود، إضافة إلى أنه وضع هذه الأحزاب في مجابهة السواد الأعظم من الشعب، الذي كان يتشكل أساسا من الفلاحين، فضلا عن مجابهة البورجوازية بكل تنوعاتها، بما فيها تلك التي تتناقض مصالحها مع مصالح المستعمرين.

كما أن خط "طبقة ضد طبقة" قد بُنى على افتراض أن البورجوازية المتوسطة، بكل فئاتها الواسعة، قد أفلست سياسيا. وفي الواقع، أدى ذلك الخط إلى عزلة الشيوعيين عن حركة التحرر الوطني، كما أنه منع القوى الديمقراطية من أن تقطع الطريق في الوقت المناسب، بالاشتراك مع الاتحاد السوفياتي، على صعود النازية إلى السلطة في ألمانيا.

وعندما انعقد المؤتمر السابع في الفترة ما بين شهري يوليو/ تموز وأغسطس/ آب 1935 كان هتلر قد وطد مركزه في السلطة، وفات أوان ملاحظة أن تكتيك "طبقة ضد طبقة" يحول دون قيام جبهة من القوى الديمقراطية ضد ألمانيا النازية.

ومع ذلك فإن "الكومنترن" قد استخلص، كما فعل في سنة 1928 بعد فشل الثورة الصينية، دروس الأحداث، وقرر أن المشكلة الأساسية هي الدفاع عن الحريات الديمقراطية. وعوض نضال "طبقة ضد طبقة" بنضال "أمة ضد امة"، والأمم الديمقراطية أصبحت مدعوة إلى التجمع في جبهة مشتركة.

شغلت قضايا استراتيجية وتكتيك "الكومنترن" حول المسألة القومية ومسألة المستعمرات مكانا هاما في التقرير الذي قدمه بالميرو تولياتي تحت عنوان "مهمات الأممية الشيوعية بالارتباط مع الاستعدادات الامبريالية لشن حرب عالمية جديدة"، إذ لاحظ: "ان هجوم إيطاليا الفاشية على الحبشة سيؤدي حتما إلى تشديد جديد في التناقضات وإلى نضال مكشوف بين العالم الامبريالي والشعوب المستعمرة".

وبالنسبة لهذه الفترة يبدو من المفيد التمعن بمواقف الحزب الشيوعي الفرنسي إزاء المستعمرات، ذلك أن هذا الحزب الذي تعرض لانتقادات شديدة في المؤتمرين الرابع والخامس للأممية الشيوعية، قد بدأ يهتم بالمسألة الاستعمارية منذ مؤتمره السابع في العام 1930. فما أن اتخذ المؤتمر السابع للأممية الشيوعية القرار بإقامة جبهات شعبية ضد الفاشية حتى اتخذ الحزب الشيوعي الفرنسي، فيما يتعلق بالمسألة الاستعمارية، موقفا بدا للكثيرين بأنه ينطوي على تفهم للمطالب الاستقلالية لشعوب المستعمرات.

ففي شهر أكتوبر/ تشرين الأول 1935 أعلن موريس توريز الأمين العام للحزب تعلقه وحرصه على "الدفاع عن الشعب الجزائري"، لكنه اتجه نحو التيار الإصلاحي في الحركة الوطنية الجزائرية، الذي كان من أبرز وجوهه – آنذاك- فرحات عباس. [7]

وفي الوقت نفسه، شكك بتيار الحركة الوطنية الذي كان ممثلا بـ"نجم شمال أفريقيا" بقيادة مصالي الحاج، واتهمه بأنه متعاون مع الفاشية الإيطالية. فقد كتب موريس توريز، يوم 26 ابريل/ نيسان 1938، ما يلي:

"ما دامت المسألة الحاسمة في اللحظة الراهنة هي النضال ضد الفاشية، فإن مصلحة الشعوب المستعمرة هي في اتحادها مع الشعب الفرنسي، لا في اتخاذ مواقف قد تسهل المشاريع الفاشية ووضع الجزائر أو تونس أو مراكش – مثلا- تحت نير موسوليني وهتلر".

