Menu

تقريرحول التعاون بين "الصندوق القومي اليهودي" وجمعية "إلعاد": محو الفلسطينيين واختراع تاريخ توراتي مزعوم

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

منذ احتلال الكيان الصهيوني لما تبقى من فلسطين عام 1967، دأب الكيان الصهيوني وأذرع الحركة الصهيونية على ادعئين متناقضين، الأول يقوم على أن ما حدث هو نتيجة لـ"عدوان" عربي، وبالتالي تم احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، ردا على الحرب، ونتيجة للموقف الدولي ولأسباب صهيونية داخلية لم يقم الكيان بضم الضفة أو غزة، ماعدا القدس المحتلة، والإدعاء الثاني الذي روج له اليمين الصهيوني الأيدلوجي، أن ما حدث هو عملية "تحرير" لـ "يهودا والسامرة"، وبالتالي فإن عملية الضم أمر قادم لا محالة، وفي الحالتين أكد العدو دائما بصيغ مختلفة أن الاحتلال لا رجعة عنه أو أنه سيكون بلا نهاية، وللتوفيق بين الادعاءين فقد استخدم العدو جماعات الاستيطان ومنظماته للسيطرة على الأرض وتهويدها خصوصا القدس المحتلة، رغم أن الأذرع الصهيونية الرسمية كانت تؤكد أنها لا تعمل خارج الخط الأخضر الذي حدد منطقة الاحتلال عام 1948.

[في أول اختراق من نوعه لسياسة الصمت الرسمية الصهيونية أعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يوم 19 أكتوبر 2016 أن الحكومة ستشارك رسمياً في تمويل عمليات "غربلة" الكميات هائلة من التراب والمخلفات التي أخرجتها الأوقاف الإسلامية من المسجد الأقصى قبل أكثر من 16 عاماً، من المصلى المرواني، عند ترميم المصلى وافتتاحه رسمياً، وكان الاحتلال قد صادر هذه المخلفات ونقلها إلى موقع خاص]

ورغم أن الكثير من الوقائع تراكمت عبر الزمن، وتحول الاستيطان بحد ذاته إلى ذراع رسمي للسياسة الصهيونية وممارسة حكومية واسعة النطاق إلا أن التقرير الجديد الذي كشف عنه في الكيان الصهيوني الأسبوع الماضي، يشكل دليلا إضافيا دامغا على تعاون أبرز منظمة صهيونية تاريخية هي الصندوق القومي الصهيوني مع أبرز جمعية استيطانية تركز نشاطها في القدس المحتلة هي جمعية إلعاد الاستيطانية المتطرفة، ومن المعروف أن "إلعاد" رأس حربة الاستيطان اليهودي في القدس المحتلة، وتعمل ليل نهار لتغيير هوية المدينة وتهويدها، ونزع تاريخها وحقيقة تكوينها.

[تأسست عصابة إلعاد اليمينية المتطرفة باسم Ir David " ختصار لجملة "إيل عير دافيد"، وتعني بالعربية: "نحو مدينة داود" كمنظمة غير ربحية في عام 1986 من قبل ديفيد بعيري، وهو ضابط سابق في جش الاحتلال خدم في "سيريت متكال" و "دوفديفان" وحدتي النخبة الأشهر في الكيان الصهيوني، وفي مقدمة أهداف هذه الجمعية تعزيز الاستيطان اليهودي في القدس المحتلة وخصوصا "القدس القديمة" سعيا لتهويدها عبر وتركز نشاطها بشكل مكثف في وادي حلوة في حي سلوان]

هذا التقرير لايهدف لإثبات ما هو مثبت من تكامل أذرع الصهيونية الرسمية وغير الرسمية في الاستيلاء على أرض فلسطين، وإنما يهدف إلى الإضاءة على هذا النموذج من التعاون بين منظمة رسمية صهيونية ومنظمة غير حكومية كثيرا ما تنصلت الحكومة الصهيوني من أفعالها.

