Menu

خيار العلمانية مطلب وضرورة

المحجوب حبيبي.jpg

بقلم د. المحجوب حبيبي - شاعر وباحث وعضو قيادة حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي/ المغرب

كنا نطمح بعد صراع عنيد عشناه كقوى للتحرر أن نكون قد قطعنا أشواطًا على طريق بناء الدول الوطنية الديمقراطية، وأن نلج القرن الواحد والعشرين وقد حسمت العديد من المعضلات  ووجدنا مخارج مناسبة من المآزق الكثيرة التي كانت تحيطنا واجتزنا المسالك التاريخية الاجبارية؛، مستفيدين من أخطاء ونجاحات الشعوب التي سبقتنا إلى التقدم، وكيف عالجت مشكلات الحروب الدينية وسيطرة الكنيسة وتحالفها مع الأنظمة الاستبدادية التي تمثلت في الحكم الثيوقراطي (...)، وكيف انتقلت عبر مسالك صعبة، ومعارك حامية الوطيس وعبر مسارات تاريخية يعتبرها الكثير من الدارسين كونها مسارات إجبارية لا يمكن الارتقاء والتطور دون سلكها مهما كلف ذلك من معاناة: ( حتمية المعرفة والتنوير، وحتمية بناء الوحدة القومية وحتمية جعل العلمانية قاعدة لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية...). ولا يمكن القفز أو الانزياح عن مكونات هذا المسار... وأن أي قفزات في الفراغ أو تهافت حالم لأجل حرق المراحل والوصول لبناء الثورة الاشتراكية، هكذا بجرة قلم، يمكن نعته بكونه انقلابًا، وليس ثورة، لأن للثورة إعداداتها ومتطلباتها وتنظيماتها وتغلغلها في أوساط الجماهير عبر مئات  التنظيمات الاجتماعية والجماهيرية وقواها المعدة وفق قواعد علمية موضوعية وقيادتها الواعية والمسؤولة والمجربة عبر الممارسة اليومية في التسيير والتدبير وفق آليات وقواعد المشاركة... وأن أي تهافت أو مزايدة وخارج قوانين التاريخ ومستلزماته قد تصبح عديمة الجدوى وقد تصير عرقلة وعسرًا تؤول معها أي تضحية أو جهد إلى فشل ذريع، كما حصل مع الكثير من التجارب التي حاول أصحابها في تسرع أملته ضغوط الاستبداد والقمع وردود الفعل (تلك التجارب التي يمكن أن يطلق عليها أي اسم من المسميات إلا اسم ثورة)، تلك العمليات الدفاعية المستميتة التي عرفها تاريخ الحركات التجريبية (الثورية) والتي تعجلت الفعل قبل توفر شروطها الموضوعية، وكانت النتيجة انقلاب مختلف الأهداف والتطلعات الرومانسية إلى ضدها، واستفادت القوى الرجعية والظلامية من تلك الأخطاء، حيث بدأت  التراجعات والانهيارات بفعل تواطؤ قوى العدوان والإمبريالية المتربصة مع قوى الاستبداد والتبعية الداخلية المستفيدة من سيطرتها على مقدرات وثورات الشعوب... وهذا ما أدى إلى  فشل العديد من الحركات العالمية التي كنا نعتقد أنها أنجزت الثورة الاشتراكية وانتهى الأمر...

ولقد فشلت العديد من المشاريع (الثورية) القومي منها والوطني و(الاشتراكي) في البلاد العربية واستمرت تعاني من عجز في مجال الديمقراطية، وعجز في مجال احترام حقوق الإنسان والحريات، وعجز في تحقيق التنمية وفشل في تحقيق مشاريع التحرر، وعلى رأسها تحرير فلسطين،حيث حصل ارتداد فضيع في مختلف تلك المجالات.

ينبغي التأكيد أن الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح بالنسبة للشعوب العربية هي تبني خيار العلمانية، لفك العتمة عن العقل الجمعي لهذه الشعوب وجعلها تشارك في بناء الدولة الوطنية الديمقراطية وعلى كافة المستويات، يكون فيها الدين قناعة شخصية، والوطن اختيار جماعي، علمًا أننا نعرف الصعوبات الجمة التي تواجه هذا البناء الأساس لمجتمعات الحرية والمساواة المأمولة، حيث يقف بالمرصاد لهذا البناء الحكام ورجال الدين المتحالفين والمستفيدين، مما يتوفر لهم من سلطة وثروات، حيث تنال المؤسسة الدينية وشيوخها إتاوات وريع باذخ، ليلجموا باسم الدين كل من أراد أن يعبر عن رأي حر مخالف أو يناقش ويجادل فيما يبدو أنه يجانب العقل والصواب، حيث تتصدى له فتاويهم والمنابر الإعلامية والحسبة والمحاكمات.