موريس توريز كان يريد إعادة صياغة تاريخ الجزائر، فتعريفه للأمة الجزائرية ينطوي، من جهة، على أن أمة كهذه هي بعيدة جدا عن ظروف تستطيع من خلالها التطلع نحو الاستقلال. ومن جهة أخرى، ينطوي على فكرة الاتحاد مع فرنسا لا الانفصال عنها، نظرا لأنه طمس عروبة الجزائر بجماعات مستوطنة مختلفة الأعراق والأجناس.

وفي التقرير الذي قدمه أمام المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي الفرنسي، الذي انعقد بتاريخ 25 ديسمبر/ كانون الأول 1937، قال: "ينبغي إلغاء قوانين المواطنة المحلية والسماح للسكان المحليين بالدخول في الوظائف العامة، وكخطوة أولى نحو حق التصويت لجميع السكان المحليين وحقهم في أن يكونوا منتخبين، ينبغي إقرار مشروع بلوم فيوليت بسرعة.

إن المطلب الأساسي لحزبنا الشيوعي، فيما يتعلق بالشعوب المستعمرة، ما يزال حرية تقرير المصير، وحق الاستقلال.. وما دامت المسألة الحاسمة في الوقت الراهن في مسألة النضال الظافر ضد الفاشية، فإن مصلحة الشعوب هي في اتحادها مع شعب فرنسا وليست في موقف يمكن أن يسهل الطريق أمام المشاريع الفاشية، ووضع الجزائر وتونس ومراكش – مثلا- تحت نير موسوليني أو هتلر، أو جعل الهند الصينية قاعدة لعمليات اليابان العسكرية..".

المرحلة الثالثة: مرحلة الحرب الباردة (1946 – 1989):

وهي من أغنى مراحل العلاقة بين الماركسية وحركات التحرر الوطني، لأنها تحتضن عقدي الخمسينات والستينات الذين شهدا النهوض العارم لحركات التحرر الوطني، ولأنها أيضا شهدت أهم المناقشات والتيارات الماركسية حول قضية تصفية الاستعمار وآفاق التنمية الوطنية في البلدان المستقلة حديثا.

ولكن السياسة السوفياتية، بعد الحرب العالمية الثانية، كانت تسقط من حسابها، إلى حد بعيد، الثورات الوطنية التحررية المعادية للإمبريالية، إذ كانت تعول أكثر على إحداث توازن للقوى الدولية لصالح المعسكر الاشتراكي بالاستفادة من التناقضات بين البلدان الرأسمالية الكبرى.

وتجلى ذلك، بشكل واضح، في موقف الاتحاد السوفياتي الأولي المعارض للثورة الصينية ودعوته الشيوعيين الصينيين إلى إلقاء السلاح ومهادنة تشان كاي تشيك، دون الأخذ بعين الاعتبار دروس التجربة المرة مع صن يات صن في العام 1927. [8]

لقد شهدت فترة الخمسينات تفكك الحركة الشيوعية العالمية، فبعد عام 1956 فقد الاتحاد السوفياتي احتكاره للدعوة الثورية، حيث شقت الصين عصا الطاعة، وحيث أخذت بعض الاحزاب الشيوعية الأوروبية، بمبادرة من الحزب الشيوعي الإيطالي، تخط لنفسها طريقا مستقلا عن التوجيهات السوفياتية.

ولم يؤد المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفياتي، الذي جرت الإشادة بمقرراته ونتائجه بشكل واسع في الأحزاب الشيوعية العربية، إلى تجاوز هذا التفكك.

