المفكر المناضل الشهيد مهدي عامل نموذج فريد في ثقافتنا القومية، فهو مثقف ثوري استطاع بفكره ونضاله أن يقدم منظوراً جديداً للمثقف وللثورة معاً، وكان يصدمه الصمت المنتشر في العالم العربي، بخصوص الأعمال الفكرية.
أراد مهدي عامل أن يبني نظرية عربية للثورة قائمة على المعرفة والعلم، كما شهد بذلك الجميع: مريدوه ومناصروه ومعارضوه، فالعلاقة بين النظرية والواقع، أو بين الفكر والممارسة لها الأولوية، فهي من بداهات الفكر الثوري ومن اساسيات تراكم الخبرة الثورية، لكن خصوصية مهدي عامل تكمن في أنه اجتهد لبلورة صيغة العلاقة واضعاً إياها في مركز فكره من ناحية، هادفاً إلى إنتاج معرفة علمية بروليتارية، متجاوزة "الفكر المتكون" ومسلمات الماركسية السائدة في العالم العربي من ناحية أخرى.
فقد رفض كثير من المقولات والفرضيات التي ترسخت في ثقاقتنا العربية الحديثة عن الماضي والحاضر، الغرب والشرق، العقل والقلب، كاشفاً وراء هذه الثنائيات المثالية للفكر البرجوازي، حقيقة الصراع الفكري، الطبقي، الكامن في الواقع، كما رفض الواقع الظاهري التجريبي الذي يحجب حقيقة العلاقات الاجتماعية ويخدم في النهاية مصلحة الطبقات السائدة[1].
عالج الشهيد الراحل مهدي عامل فكرة البنية في كثير من كتاباته، وفي هذا الجانب تناول المفكر الراحل محمود العالم مفهوم البنية عند مهدي عامل، قائلاً: إن البنية عند مهدي ليست مغلقة، مثل بنية المذهب البنيوي، بل بنية علاقات اجتماعية تحكمها تناقضات مختلفة متفاوتة، إلا أنها بسبب أولويتها المطلقة تقلص التفسير إلى العناصر الداخلية للبنية الاجتماعية في علاقتها – البنيوية أيضاً- بالمركز الإمبريالي، متجاهلة عناصر الامتداد التاريخي وعناصر التفاعل بين القطع والاستمرارية.
وإن كان مفهوم البنية يحكم بالفعل تصور مهدي عامل للمراحل المختلفة التي تقود إلى الاشتراكية، فينبغي هنا تعميق مفهومه لعلاقة البنية بالقطع، فالبنية هي كنقطة التقاء بين النظري والتاريخي في فكر مهدي عامل، فهناك ثلاثة أزمنة للبنية – حسب شرح مهدي عامل في الجزء الأول من مقدماته النظرية "في التناقض" – أي[2]:
- زمن التكون وهو زمن الانتقال من نمط إنتاج إلى نمط آخر للإنتاج.
- زمن التطور أو الزمان البنيوي للبنية وهو زمن إعادة إنتاج علاقات الإنتاج ذاتها للنظام السابق.
- زمن القطع وهو زمان القفزة من نمط إلى نمط مع كسر نمط الإنتاج السابق.
ولا يحدث هذا القطع الصارم مع البنية السابقة، إلا مع تحرير الصراع الطبقي والفصل النهائي مع علاقات ونمط الإنتاج السابقة، وهذا لم يحدث في العالم العربي – أو في العالم الثالث بصفة عامة – الذي لم يعرف أبداً زمن القطع؛ بسبب تبعيته للعالم الإمبريالي الذي يحكم تطوره، مانعاً أي تطور – حتى رأسمالي، رغم أنه أدخل التغير بالعنف في داخل بنى البلد التابع، لكن قبل أن نهتم بمناقشة مشكلة المراحل – أو التمرحل- عند مهدي عامل، ينبغي أن نقف عند بعد أساسي في فكره وهو تصوره "لنمط الإنتاج الكولونيالي" والمناقشة الثرية الجادة الجديدة التي نمت بخصوصه، والتي –كما يقول محمود العالم- أعادت لنا الثقة في مستقبل الفكر الماركسي العربي؛ فحسب "نمط الإنتاج الكولونيالي" لا توجد برجوازيات وطنية، بل طبقات برجوازية عميلة، تابعة للإمبريالية، لم يحدث إذن تطور من طبقة سائدة إقطاعية، أو نصف إقطاعية نصف رأسمالية، إلى برجوازية تفرض نمطاً جديداً للإنتاج، بل "استبدال" طبقي (والمفهوم مفهوم بولنتزاس رغم التغيرات التي أدخلها عليه مهدي عامل)، فتقوم الطبقة الجديدة السائدة بنفس دور إعادة إنتاج التخلف لأن السيد الإمبريالي المسيطر لا يسمح بأي تجديد حقيقي. وهذا التصور موجود أيضاً عند غيره من المفكرين الذين اهتموا بالعالم الثالث: "فرانتس فانون" مثلاً و "املكار كابرال" ، الذين فضحوا الدور العميل للبرجوازيات المحلية بعد – أو قبل – إنجاز الثورات "الوطنية " في العالم الثالث المحكوم بالاستعمار الجديد.