الوثائق تم كشفها عن طريق تقرير داخلي في الصندوق القومي اليهودي كشفت عنه مجلة 972+ ويعود إلى العام 1998 ويعكس التعاون الوثيق بين الصندوق والجمعية الاستيطانية منذ الثمانينات وهو تعاون أدى إلى إحداث تغييرات في القدس المحتلة وأدى إلى عمليات طرد للفلسطينيين وتعزيز الوجود الاستيطاني في القدس الشرقية. ويظهر أن الصندوق القومي اليهودي منح إلعاد حق متابعة القضايا نيابة عنه - مما أدى إلى الاستيلاء على العديد من الممتلكات في سلوان.

[ تأسس الصندوق القومي اليهودي عام 1901 لشراء وتطوير الأراضي للاستيطان اليهودي في فلسطين تحت الحكم العثماني والبريطاني، ثم دولة "إسرائيل" بعد نكبة فلسطين عام 1948، أما قانون الصندوق القومي (الكيرن هاكيميت ليسرائيل) فقد تم سنه عام 1953 والذي اعتبر "أراضي الدولة" ملكاً لـ "الشعب اليهودي" ومنع المواطنين العرب من شرائها أو السكن في قرى ومدن يهودية أنشئت عليها]

ويأتي هذا التقرير ليهيل التراب نهائيا على مزاعم طالما روجها الصندوق بأنه لايمارس أي نشاط خارج الخط الأخضر، حفاظا على صورته الخيرية الرائجة في الولايات المتحدة وأماكن عديدة من العالم وقد جمعت المنظمات غير الربحية التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها في الصندوق القومي اليهودي 72 مليون دولار في عام 2018 وحده.

في سبيل تحقيق أهدافها تستخدم "إلعاد" العديد من الوسائل والحيل وتستخدم موارد مالية هائلة، حيث تلقت وفقا لتقاريرها حوالي 700 مليون شيكل (أكثر من 200 مليون دولار أمريكي) بين عامي 2005 و 2018، وهو العام الأخير الذي تتوفر فيه السجلات العامة، وكما كشف فيلم وثائقي بثته محطة بي بي سي العربية الشهر الماضي، وصل ما يقرب من نصف هذا المبلغ من أربع شركات بريطانية في جزيرة فيرجن، يسيطر عليها رومان أبراموفيتش، أحد أغنى أغنياء الكيان، وهو من الأقلية الروسية ومالك نادي تشيلسي لكرة القدم، وجاءت 320 مليون شيكل أخرى من "أصدقاء إير ديفيد" المعفاة من الضرائب في نيويورك.

بعد احتلال القدس الشرقية عام 1967، بدأت دولة الاحتلال الصهيوني حملة نهب ومصادرة شاملة لما زعمت أنه كان مملوكا سابقا لليهود، قبل 1948، واستخدمت سلاحها الفعال وهو قانون "أملاك الغائبين" الذي تم سنه عام 1950[يضاف إليه قانون ملكية الدولة] وكلاهما صادرا حقوق العرب وحرماهم من المواطنة ومن إدارة أملاكهم والعمل في أراضيهم وكان للصندوق القومي اليهودي دورا مهما في هذه العمليات عبر فرعه Hemnutah، الذي بدأ العمل على طرد العائلات الفلسطينية بحجة أن البيوت مملوكة ليهود، وقد تبين أن هذه الإجراءات كانت بالتعاون مع "جمعية إلعاد".

وحسب ما نشرته صحافة العدو حول الموضوع، فقد تلقى الرئيس المشارك للصندوق القومي اليهودي يجيئيل ليكت، يوم 16 آب (أغسطس) 1998، وثيقة من 12 صفحة، مع بعض الملاحق، بعنوان "مراجعة لمدينة داوود. القدس" وكاتب التقرير هو مدير دائرة العقارات في الصندوق القومي اليهودي، أفراهام هليلي، الذي تقاعد من المنظمة منذ حوالي 20 عامًا ومنذ ذلك الحين يمارس مهنة المحاماة في الكيان، ويصف تقرير هليلي لعام 1998 بالتفصيل العلاقة الوثيقة بين الصندوق القومي اليهودي وإلعاد التي بدأت في منتصف الثمانينيات و كتب "كان واضحًا لجميع [الأطراف] المعنية أن منظمة [إلعاد] ستطلب في النهاية استخدام ممتلكات الصندوق القومي اليهودي في المنطقة والعيش هناك كمقيمين محميين".