وفي المؤتمر العالمي للاحزاب الشيوعية، الذي انعقد بموسكو في شهر نوفمبر / تشرين الثاني 1960، جرى جدل كبير بين الشيوعيين حول مجموعة من المسائل، بما فيها المسألة القومية في البلدان المستقلة حديثا. حيث تركز الجدل حول نقطتين هامتين: الاستقلالية داخل الحركة الشيوعية العالمية، وأصالة وتميز بلدان العالم، خاصة البلدان غير الأوروبية، عل الصعيد الثقافي والحضاري.

فقد ورد في البيان الصادر عن المؤتمر "رسالة إلى العالم": "إذا تجاهل حزب بروليتاري ما الخصوصيات القومية، فإنه يمكن أن ينفصل عن حياة الجماهير وينزل الضرر بقضية الاشتراكية".

كما تمت الإشادة بدور البلدان المستقلة حديثا في القارات الثلاث، حيث ورد في البيان: "إن مرحلة تاريخية جديدة قد انفتحت في حياة الإنسانية: إن الشعوب المتحررة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية قد بدأت تسهم بنشاط في السياسة الدولية".

أما عن سبيل هذه البلدان لحل مشاكلها الاجتماعية وتوطيد استقلالها القومي وإزالة التأخر فقد أشار البيان إلى "طريق التطور اللارأسمالي" باعتباره الطريق الأصوب لتحقيق تلك الأهداف، ومما ذكره البيان عن مواصفات دولة هذا الطريق "اللارأسمالي" ما يلي: "في الظروف التاريخية الراهنة، خلقت شروط مؤاتية، دولية وداخلية، لقيام دولة مستقلة للديمقراطية القومية فيبلدان عديدة، أي دولة تدافع بثبات ومثابرة عن استقلالها السياسي والاقتصادي، دولة تناضل ضد الامبريالية وكتلها العسكرية وضد القواعد العسكرية المقامة على أراضيها، دولة تناضل ضد الأشكال الجديدة للاستعمار وضد تغلغل الرأسمال الامبريالي، دولة يتمتع الشعب فيها بحقوق وحريات ديمقراطية واسعة (حرية الكلام والصحافة والاجتماع والتظاهر، حرية إنشاء الأحزاب السياسية والتنظيمات الاجتماعية)، وتوفر له إمكانية تحقيق الإصلاح الزراعي، والعمل للوصول إلى مطالب أخرى على صعيد التحويلات الديمقراطية والاجتماعية، والاشتراك في إعداد سياسة البلد".

ومن الأمثلة عن الماركسية وحركات التحرر الوطني يمكن ان نتناول تطور موقف الاتحاد السوفياتي من حركة التحرر الوطني العربية، ففي عقدي العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين، أيدت الحكومة السوفياتية الثورات والانتفاضات الشعبية التي شهدتها الأقطار العربية في مواجهة المستعمرين.

كما رفضت الانتداب، الذي فرضته الدول الاستعمارية على الشعوب العربية، بوصفه شكلا جديدا لـ"اللصوصية الاستعمارية"، ففي شهر مايو/أيار 1923 أرسلت الحكومة السوفياتية إلى كل من حكومتي بريطانيا وفرنسا مذكرة جاء فيها: "إن فلسطين وسورية في الوقت الحاضر هما في حالة ما يسمى بالانتداب، ان حكومة روسيا لا تعترف بهذا الشكل الجديد في الوضع الدولي، وطالبت بإلغاء نظم الوصاية والحماية والانتداب، والاعتراف بحق جميع الشعوب في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي.

وفي مرحلة الحرب العالمية الثانية، لعب الاتحاد السوفياتي دور المساند والداعم لنضالات الشعوب العربية من اجل إنجاز مهمة الاستقلال الوطني. [9]

وأثناء مناقشة قضية فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة، في شهر مايو/ أيار 1947، اقترح المندوب السوفياتي صيغتين: كانت إحداهما تنص على إنشاء دولة عربية – يهودية ديمقراطية- اتحادية، يتمتع فيها العرب واليهود بحقوق متساوية، وكانت الصيغة الثانية تقترح تقسيم فلسطين إلى دولتين ديمقراطيتين مستقلتين عربية ويهودية.