ويؤيد الواقع العربي هذا التصور: هزيمة 67 ثم "الردة" في السبعينات التي شهدت تراجع "الإنجازات الوطنية" وسيطرة الأموال النفطية على العالم العربي مع إخضاع الطبقات الكادحة، إلى قوى القمع والتسلط في مجتمعات وقعت تحت تبعية لم تعرفها بعد، في إطار انتشار الأنماط الاستهلاكية والضغط الإعلامي الذي يغيب وعيها. فكما يظهره نقد مهدي لفكر إدوارد سعيد، كان مدركاً خطورة الوقوع في منطق الفكر السائد ومنطلقه الأيديولوجي، وكان يرى أهمية انفجار الصراع بين فكر سائد وفكر نقيض من أجل إبداع موقع جديد للفكر الثوري. وربما نقف هنا عند هذه النقطة الأساسية في معركة مهدي عامل الفكرية: نضاله من أجل تفجير الصراع الفكري الذي يكتبه الفكر الرسمي، وهو وجه من الصراع الطبقي. ونجد هذه الفرضية تحرك محوراً أساسياً من فكر مهدي ومعركته السياسية وهي منظور للطائفية ، التي ربما سببت موته بشكل مباشر: فكما أظهر مسعود ظاهر، فإن مهدي عامل هو المفكر العربي أو الأوروبي الأول الذي كشف التضليل الطبقي الكامن وراء منظور الطائفية.
نظرية الثورة عند مهدي عامل وأدواتها المعرفية:
يقول المفكر الراحل محمود العالم "إذا أردنا أن نبحث عن برهان أو دليل على مدى مصداقية فكر مهدي عامل وفاعليته، لما وجدنا برهاناً أو دليلاً أسطع وأشد يقيناً وقوة من استشهاده نفسه، فلو لم يكن فكره صحيحاً لما قتل بيد من قتلوه، ولو لم يكن فكره فاعلاً لما قتل بيد من قتلوه، كان فكر مهدي عامل فاضحاً لحقيقة قوى الطائفية والاستغلال الطبقي والتبعية للإمبريالية، كاشفاً الطريق الصحيح لمصارعتها والانتصار عليها. إنه المفكر العربي الوحيد الذي حاول أن يبني نظرية علمية متكاملة للثورة العربية، بل للثورة في البلاد المتخلفة عامة. حقاً، قد تجد مقالات ودراسات نظرية وسياسية وبرامج أحزاب هنا وهناك، ولكن لا نكاد تعثر على مفكر آخر حاول تنظير الواقع العربي وواقع التخلف عامة، تنظيراً علمياً متسلحاً بالفكر الماركسي على هذا المستوى من الجدية والعمق والاتساق".
لم يتخذ مهدي عامل من الفكر الماركسي المتكون نقطة بدايته، بل أراد –كما يقول العالم- أن يجعل من واقعنا المتخلف نقطة البداية، بل أن يضع أسس الفكر الماركسي المتكون نفسه موضع التساؤل على أرض هذا الواقع المتميز، حتى يمكن – على حد تعبيره- أن يتكون فكرنا كفكر ماركسي حقاً.
لقد أراد مهدي عامل بناء نظرية ماركسية للتخلف، عندما اكتشف أن عدم وجود نظرية ماركسية للتخلف هو في حد ذاته ظاهرة رئيسية من ظواهر التخلف[3]. ولهذا، فلعل الحديث عن أدواته المعرفية يكون مدخلنا إلى التعرف على معالم نظريته نفسها.