وعلى مدى العقود الماضية مكّن التعاون بين المنظمتين، إلعاد من توطين يهود صهاينة في ما لا يقل عن 10 عقارات في سلوان، بالإضافة إلى بعض العقارات في حي أبو طور في القدس الشرقية المحتلة وغالبية غالبية الأراضي التي استولت عليها إلعاد كانت تستخدم للسياحة، والباقي استخدم كمساكن لنحو ثماني عائلات من المستوطنين.

أحد ملاحق التقرير، رسالة مكتوبة بخط اليد أرسلها مؤسس إلعاد بئيري والمدير التنفيذي الحالي في عام 1985، تكشف عمق العلاقة الناشئة، وكتب بئيري قبل عام من تأسيسه رسميًا إلعاد: "شالوم السيد هليلي". "علمنا بملكية اليهود للصندوق القومي اليهودي على قطع أراضي في قرية شيلو [سلوان] وكتب بئيري، أنه من وجهات النظر الصهيونية والأخلاقية والدينية "إننا نعتبر الاستيلاء على تلك المنازل، خاصة في هذه المنطقة، أمرًا ذا قيمة كبيرة".

في العام التالي، في عام 1986، أرسل بئيري خطابًا آخر إلى الرئيس التنفيذي للصندوق القومي اليهودي شمعون بن شيمش، ناقش فيه التزامه بالمساعدة في تحديد مواقع للاستيلاء عليها في سلوان، و تناولت تلك الرسالة قطعة أرض معينة توفي ساكنها مؤخرًا، "نعتقد أن هذا هو الوقت المناسب للتصرف بشكل عاجل، باستخدام الأساليب القانونية ... لضمان منح الأرض لأصحابها القانونيين" و أنهى بئيري الخطاب بالموافقة على تحمل تكاليف القضية، رغم أنه من غير المعروف ما إذا كان قد فعل ذلك.

يصف التقرير أول حالة تعاون بين إلعاد والصندوق القومي اليهودي عام 1986: طلب إلى المحكمة قدمه فرع الصندوق Hemnutah لإخلاء أسرة فلسطينية بالتنسيق مع محامي إلعاد. ويزعم التقرير أن الساكن الأساسي وافق على الإخلاء، وأن الدعوى رفعت فقط حتى "يعتقد جيرانه أنه أُجبر على المغادرة"، وزعم هليلي أن إلعاد دفعت تعويضات للأسرة الفلسطينية، ووصف كذلك كيف قدم محامي إلعاد في بعض الحالات مساعدة قانونية مجانية إلى الصندوق القومي اليهودي.

كما يشير التقرير إلى مذكرة تفاهم بين المنظمتين وقعت قبل القضايا القانونية، في مذكرة التفاهم، وافق همنوتاه على السماح لشركة إلعاد باستئجار العقارات التي سيتم طرد سكانها الفلسطينيين، وأكد هليلي في التقرير "بالطبع لم يكن هناك تضارب في المصالح بين الجانبين"، وأوضح كذلك أن الإيجار الذي ستدفعه إلعاد إلى الصندوق القومي اليهودي سيتم خصمه من الأموال التي استثمرها الأول بالفعل في إجراءات الإخلاء.

كان هليلي مدركًا بوضوح لحساسية هذا التعاون، حيث كتب في تقرير عام 1998 "لقد حذرنا إلعاد من استفزاز" سكان المنطقة، من أجل "تجنب انتقاد همنوتاه والصندوق القومي اليهودي" وقال هليلي أنه تم اقتراح أن يقيم لبنانيون من جيش لبنان الجنوبي العميل في البيوت التي تم إخلاءها مؤقتا، ولكن تم التخلي عن هذه الفكرة لأسباب مختلفة.