وبعد أن فشلت الصيغة الأولى في نيل موافقة الأطراف المعنية، اقترح المندوبون السوفييت الحل الثاني "التقسيم"، بما يعنيه ذلك من مصادرة إرادة شعب فلسطين وحقه في تقرير مصيره، فضلا عن سياسة الاحتلال والتهجير والإجلاء التي مارستها العصابات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني.

وفي مرحلة الخمسينيات والستينات، طرأت تغيرات جذرية في العالم العربي، حيث ازداد دور الجماهير الشعبية العربية في الحياة السياسية، التي كانت تطمح إلى بلوغ الاستقلال التام لأقطارها وتحقيق أملها في إقامة الدولة العربية الواحدة، ولكنها فوجئت بهجمة امبريالية شاملة لجر بلدانها إلى "سياسة الأحلاف"، وكذلك بالعدوان الثلاثي على مصر، وعدوان الخامس من يونيو/ حزيران 1967.

وقد أيد الاتحاد السوفياتي الأقطار العربية التي تعرضت للضغوطات وللعدوان، خاصة مصر وسورية، ذلك أن الصراع العربي – الإسرائيلي لم يكن صراعا إقليميا فحسب، وإنما صراع دولي على مناطق النفوذ. خاصة وأن المنطقة العربية هي منطقة استراتيجية هامة في العلاقات الدولية، علاوة على أنها منطقة تملك نصيبا وافرا من موارد الطاقة.

ومنذ السبعينات أخذت العلاقات العربية – السوفياتية أبعادا دراماتيكية مثيرة، حين طردت الحكومة المصرية الخبراء السوفييت من مصر، واتجهت أكثر فأكثر نحو التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، في حين أن سورية و العراق وطدا تحالفهما مع الاتحاد السوفياتي بتوقيع معاهدتي صداقة وتعاون.

وهكذا، نلاحظ أن المفكرين الماركسيين لم يتناولوا المسألة القومية كمسألة نظرية بحتة منفصلة عن مجموع المشاكل الاجتماعية والسياسية الكبرى، فهم ينطلقون من الظروف الملموسة والتاريخية التي تكونت فيها كل حركة قومية، بطابعها ومحتواها الطبقيين.

وعلى هذا الأساس، لم تكن الأمم والقوميات متعادلة أمام حركة التاريخ الواقعي، فهناك أمم "ثورية" وأمم "رجعية"، ولذلك قد اعتبرت الماركسية الكلاسيكية الاستعمار عامل تحضر للبلدان المستعمرة، وأن تحرير المستعمرات غير ممكن إلا بالارتباط مع تحرير الطبقة العاملة في المتروبول من سطوة النظام الرأسمالي.

وقد انساقت الماركسية إلى الاعتقاد بان التدويل المتسارع للحياة الاقتصادية سيؤدي إلى الاندماج التدريجي للقوميات.

ومن وجهة النظر الماركسية، فإن تشكل الأمة يغدو ممكنا بفعل وحدة الروابط الاقتصادية والأرض واللغة، باعتبار أن الأرض تمثل القاعدة المادية لتشكل الروابط الاقتصادية بين شعب الأمة، بينما تكمن أهمية وحدة اللغة في تأمين الاتصال والتواصل، بهدف السيطرة على السوق الداخلية، وتأمين الحرية الكاملة للتداول الاقتصادي.

أما الدولة القومية، فإنها تتشكل قبل تشكل الأمة، باعتبارها أداة للهيمنة الطبقية والقمع الطبقي. ومن جهة أخرى، فإن الدول الكبيرة تستطيع أن تحل المشكلات التي يولدها التطور الاقتصادي، لذلك فإن مزاياها كبيرة جدا. [10]

فلقد كان لينين، قبل الثورة الروسية، متحمسا لمبدأ الدولة "المركزية"، وخصما لمبدأ الدولة "الاتحادية".