يكتفي العالم بتناول ثلاث أدوات أو ثلاثة مفاهيم هي في تقديره أبرز هذه الأدوات والمفاهيم، هي: مفهوم البنية، ومفهوم القطع البنيوي ومفهوم الواقع النظري، ولكن لعل مفهوم البنية هو المفهوم المحدد أو المسيطر – لو صح التعبير- على بقية المفاهيم الأخرى.
إننا في وحدة عالم يتألف من علاقات بنيوية متداخلة، تجمع في آن بين الكونية والتميز، أو بين الكلية والخصوصية، ولكنها ليست متداخلة كوجود ثابت، بل متداخلة احتداماً وصراعاً وتناقضاً بين بعضها البعض، بسبب ما بينها من تفاوت في الوجود، يفضي بها بدوره إلى تفاوت في التطور بين علاقاتها وحركاتها المختلفة. لا شيء يمكن تفسيره إلا في إطار علاقته البنيوية، ولا شيء يمكن أن يحدث كذلك إلا بفاعلية بنيوية، أي بِعِلِّية بنيوية؛ إنها إذن –بتعبير عام- العلاقة المحددة والمسيطرة والمهيمنة والمؤثرة والفاعلة، على تنوع الأشكال التي تتخذها هذه العلاقة وتنوع مستويات هذه الأشكال، من حيث الوجود والتطور.
نحن مرة أخرى داخل عالم مبنين، متفاوت متطور في تبنينه، وقوة الفعل والتأثير فيه ناجمة عن هذا التبنين نفسه؛ منذ الوحدة الأولى للفرد، للفكر، للشيء، للعنصر، حتى العلاقات الإنسانية الكلية الكونية، مروراً بالأبنية الاجتماعية المتميزة، تسود البنية وتحدد وتسيطر وتسبب وتفعل.
يقول مهدي عامل "الوجود الفعلي ليس للعنصر بما هو عنصر، بل للبنية، وعلاقة الفكر بالواقع – كما يقول كذلك – ليست علاقة أفراد بواقع يخضع في تطوره لمنطق عقلاني خارج عن الإرادة الذاتية، بل علاقة بنيوية يتحرك في إطارها الأفراد بفعل تطوير البنية ومنطقها، سواء على صعيد الواقع الاجتماعي التاريخي، أم على صعيد الفكر، لا بفعل إرادتهم الذاتية[4] وإذن فالفكر كذلك ليس له وجود مستقل مهما بلغت أهميته العملية أو النظرية، ولا وجود له إلا في بنية فكرية متكاملة تحدد موقعه بالنسبة لأفكار أخرى تضمهما وحدة بنية، وبالتالي وحدة تطور؛ واقع الفكر إذن لا يفسر الفكر، لذلك وجب حكماً الرجوع في تفسير الفكر إلى البنية الاجتماعية التي يتحرك فيها [5]، وهكذا، فالبنية ليست أشكالاً فارغة، وليست ثابتة وإنما هي بنية علاقات اجتماعية تحكمها تناقضات مختلفة متفاوتة.
وإذا انتقلنا من هذا التعميم إلى التخصيص في الواقع العربي أو في البلدان المستعمرة المتخلفة عامة، لوجدنا أن بنيتها الإنتاجية على اختلافها وتفاوت تطورها، يحكمها جميعاً تبعيتها لبنية الامبريالية الرأسمالية العالمية. وبرغم ما بين البنية المتخلفة التابعة، والبنية الرأسمالية الامبريالية من اختلاف وتفاوت، فهناك وحدة بنيوية واحدة تحكم العلاقة بينهما، وإن تكن وحدة تناقضية بين نمط الإنتاج الرأسمالي وبين نمط الإنتاج في هذه البلاد المتخلفة.