كون الإسلام كإيديولوجية سياسية هو أكثر الأديان مقاومة للعلمانية، ليس من خلال مواجهة الفكر بالفكر، في ساحات الجدل الحر... بل بدعم من القمع والأحكام القاسية التي يصدرها القضاء في حق أي منتقد للفكر الديني، مما يعزز حضور سلطة دعاة هذا الفكر ويقوي تغلغل الحركات الإسلامية في الأوساط الجماهيرية؛ الأمر الذي أدى ويؤدي إلى تفشي الطائفية وانتشار التعصب والتطرف وأعطى إمكانيات هائلة لتجييش وحشد جحافل قوى الظلامية لتنفيذ مخططات القوى الإمبريالية والصهيونية وبتعبئة وتمويل من الرجعيات البترولية وإعلامها المضلل، حيث انتشر العنف والتخريب والدمار في العديد من البلدان التي كانت تشكل محورًا للمقاومة والممانعة وبمستويات مختلفة.

وحيث أن العلمانية تتمثل في فصل الدين عن السلطة، أي حياد سلطة الدولة تجاه المعتقدات الدينية وعدم التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو العرق أو الجنس والمساواة بين المواطنين في الحماية والاحترام وتولي الوظائف، وأن لا تتدخل السلطة في الشؤون الدينية، ولا في التعليم الديني، ويبقى لها الحق في مواجهة الأفكار التي تنشر الكراهية والعنصرية والتعصب، وكل ما يعرض الاختيارات الإنسانية للخطر... ويضمن القانون في ظل العلمانية؛ حرية التدين وحرية اختيار الدين الذي يبتغيه الفرد وممارسة الشعائر والاحتفال بالمناسبات الدينية، كل ذلك دون اجبار أو إكراه... كما يضمن حرية التعليم الديني لمتعلمي كل دين من الأديان شريطة ألا يتهدد روح المواطنة وألا يخل بالآداب العامة.

وحيث أن الفلسفة العلمانية من أهم الفلسفات الحديثة في عالمنا المعاصر وانطلاقًا من بداية القرن الفائت، حيث يجمع على مبادئها جل الفلاسفة والمفكرين، باعتبارها قواعد علاقات ترتكز إلى الحق في حرية التفكير والاعتقاد وتقبل الآخر، بغض النظر عن الاتفاق معه أو مخالفته، وأن النقاش آلية مقبولة للإقناع والاقتناع، والعلمانية ليست كما يدعي المدعون المستفيدون من سيطرة السلطة الدينية، فهي ليس هدفها نشر الإلحاد ولا تسفيه الأديان، ولكنها في نفس الآن تعطي الفرص للجدل بالمنطق والحجة والدليل العلمي وإبراز الحقائق والمواقف التي تحرر الإنسان من العنصرية والكراهية والتعصب، وبكثير من الجدية والدقة والصرامة والهدوء، رافضة أي تدخل في الحياة العامة أو المؤسساتية، حيث تبقى القوانين والدساتير الديمقراطية سيدة الموقف.

وأمام الردة التي أصبحنا نعيش على تراجعاتها التي طالت كل القيم الرائعة التي نُشئنا على قواعدها، حيث تعلمنا على أيادي رعيل من المناضلين الأوفياء يساريين وقوميين وإنسانيين ووجوديين.. واستوعبنا الدرس منهم جيدًا، والذي كان يرتكز إلى الإيمان بأن حرية التفكير هي الأساس الأول لتقدُّم الأوطان، وأن النهضة لا تندفع إلى الأمام؛ إلا بفتح أبواب الاجتهاد على مصراعيها، وأن ذلك لا يتم؛ إلا في مناخ علماني تستبدل فيه ثقافة الإتباع بثقافة الإبداع، وبممارسة التجريب الذي لا يتوقف في كلِّ مجال، ولذلك زرعوا في عقولنا وحتى في أقصى ظروف الشدة والاختلاف ضرورة المحافظة على:

ـ روح الانفتاح على كلِّ العوالم والتفاعل معها فهي الطريق إلى ازدهار المعرفة.

ـ تقبُّل الآخر مهما كان مختلفًا أو مغايرًا فذاك هو الوضع الطبيعي للوجود.