وبالرغم من أن لينين خاض نقاشات حادة مع روزا لوكسمبورغ وبيليخانوف، حول "حق الأمم في تقرير مصيرها"، فانه ميز بين الاعتراف بحق تقرير المصير وبين تأييد المطالبة بتقرير المصير، وأشار إلى أنه كلما كان النظام السياسي ديمقراطيا ندرت وضعفت –عمليا- الميول إلى الانفصال.

كما أنه تحدث، أثناء الحوار مع بليخانوف، عن تمكين بروليتاريا كل أمة من تقرير مصيرها، لا كل طبقات لأمة. وفي هذا الإطار، تحدث عن أن كل أمة تشتمل على أمتين، وكل ثقافة قومية تشتمل على ثقافتين.

ولعل أفضل ما تحدث عنه لينين يكمن في تأكيده أن تفاوت التطور الاقتصادي والسياسي هو قانون مطلق للرأسمالية، وأن انقسام الأمم إلى أمم مضطهدة وأمم مضطهدة هو جوهر الامبريالية وماهيتها، وأن الحروب القومية أمر حتمي في عصر الامبريالية.

وقد نصح الشيوعيين، في البلدان المستعمرة، أن يدعموا الحركة القومية في بلدانهم بقيادة البورجوازية الديمقراطية، ولكن دون ان يذوبوا فيها. كما استنتج، من مسيرة الثورة الروسية، إمكانية أن تتجنب بلدان حركة التحرر الوطني المرحلة الرأسمالية من التطور، وهو ما شكل الأساس لنظرية "التطور اللارأسمالي" المدمرة لاحقا.

أما ستالين، فقد صدرت مواقفه، تجاه المسألة القومية، عن نزعة "طبقوية" خالصة. فالأمة، طبقا لرؤيته، مقولة تاريخية لعصر الرأسمالية الصاعدة، والنزعة القومية هي العقبة الرئيسية في وجه تكوين كوادر ماركسية حقيقية.

لذلك، فإن الأممية الشيوعية، تحت قيادته، تميزت بالتذبذب بين خطين متناقضين: ططبقة ضد طبقة" في المؤتمر السادس سنة 1928، و"الجبهة الوطنية المتحدة" في المؤتمر السابع سنة 1935، طبقا لمقتضيات السياسة الخارجية السوفياتية.

إن التجربة التاريخية الغنية للحركات القومية لا يمكن حصرها في تعريف مطلق نهائي، كما فعل أغلب الماركسيين خلال الحقبة الستالينية، حين تصوروا أن تعريف ستالين للأمة مفتاح سحري لكل الحركات القومية.

إذ أن محاولة جعل التعريف الواحد شاملا لمختلف أشكال الحركات القومية هي محاولة تبوء بالفشل، إذ تبرز للعيان أمور كثيرة لا تنطبق على الصيغة الستالينية العامة، فالطرق الخاصة التي وحدت القوميات في دول أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا لا تنعكس ذاتها في الصورة التي نستنتجها من دراسة تشكل الدول القومية الأوروبية.

أما بالنسبة للأمة العربية، فلقد جزأ الاستعمار الاقتصاد العربي تجزئة كاملة، بتحويله اقتصاد كل قطر عربي إلى مكمل لاقتصاد الدولة المستعمرة، وأصبحت الرأسمالية الأجنبية والمحلية الكمبرادورية العائق الأساسي في طريق التوحيد القومي العربي.

 

 


[1] د. عبد الله تركماني – الاحزاب الشيوعية .. في المشرق العربي – لبنان - الطبعة الاولى 2002 - ص 285.

[2] المصدر السابق – ص 286+287

[3] المصدر السابق – ص 289

[4] المصدر السابق – ص 290

[5] المصدر السابق – ص 291

[6] المصدر السابق – ص 293

[7] المصدر السابق – ص 295

[8] المصدر السابق – ص 297

[9] المصدر السابق – ص 300

[10] المصدر السابق – ص 301