وتأسيساً على هذه النظرة البنيوية في تبعية العلاقة بين نمط الإنتاج في هذه البلاد المتخلفة وعلاقة الإنتاج في البلاد الرأسمالية، فإن هذه البنية التابعة؛ بسبب هذه البنية الأشمل التي تستوعبها، وبرغم طابعها البنيوي المتميز (أي الخاص) تفتقد التفارق الداخلي، أي التبنين الطبقي الداخلي. فالبرجوازية في هذه البلاد ليست إلا ممثلة للبرجوازية الرأسمالية في البلد الرأسمالي، ولهذا تفتقر هذه البرجوازية التابعة في وجودها الطبقي إلى الأسس التي تجعل منها طبقة [6]. ولهذا السبب – كما يضيف محمود العالم- لا يحدد مهدي عامل بنية هذه البلاد المتخلفة أو علاقة الإنتاج فيها بصفتها الإنتاجية، أي بطبيعة الإنتاج فيها، وإنما يحددها بصفة علاقتها بالرأسمالية الامبريالية، فيطلق عليها صفة علاقة الإنتاج الكولونيالية، وبهذه العلاقة البنيوية، يقول مهدي عامل باللاتفارق الطبقي في بنية البلاد التابعة، وبالاستحالة البنيوية لصيرورة إنتاج هذه البلاد إنتاجاً رأسمالياً [7].
وعلى هذه فصفة الكولونيالية هي تغليب لطابع العلاقة التابعة للإمبريالية على طبيعة الإنتاج نفسه؛ فالكولونيالية ليست صفة إنتاجية، بل هي علاقة سيطرة وتبعية، فضلاً عن أن العلاقة الكولونيالية هي علاقة تنتسب إلى مرحلة الاستعمار القديم ولا تصح وصفاً للعلاقة في المرحلة الامبريالية، إلا في بعض الحالات المحددة. إن العلاقة البنيوية المسيطرة، تكاد تنفي الخصائص الذاتية للمجتمع التابع وتجعل من علاقات إنتاجه مجرد علاقات إنتاج تابعة، ولكن من دون صفة إنتاجية ذاتية. وفي هذا التفارق الطبقي تبرز الطبقة البرجوازية الكولونيالية الممثلة للرأسمالية، كما تبرز الطبقة النقيض، أي الطبقة العاملة، وتبرز بينهما البرجوازية الصغيرة –لا المتوسطة- كما يقول مهدي عامل، حتى لا نقع في تماثل مع الطبقة المتوسطة في البلاد الرأسمالية، وعندما تنجح البرجوازية الصغيرة في أن تصبح قوة مسيطرة في السلطة، لا يحدث تغيير طبقي في هذه السلطة، بل مجرد استبدال طبقي في علاقة الطرف المسيطر في إطار ثباته البنيوي.
فالبنية الكولونيالية تفرض على هذه البرجوازية الصغيرة في السلطة أن تصبح برجوازية كولونيالية متجددة، أي يتم استيعابها بنيوياً، وتظل بهذا عاجزة عن أي تنمية رأسمالية، شأن البرجوازية الكولونيالية التقليدية، ولن ينقذ البرجوازية الصغيرة من هذا المصير إلا تحالفها مع الطبقة النقيض، أي الطبقة العاملة، ولهذا، فالتخلف نفسه لا يُفْهَم ولا يُفَسّر بماضيه وآثار هذا الماضي، كما يقول إيف لا كوست، ولا بالفارق الكمي بين بلد متخلف وبلد رأسمالي غربي، وإنما يُفَهم ويُفَسَّر ببنيته الراهنة؛ فالتخلف – كما يقول مهدي عامل- بنية اجتماعية متماسكة، أي إنه نظام إنتاج متميز (أي خاص) هو نظام الإنتاج الكولونيالي[8]، وعليه لن نستطيع أن نفهم الطائفية في لبنان، إلا في ضوء هذا المفهوم البنيوي، كذلك فالطائفة* – كما يقول مهدي عامل – هي علاقة سياسية قائمة بين فئات من الطبقات الكادحة وفئة من البرجوازية ورؤساء العائلات الكبيرة ورؤساء طوائف[9].
