في سياق الترجمة الفعلية لتحالف دولة الإمارات مع الكيان الصهيوني، تسارعت الخطوات الخاصة بإنشاء قاعدة استخبارية وعسكرية صهيونية في س قطر ى، حسبما أشارت تقارير إعلامية غربية، وإشارات متعددة من سكان الجزيرة نقلتها وسائل إعلام محلية ودولية.
الإمارات التي شاركت لجانب عدد من الدول العربية والأجنبية والعدو الصهيوني في مؤتمر وارسو أواسط فبراير ٢٠١٩، والذي نظمته الولايات المتحدة لحشد حلفائها ضد إيران وحركات المقاومة في المنطقة العربية، لم تعد تخفي رغبتها بدعم العمل الاستخباري والعسكري ضد دول المنطقة وقوى المقاومة فيها.
وكانت الإمارات بادرت خلال أغسطس الجاري، للإعلان عن اتفاقها مع العدو الصهيوني على تطبيع العلاقات والتعاون المشترك بين الجانبين، وأشار عدد من مسؤوليها لخطط مشتركة للتعاون الأمني والعسكري والاستخباري مع العدو الصهيوني.
وتوازى مع ذلك نهاية أغسطس المنصرم كشف موقع jforum (المنتدى اليهودي) الفرنسي أن الإمارات وفرت قاعدة للعمل الاستخباري للعدو الصهيوني في جزيرة سقطرى اليمنية الإستراتيجية، وأن هناك مخططات لإنشاء مرافق عسكرية واستخبارية في الجزيرة اليمنية التي تحتلها الإمارات.
وأضاف الموقع أن هذه المرافق ستخصص لرصد تحركات البحرية الإيرانية في المنطقة، وتحليل الحركة البحرية والجوية في جنوب البحر الأحمر، وأشار الموقع إلى أن إنشاء العدو الصهيوني قواعد استخباراتية في جزيرة سقطرى، بالتعاون مع الإمارات يأتي ضمن تعاون سري مستمر منذ عدة أعوام.
وبالإشارة للأهداف الكامنة وراء إنشاء القاعدة العسكرية الاستخبارية، اُعتبر أنها تهدف لمراقبة تحركات "أنصار الله"، بجانب السيطرة على الملاحة البحرية في المنطقة، هذا بجانب الهدف الأساسي المتمثل في التجسس على تحركات البحرية الإيرانية.
وفي ذات السياق، نشر موقع "ساوث فرونت" الأمريكي معلومات عن زيارة ضباط إماراتيين وصهاينة إلى جزيرة سقطرى جنوب شرق اليمن، بهدف إنشاء بنية تحتية استخبارية وعسكرية.
وبحسب تقرير الموقع الأمريكي، فإن السعودية اُستثنيت من الخطط الخاصة بالقاعدة العسكرية الاستخبارية في الجزيرة.
موقع الجزيرة في سياق التحالف الإماراتي الصهيوني
لطالما شكلت الموانئ اليمنية محط أطماع للإمارات وغيرها، في سياق التنافس على التحكم في النقل البحري التجاري حول العالم، والذي ظهر واضحًا في المسعى الإماراتي لتحقيق سيطرة ثابتة على ميناء عدن الاستراتيجي، ولكن المستجد هو الانغماس الإماراتي منذ سنوات في الحرب على قوى المقاومة وطرق إمدادها في المنطقة، والتي يلعب البحر الأحمر دور أساسي كشريان وصل فيها.
وفي هذا الجانب، لا يمكن إغفال الارتباط الكبير بين المساعي الإماراتية الصهيونية الجديدة، وبين العمليات العسكرية الصهيونية في البحر الأحمر لقطع طرق امداد المقاومة، والتي قد تكون أشهرها مصادرة السفينة "كارين أيه" في العام ٢٠٠٢، والضربات الجوية على مجمع الخرطوم في السودان .
وفي ذات السياق، يشار الى أن العدو الصهيوني بدأ منذ 2016 في بناء أكبر قاعدة استخبارات في حوض البحر الأحمر، في جبل أمباساريا؛ الواقع في إريتريا، في المنطقة الإستراتيجية المطلة على مضيق باب المندب.
وإذا كانت جريمة التجسس على دول الجوار، وتحديدًا ايران هي الحجة المعلنة لإنشاء القاعدة العسكرية في الجزيرة، فإن موقع الجزيرة وطبيعتها ودورها التاريخي، تشير إلى أهداف مختلفة، أهمها التحكم الصهيوني في البحر الأحمر ومنع حرية الملاحة العربية فيه، وهو ما يحمل خطورة إضافية بجانب أخطار الأهداف التجسسية للعدو الصهيوني.
سقطرى فعليًا ليست جزيرة واحدة ولكن أرخبيل من ست جزر تطل على المحيط الهندي، وتقع قبالة سواحل القرن الإفريقي، تبعد عن سواحل الصومال ٢٤٠ كم، فيما تبعد عن سواحل الجزيرة العربية ٣٨٠ كم، ما يعني فعليًا أن قدرات الهيمنة التي تمنحها الجزيرة لمن يسيطر عليها لا تتصل بمجهود دفاعي أو هجومي موجه ضد إيران، ولكن المساحات المعرضة أكثر للتهديد، قد تكون سواحل شرق إفريقيا، بجانب السواحل العربية؛ سواء تلك المطلة على الخليج العربي أو البحر الأحمر.