ثم أضاف هليلي أنه كان على علم بوجود تضارب في الآراء حول نشاط الصندوق القومي اليهودي في المنطقة، وكتب يقول إن أولئك الذين يدعموننا يعتقدون أننا لا نفعل ما يكفي، بينما يقدم الجانب الآخر الصندوق القومي اليهودي على أنه مجموعة "تجرد العرب من ممتلكاتهم".

أشارت الصحفية ناتاشا رولاند في تقرير مطول أن التعاون بين الصندوق القومي اليهودي الذي يزرع الأشجار من جهة ويقتلع الفلسطينيين من بيوتهم من جهة اخرى، مع جمعية إلعاد ليس انحرافا عن مبدأ بل إن الصندوق كان يلعب دائما دورا منهجيا في ما يمكن تسميته "محو الأدلة" حول القرى والتجمعات الفلسطينية التي تم تدميرها عامي 1948 و1967 وكذلك الاستيلاء على العقارات في الضفة الغربية المحتلة، وتسهيل مشروع الاستيطان وهذا كان مرتبطا بالتزام صهيوني طويل الأمد مفاده " أرض اكثر-عرب أقل" وهو نفس مبدأ جمعية إلعاد في القدس الشرقية.

[حول محو الأدلة، التي يقوم بها الصندوق القومي اليهودي، قم وفد من جنوب إفريقيا اعتذارا تاريخيا للفلسطينيين المطرودين من بلدة لوبيا، بسبب أن التبرعات التي قدموها للصندوق ذهب للاستخدام في غرس "غابة جنوب إفريقيا". هذه الغابة هي جزء من غابة لافي الأكبر التي تطمس آثار لوبيا المهدمة، والتي تم طرد سكانها الفلسطينيين في 16 -17 تموز يوليو 1948، وعلى أراضي هذه القرية تم إنشاء كيبوتس لافي الذي تأسس عام 1949، من المعروف أن الصندوق كان له دور أساسي في إدارة القرى المهجرة وكذلك في حملات تهويد النقبل وتهجير القرى البدوية، وتهويد الجليل أيضا في حملة صهيونية مستمرة ]

وتشترك المنظمتان أيضًا في نهج مشترك: استخدام مفهوم الصهيونية للعلاقة اليهودية بالأرض لتقديم أنشطتهما على أنها تحقيق طبيعي، ومقدر سلفًا تقريبًا، لحلم قومي، في حين تضمنت أساليب الصندوق القومي اليهودي شراء الأراضي وإنشاء مساحات خضراء، فإن إلعاد، منذ أوائل التسعينيات، وضعت نصب عينيها السيطرة على الحفريات الأثرية في القدس الشرقية وهذا جانب رئيسي من نشاطها فهذه الجمعية لاتسعى فقط للاستيلاء على الأرض وتسخيرها للاستيطان، بل أيضا محو ماضي المنطقة ونزع هويتها عبر استخدام منهج تحريف تاريخي .طالما كان مستخدما في تأسيسس ما يسمى "الأمة الإسرائيلية "، وهكذا بهذا الاقتران الأيدلوجي فقد أصبحت إلعاد، في ظل الحكومات اليمينية المتزايدة على مدى العقود القليلة الماضية، أكثر جرأة من أي وقت مضى واتسع نطاقها ونطاق أعمالها، فيما يعتبر سماح الحكومة الصهيونية لجمعية إلعاد أو غيرها بالتنقيب الأثري في القدس المحتلة أو الصفة مخالفة فاضحة للقانون الدولي.