فالطائفية في الماضي غير الطائفية اليوم بنيوياً؛ الطائفية اليوم لا يمكن فهمها إن لم نفهم الشكل الكولونيالي لتحرك نمط الإنتاج الرأسمالي في البنية اللبنانية، ولهذا كان من الطبيعي بنيوياً في ضوء هذه العلاقة الكولونيالية البنيوية أن ينتهي مهدي عامل إلى القول بأن التخلص من هذه العلاقة الكولونيالية البنيوية، إنما يتم بالتحرر الوطني، وإن هذا التحرر الوطني في ذاته، من حيث إنه تحرر من علاقات الإنتاج الكولونيالية التابعة للرأسمالية هو انتقال كذلك في الوقت نفسه إلى الاشتراكية، فلا سبيل إلى الانتقال داخل هذه البنية الشاملة إلى الرأسمالية، لما تفرضه بنية العلاقة الكولونيالية من استحالة صيرورتها علاقة رأسمالية. ولهذا كذلك، فلا طريق غير طريق التحرر الوطني كوجه آخر للتحول الاشتراكي، وهكذا يصبح للصراع الوطني بعد طبقي، كما يصبح للصراع الطبقي بعد وطني، ولكن هذا لا يتم بالاستبدال الطبقي في إطار بنية علاقات الإنتاج الكولونيالية، وإنما يتم كذلك بالتغيير البنيوي الطبقي.
مفهوم القطع البنيوي:
القطع المعرفي هو انتقال الفكر من بنية معرفية وطبقية معينة إلى بنية معرفية وطبقية أخرى؛ والقطع البنيوي هو الانتقال الجذري من بنية علاقات إنتاج معينة إلى بنية علاقات إنتاج أخرى.
وحركة التاريخ، كما يقول مهدي عامل، ليست استمراراً أو تواصلاً أو تتابعاً، بل هي حركة تَقَطُّعٍ تترابط فيها أنماط الإنتاج في قفزاتها البنيوية من نمط إلى آخر[10]، بشكل يستحيل فيه قراءة نمط الإنتاج الرأسمالي مثلاً في بنية نمط الإنتاج الاقطاعي أو الاستبدادي أو الانطلاق منه، فالعلاقة بين هذين النمطين ليست علاقة استمرار يتولد فيها الأول من الثاني بل هي علاقة قطع بنيوي بين البنيتين. فبالنسبة للبنية الاجتماعية مثلاً، فإنه إذا كانت الامبريالية قد أحدثت في حركة تاريخنا –كما يقول مهدي عامل- انقطاعاً خرج فيه تاريخنا هذا عنا، بدخوله في حركة تحدد علاقة التبعية البنيوية للامبريالية، فليس هناك بالضرورة غير ضرورة إحداث انقطاع آخر، يعود به تاريخنا إلينا، ولن يتحقق ذلك إلا بالتحرر الوطني من علاقة الإنتاج الكولونيالية الذي هو في الوقت نفسه إقامة علاقة إنتاج اشتراكية، ويؤكد مهدي عامل في هذه النقطة بأن "القفزة البنيوية الثورية في تطور البنية الاجتماعية لا يتم إلا بالممارسة السياسية للصراع الطبقي وليس بممارسة أيديولوجية أو اقتصادية. إنها قفزة بنيوية تتحقق بسيطرة التناقض السياسي، أي الصراع الطبقي وانتزاع السلطة السياسية من الطبقة المسيطرة.
وتأسيساً على مفهوم القفزة البنيوية ينتقد مهدي عامل القول بالعلاقة التتابعية بين مرحلتين: مرحلة تحرر وطني ومرحلة الانتقال إلى الاشتراكية ويقول: "هذا الشكل المعيب من التمرحل التاريخي هو شكل تجريبي يكتفي بما يظهر من التاريخ في احداثه، فيمرحل التاريخ قياساً على تتابع الأحداث منه، بدلاً من أن نقيس الأحداث على مراحل التاريخ التي تتحدد في قفزاته البنيوية"[11]. وتأسيساً على هذه الوثبة البنيوية كذلك، يستبعد وجود "المرحلة الوطنية الديمقراطية كمرحلة ضرورية في مرحلة الثورة التحريرية"، ولكنه في الحقيقة يستبعد هذه المرحلة باستبعاد أن تكون القيادة للبرجوازية الصغيرة، وإن لم يستبعدها كإمكان في الواقع نتيجة لشروط محددة قد تتحقق في بلد معين ولا تتحقق في بلد آخر، ولهذا، فعندما حدد مهدي عامل الثورة التحريرية باعتبارها ثورة اشتراكية، فإنما حددها في وجودها النظري، أي أنه يكشف بهذا التحديد عن طبيعتها النظرية كما تتماثل مع ذاتها في واقعها النظري على حد قوله[12]. ومن هنا يمكن القول بأنه ليس ثمة تناقض بين تحديد مهدي عامل للوجود النظري الموحد للثورة الوطنية التحريرية والثورة الاشتراكية.كما أنه يمكن القول كذلك بأنه ليس ثمة تناقض بين قول مهدي عامل بمفهوم القطع البنيوي كشرط للتحول الثوري، وبين قوله بأن "الثورة عملية تاريخية معقدة، تمر بمراحل متعددة هي مراحل ضرورتها النظرية، واعتباره أن من الخطأ الفاحش تجاهل وجود هذه المراحل في سير التطور التاريخي للواقع الاجتماعي نحو تحقيق وجوده النظري".