ـ التواضع وحسن الاستماع باعتباره شرطًا ضروريًا لإثراء الفكر وتوسع المعرفة باعتبارها نتاج التنوع والتعدد في التوجهات والأفكار وللعقل منهجه الصارم كي يفرز ويصنف ويختار.

ـ تحرير العقل من كلِّ القيود، ليلاحظ ويقارن ويقايس ويجرب ويحكم وليمضي في أفقه الواعد، متحررًا؛ إلا من التزامه مبدأ المُساءلة الذي يُخضِعُ له كلَّ شيء، بما في ذلك العقل الذي لا يكفُّ عن مُساءلة نفسه قبل مُساءلة غيره.

ـ أخذ مسافة نقدية من كل النزعات الطائفية والمذهبية والإيديولوجية والمفاهيم الاستعلائية التي تسعى إلى التمييز والتفضيلأو التي تسيج العقل وتغلقه، لأنها سبب الكثير من مظاهر التخلف الذي يستحكم ويسيطر بين الكثير من الشعوب.

إن الأصل في ذلك كله، أنه لا معنى لتحرير أيِّ عقل من غير الاعتراف الأوَّلي والبديهي بحتمية الاختلاف الناتج من حرية بقية العقول المكافئة؛ فالعقل طبيعته المغايرة والمساءلة والبحث والمقارنة والاختبار والموازنة والقياس والمفاضلة والحكم والاختيار... والاجتهاد العقلي يرتبط بالجسارة والاقتحام وبتوسع المرجعية المعرفية والمهارة والدربة والتجربة والمرونة والدقة ومن هنا كانت أصالته.

فـ"العقل أعدل الأشياء توزُّعًا بين الناس"، فيما ذهب إليه الفيلسوف الفرنسي ديكارت، ويظل كذلك ما ظلَّ الناس جميعًا ينهلون من المعرفة الإنسانية من دون حدود، ولا يعوق حريتَهم في التفكير والاجتهاد عائق.

وباعتماد العقل إياه ومنهجه وصرامته ماذا كانت خلاصة واقعنا الثقافي بكل ذلك التعريف الذي قدمناه سابقًا؛ إننا نعيش بكل تأكيد مرحلة ردة وتراجع حتى عما كان وعما كنا نطمح تحقيقه:

*ردة تتجلى في تراجعات طبعت قوى اليسار التي سار الكثير منها يتجنب الحديث عن مطلب العلمانية وأصبح النقاش حول القومية يتهم بالرجعية والقومجية، سيرًا على نهج الوهابية وكل المخططات الإمبريالية والصهيونية والرجعية التي تحالفت لتخريب النهج العروبي القومي، وهدم مقدماته الأساسية في بناء الدول الوطنية الديمقراطية باعتبارها؛ ممرًا تاريخيًا اجباريًا لتحقيق وحدة الشعوب وبناء القوة... وهكذا عنت بكيفية مرضيّة جمعت كل الآفات من كهف الظلمة؛ حركات إرهابية (القاعدة وداعش والنصرة... وغيرها من المسميات)، تنفذ مخططات الإمبريالية والصهيونية والرجعية في محاولة لمسح آثار ما تبقى من عوامل الممانعة، وما بقي لهذه الأمة من إمكانيات للدفاع عن وجودها وكرامة إنسانها وحقه في التحرر والحياة والعزة... كما انبعثت في نهج صهيونيوحركات عنصرية تطبيعيه مع الصهيونية.

*ردة تتجلى في تقليص المدى المسموح به من حرية التفكير، وحقِّ الاجتهاد المختلف فيه.

*ردة جمعت من بين عواملها التمترس خلف التابوهات والمقدسات، وبين الآثار السلبية للاستبداد السياسي، الذي كان سببًا أساسيًا في استئصال التعددية والاختلاف، حيث تمت فرملة الدينامية الاجتماعية وضرب التعليم في جوهره، لما أخضع للهاجس الأمني في شموليته (تفكيرًا، وممارسة ومنهجًا ومضمونًا). طبعًا حصل تسييد للآثار الضارة الناجمة عن القمع المركب، لقد تم تخريب مسار من العمليات الإصلاحية اتجاه بناء الدولة الوطنية الديمقراطية، وكان الثمن غاليًا؛ بقاؤنا نرزح في مستنقع مظلم تهب عليه عواصف الرمال الوهابية لتطمر ما تبقى من نور العقل... وجعل الأبواب مشرعة على كل الاحتمالات.

إن لا مخرج من كل تلك الآفات؛ إلا بالنضال المستميت من أجل بناء الدول الوطنية الديمقراطية على قاعدة العلمانية والمعرفة وبسواعد إنسان واع ومسؤول.