وبناءً على ذلك، فإن ما يسمى "علم الآثار الإسرائيلي" والذي طالما خدم كعنصر أساسي في صنع الوعي الصهيوني، أصبح خاضعًا بشكل متزايد لقرارات وفصائل الدولة والمستوطنين، وتريد تقديم رواية الوجود اليهودي الدائم في فلسطين بأنها لاتقبل الجدل وأن هذا الوجود توقف قسريا وتم استعادته مع قيام دولة "إسرائيل". وهكذا يتم الرد على حقيقة "الاحتلال" التي ينادي بها الفلسطينيون عبر علم أثار تحريفي برز أشد تجسداته عبر ما يسمى "مدينة داود".

المستوطنون يستولون على المكان

تقع "حديقة مدينة داوود" أو ("عير دافيد") في قلب سلوان المحتلة، وهي واحدة من أكثر المواقع الأثرية حساسية في البلاد حيث أنها تقع على بعد خطوات من أسوار المدينة القديمة، وقد كسبت أهميتها من الزعم بأنها كانت مقر السلطة المفترض للملك داود (وهي رواية لم يتم إثباتها أبدا بأي دليل موثوق" و لهذا السبب، فقد كانت موقعًا لعمليات التنقيب الصهيونية المستمرة تقريبًا منذ أواخر السبعينيات، والتي كانت حتى أوائل العقد الأول من القرن الحالي تحت رعاية الهيئات الحكومية حصريًا، بإشراف "سلطة الآثار الإسرائيلية (IAA) " على الحفريات، بينما كانت سلطة الطبيعة والمتنزهات (NPA) تدير الحديقة الوطنية حولها.

في أواخر التسعينيات، أدت عدة عوامل مثل تناقص الأموال لدى سلطة الآثار، ونوايا الحكومة اليمينية إلى نقل الحكومة مسؤولية مدينة داوود بارك إلى منظمة إلعاد - والتي كانت منذ عام 1994 أيضًا قد بدأت في الاكتتاب نيابة عن سلطة الآثار التي تعاني من ضائقة مالية. وبحلول عام 2002، بعد خمس سنوات من منح إلعاد مفاتيح المتنزه، كان المستوطنون قد استولوا على المكان.

[في آب/أغسطس 2012 ألغت المحكمة "الإسرائيلية" اللوائية في القدس الاتفاق الذي أبرمته "سلطة الطبيعة والحدائق" الصهيونية مع جمعية "إلعاد" ، لإدارة ما يزعم أنه "المتنزه الوطني مدينة داوود" في البلدة القديمة من القدس المحتلة. وجاء قرار المحكمة في سياق الرد على التماس قدمته جمعية إسرائيلية يسارية يطلق عليها اسم "عير عميم"، بعد أن حصلت الجمعية الاستيطانية على حق إدارة ما يسمى بـ"مدينة داوود" في حي سلوان في البلدة القديمة في القدس المحتلة منذ 15 عاما سابقة، حيث يتم تجديد اتفاق العمل بين الطرفين مرة كل عدة سنوات، وهو ما مكّن الجمعية الاستيطانية من إدارة المتنزه المذكور بموازاة العمل على توطين اليهود في "مدينة داوود" ومحيطها. وقد أقر قضاة المحكمة العليا مع ذلك مواصلة اتفاقية العمل مع تحديد صلاحيات الجمعية الاستيطانية لصيانة الموقع وتشغيله دون إدارته. وبحسب صحيفة هآرتس فإن المحكمة اللوائية نقضت قرار المحكمة العليا وطالبت بوجوب إصدار مناقصة جديدة لإبرام اتفاق جديد. وهو ما لم يحدث]

جمعية إلعاد التي مارست التنقيب بمخالفة اللقانون قدمت نتائج التنقيب بطريقة تتلاءم تمامًا مع مهمتها الأيديولوجية: سيواجه زوار "مدينة داود" رواية تتمحور حول العصر التوراتي، بينما يتجاهلون تعدد التواريخ الأخرى المدفونة تحت شوارع سلوان. وبالمثل، فإن دور إلعاد الوظيفي بصفته ضامنًا لحفريات سلطة الآثار قد منحها تأثيرًا عميقًا على تنفيذ الحفريات نفسها، تم حفر العديد من أنفاق التنقيب تحت سلوان، وفقًا لمنظمة Emek Shaveh غير الحكومية، بما يتعارض مع أفضل الممارسات الأثرية، و بدلاً من حفر الأنفاق عموديًا، نفذت الحفريات أفقيًا، مما أدى إلى تخريب سلامة أي اكتشافات أثرية.