المهم، إن إنتاج وتحديد هذا الوجود أو الواقع النظري هو إنتاج للمعرفة العلمية، ويتم هذا الإنتاج بممارسة نظرية تتميز عن الممارسة الواقعية، وبهذه الممارسة النظرية التي يتم بها القبض المعرفي على الواقع النظري – أي انتاج المعرفة العلمية – يتم كذلك نقض أيديولوجية الطبقة المسيطرة. وهكذا ينقلنا مهدي عامل نقلة أخرى؛ فالممارسة النظرية هي في الوقت نفسه ممارسة طبقية، فعلى الرغم من أنه يميز بين الممارسة النظرية والممارسة الإيديولوجية، إلا أن هذا التمييز لا ينفي كون الممارسة النظرية ممارسة من ممارسات الصراع الطبقي، ذلك أن المعرفة العلمية لحركة التاريخ - على حد قوله – "ينتجها نشاط وعي طبقي يتناول هذه الحركة المادية من زاوية الطبقة التي عليها أن تحقق ضرورة التاريخ نفسه". بهذا المفهوم العلمي الطبقي للممارسة النظرية في ترابطه بمفهوم البنية وبمفهوم القطع البنيوي تتحدد بعض المعالم الأساسية لنظرية الثورة عند مهدي عامل في اتساقها وتكاملها، وهي كما نرى تعد أرقى وأعمق ما وصل إليه التنظير العلمي العربي في حقل الممارسة الثورية.
[1] د. أمينة رشد: النظرية والممارسة في فكر مهدي عامل.. ندوة فكرية، دار الفارابي، الطبعة الأولى، 1989، ص27-28.
[2] محمود أمين العالم: النظرية والممارسة في فكر مهدي عامل .. ندوة فكرية، دار الفارابي، الطبعة الأولى، 1989، ص16-17.
[3] مهدي عامل: في نمط الإنتاج الكولونيالي، دار الفارابي، بيروت، 1976، ص 201.
[4] مهدي عامل: في التناقض، دار الفارابي، بيروت، 1973، ص 17.
[5] مهدي عامل: أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية، دار الفارابي، بيروت، 1974، سنجد هذا النص ودلالته في اغلب صفحات الكتاب: مثلاً ص 124.
[6] في نمط الإنتاج الكولونيالي: مرجع سابق، ص 217 .
[7] سنجد هذا المفهوم متكرراً في أكثر من موضع، مثلاً في "نمط الانتاج الكولونيالي"، مرجع سابق، ص 154.
[8] في نمط الانتاك الكولونيالي: مرجع سابق، ص 237.
* ملاحظة من التحرير: تهمنا الإشارة إلى أن مهدي عامل يقصد بهذا التعريف مفهوم "الطائفة" لا "الطائفية" – والفرق كبير جداً بين المفهومين. وقد وقع كثير من نقاد مهدي بهذا الالتباس الذي أدى ويؤدي إلى إساءة فهم نص مهدي وإساءة تفسره. وقد أبقينا هذا الالتباس، الذي ورد في نص محمود العالم، كما هو، فلم نسمح لأنفسنا بتصحيحه، حتى لا نسيء، بدورنا إلى الاستنتاجات التي قد يبنيها العالم على أساس هذا الالتباس نفسه – "الطريق".
[9] مهدي عامل: مدخل لنقض الفكر الطائفي، الفارابي، 1982، ص 243.
[10] أزمة الحضارة العربية: مرجع سابق، ص 19.
[11] في نمط الانتاج الكولونيالي: مرجع سابق، ص 106.
[12] في التناقض: مرجع سابق، الموضوع نفسه.