المساحة الاستثنائية لسقطرى كأكبر جزيرة عربية على الإطلاق، تشي إلى حد ما بالنوايا وراء اختيارها كقاعدة عسكرية، بما يتجاوز الأدوار الاستخبارية والتجسسية التكتيكية والمحدودة، فالنوايا تشير للتأسيس لمرافق وبنى تحتية تسمح بتحول الجزيرة لقاعدة عسكرية استثنائية في درجة خطورتها. ومنذ إغلاق القاعدة العسكرية البحرية السوفياتية في الجزيرة ١٩٩١، كانت الجزيرة موضع لأطماع أمريكية، تم التعبير عنها في لقاءات المسؤولين الأمريكيين مع الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، وذلك في إطار ما اعتبرته الإدارة الأمريكية ضرورات الحرب على الإرهاب؛ وإذ تبدو الولايات المتحدة بعيدة نسبيًا عن صورة الاهتمام بالسيطرة على الجزيرة حاليًا، فإن احتياج أسطولها لقاعدة إمداد بهذا الموضع تعتبر أكيدة وضرورية، سواء لجهة اهتمامها بالخليج العربي والمحيط الهندي وملاحتها تجاه الشرق الأقصى، أو للأطماع الافريقية الخاصة بها، وحاجتها للتنقل السريع والمدعوم لوجستيا عبر البحر الاحمر وصولًا للمتوسط، هذه الاحتياجات الأمريكية يبدو أنها ستكون جزءًا من الامتيازات والخدمات التي ستقدمها القاعدة الصهيونية الإماراتية المشتركة في سقطرى، بكل ما يعنيه ذلك من مفاقمة للتهديدات على المنطقة العربية وتسهيل للهيمنة الأمريكية فيها.
سيطرة وتغيير ديمغرافي وسياسي
يشار إلى أنه منذ حزيران الماضي دفعت الإمارات بمليشيات ما يسمى بالمجلس الانتقالي التابعة لها، لاجتياح جزيرة سقطري، ومن ثم وضعت الجزيرة تحت السيطرة الإماراتية، وقد رحَّل مسلحو المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، بمجرد سيطرته على الأرخبيل، بالإضافة إلى العشرات من أبناء المحافظات الشمالية اليمنية من جزيرة سقطرى (جنوب شرق)، حسب مصدر في الحكومة التابعة لعبد ربه المنصور هادي.
وفي السياق نفسه، ذكرت مصادر في مطاري عدن وسيئون وكذلك موانئ حضرموت وعدن والمهرة، أن الإمارات شددت الإجراءات على اليمنيين في السفر إلى جزيرة سقطرى، ومنعت رحلة من مطار عدن وأخرى من سيئون تحمل يمنيين، كان مقررًا أن تتجها إلى جزيرة سقطرى؛ البعض منهم للسياحة وآخرون للأعمال التجارية، كما شددت على منع السفن في موانئ عدن والمكلا والغيضة، من نقل اليمنيين إلى الجزيرة.
في العام ٢٠١٨ أطلق أحد المسؤولين الإماراتيين في إمارة عجمان تصريحات مفادها أن سكان جزيرة سقطرى سيصبحون إماراتيين، وفي إشارات متكررة لنيتها بضم الجزيرة، عملت الإمارات على بناء نفوذ اجتماعي وسياسي في الجزيرة؛ من خلال التحكم في عمليات التوظيف وسلوك الإدارات الحكومية، واتخاذ إجراءات لقطع أدوات ارتباط الجزيرة باليمن.
ورغم اتخاذ الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي كواجهة للسيطرة على الجزيرة، وإعلان الأخير في مرات متعددة لرؤيته للجزيرة كجزء من الإقليم الذي يتطلع للانفصال به في الجنوب عن بقية اليمن؛ إلا أن الدور الحقيقي لقوات المجلس ومسلحيه في الجزيرة لا يعدو اليوم حراسة القوات والموظفين الإماراتيين، حتى دون اضطلاع بالعلاقة المباشرة مع السكان التي بات يتولاها الجانب الإماراتي بشكل مباشر في أغلب جوانبها.
هل تنجح المساعي الإماراتية – الصهيونية؟
مع إشارات الفشل المؤكد التي يعطيها الغزو الإماراتي السعودي لليمن في عامه السادس، تبدو الإمارات بحاجة لاستخلاص وانتزاع ما تستطيع من الأرض وبقاع السيطرة الاستراتيجية في اليمن، بعد إنجاز مهمتها التدميرية في هذا البلد العربي، لكن الحقيقة، وبعيدًا عن ضرورة التحذير من المخططات الصهيونية والتوافق الإماراتي معها بشأن اليمن، فإنه يبدو من المرجح أن كل هذه المساعي الإماراتية والصهيونية، قد لا تعرف طريقها للنجاح، فالعمليات التي يخوضها الجيش اليمني واللجان الشعبية في محافظة مأرب، والإمكانية الحقيقية لسقوط المحافظة قريبًا في يد القوى اليمنية الوطنية، لا يعني تهديد التواجد الغربي والإماراتي في جنوب اليمن فحسب، بل تهديد أبو ظبي والرياض أيضًا، فما تشكله محافظة مأرب بالمعنى الاستراتيجي كان يستبعد احتمالات سقوطها السريع أو قبول التحالف وقواته التفريط فيها؛ فهذا الانهيار تعبير عن العجز في مواجهة الزحف المستمر للقوى الوطنية اليمنية المصممة على استعادة كامل ترابها الوطني، وإقامة يمن آخر سيكون وفيّ لتاريخه، وبالتأكيد لا موضع فيه، الا لما يواجه ويقاوم العدو الصهيوني وحلفائه.