[تم حفر الأنفاق أفقيًا، مما يخالف عمليًا الطريقة المقبولة منذ 100 عام للحفر عموديًا من السطح إلى الأسفل، وهي الطريقة التي يستخدمها علماء الآثار في جميع أنحاء العالم وأكد يوناثان مزراحي المقيم في القدس وهو الرئيس التنفيذي لمنظمة "عيمك شفيه" غير الحكومية الذي أن المعلومات التي تم الحصول عليها من الحفريات الأفقية لا قيمة لها تقريبا. مضيفا "عندما تقوم بالتنقيب أفقيًا، لا يمكنك أن تفهم بالضبط كيف تطورت الفترات في التربة" و "إنها ليست طريقة عمل علم الآثار. عندما تقوم بالتنقيب أفقيًا، فهذا سيء من البداية ". ويشاركه الرأي أيضا اثنان من كبار المسؤولين في سلطة الآثار "الإسرائيلية"، جون سيليجمان وجدعون أفني حيث اعتبرا إن عمليات الحفر مخالفة للممارسات المقبولة و "علم آثار سيء" و "لا يمكن للسلطة أن تفخر بهذا التنقيب".

علاوة على ذلك، فقد امتدت هذه الأنفاق تحت المنازل الفلسطينية المحلية، مما تسبب في أن يصبح بعضها غير سليم هيكليًا لدرجة أن سكانها اضطروا إلى المغادرة، ومع ذلك، على بعد أمتار، في "الديوراما التوراتية لمدينة داود"، يُترك الزائرون في حالة جهل تام بشأن الوضع الحالي لسلوان وقصة سلوان، فضلاً عن تاريخ سكانها الفلسطينيين. وبدلاً من ذلك، قُدمت لهم قصة "الخلاص الإسرائيلي – اليهودي" حيث " شعب عاد إلى منزله وإلى التاريخ بعد آلاف السنين في البرية".

[منذ سنوات يعاني السكان الفلسطينيون في حي سلوان من آثار الحفر الصهيوني تحت أرض الذي تقوم به جمعية إلعاد، وشركائها، على سبيل المثال أثار افتتاح الجمعية العام الماضي لما زعم إنه "طريق الحجاج" وبمشاركة السفير الأمريكي الصهيوني انتقادات واسعة وقلقا عاما ورفضا فلسطينيا، وجاءت الانتقادات البارزة من علماء الآثار بالذات الذين شككوا بسلامة الحفريات وصحتها. وقد تم حفر هذا الممر الذي يستند إلى قناة صرف قديمة من وادي حلوة إلى حائط البراق في القدس المحتلة. وزعم مسؤولون صهاينة وجمعية إلعاد التي تمول الحفريات وتدير الموقع، إن هذا الطريق قد سلكه الحجاج اليهود في طريقهم إلى "الهيكل الثاني" المزعوم. ومن أبرز العلماء الآثاريين الذين انتقدوا هذه الحفريات كان يوناثان مزراحي وصف هذه الأعمابل بأنها "إشكالية" ولم يتم نشر أي تقرير أكاديمي أو علمي عن الأنفاق، ولم يتم الإفصاح عن أي بيانات عما تم اكتشافه، فيما يتعلق بـ "طريق الحجاج"، لا يوجد يقين بشأن تاريخ قناة الصرف، بحسب منظمة عيمق شفيه التي أشارت أيضا في تقريرها لعام 2017 إلى أن "الأشخاص في مؤسسة إلعاد يخلقون حقيقة تاريخية خيالية تتشكل من خلال معتقداتهم الدينية وأهدافهم القومية، بدلاً من الاكتشافات الأثرية والأدلة التاريخية الأخر]

 

الفلسطينيين غير مرئيين

لم تكن رؤية إلعاد للقدس الشرقية هي وحدها التي رفض الصندوق القومي اليهودي التنصل منها: إنها أيضًا النسخة المختصرة من التاريخ للمنظمة الصهيونية.

بالنسبة لإلعاد - والأيديولوجية القومية الدينية اليمينية التي يؤيدها شركاؤها - تعتبر الاكتشافات الأثرية وسيلة لتحقيق المحور الغائي للصهيونية المتمثل في عودة العصور القديمة - المنفى - العودة. وهذا الإطار لا يقتصر على الحق الديني، كما لاحظ عالم الاجتماع الراحل مايكل فيج، فإن علم الآثار الإسرائيلي قد أدى دائمًا وظيفة مزدوجة في السرد القومي: "واحد، لإظهار الوحدة الصغيرة للشعب اليهودي، على عكس التشرذم في المنفى. والثاني، لإظهار حقوق الشعب القديمة في أرض إسرائيل ".

أدى تأسيس"دولة إسرائيل"، كما أوضح فيجي، إلى نشوء مبارزة حول الروايات التي فضلت في نهاية المطاف تاريخًا متقطعًا وانتقائيًا للغاية للوجود اليهودي في "الوطن القديم" على تاريخ الشتات - محوًا فعليًا ماضي الأخير .

ما عزمت إلعاد على تقديمه، إذن، هو أيام المجد المفترضة" للشعب اليهودي" خلال فترتي داود والهيكل الثاني - ماضٍ ما قبل الهزيمة قبل عار المنفى (والعار المصاحب للوجود غير اليهودي في، وامتلاك، الأرض المقدسة.

وبالتالي، فإن سعي إلعاد الأثري لهذه الرواية يؤدي إلى محو مزدوج: ليس فقط تاريخ الشتات الذي تم تصفيته جنبًا إلى جنب مع مجتمعاتهم (التي أصبحت زائدة عن الحاجة منذ أن تحققت "العودة" إلى الوطن)، ولكن أيضًا التاريخ المؤقت للدول الأخرى في الأرض المقدسة خلال تلك الفترة من "المنفى"، تم إغلاق مجموعتين من التاريخ - فيما يتعلق بالتخيل "اليهودي الإسرائيلي"..

لقد تجاوزت إلعاد، جنبًا إلى جنب مع داعميها الحكوميين وغير الحكوميين، الخطابة ورواية القصص مع هذا الإطار التاريخي: لقد جعلوها ركيزة أساسية في مشروعهم لتهويد القدس الشرقية ككل. من الناحية العملية، عملت الحفريات في "مدينة داود" على جعل الفلسطينيين غير مرئيين في الحي، سواء عن طريق الاستيلاء على منازلهم أو الحفر تحتها أو إزالة الأماكن العامة.

ومع ذلك، من الناحية الرمزية، فإن أنشطة إلعاد الأثرية هي وسيلة ليس فقط للسماح للمستوطنين بطرد الفلسطينيين أو إبقائهم محبوسين تحت طبقات أمنية عديدة، ولكن أيضًا لمنحهم الحق الأخلاقي في القيام بذلك. إذا كانت عودة اليهود إلى وطنهم القديم حقًا أخلاقيًا وتاريخيًا ودينيًا، كما تزعم نواة الفكر الصهيوني، فعندئذٍ في نظر مجموعة ترغب في أخذ هذا الاعتقاد إلى نهايته النهائية، وطرد الفلسطينيين واستبدالهم، مع اليهود هو أكثر من مجرد عمل شرعي سياسياً وأمرًا إلهيًا: إنه واجب.

هذا المنطق هو في صميم استخدام إلعاد لعلم الآثار واعتقادها بأن لها الحق في التصرف كمالك في سلوان و هذه هي الرؤية السياسية التي اختارها الصندوق القومي اليهودي للانضمام إليها.