Menu

الثقافة بين جدلية التفكير ومشروع التحرير

مروان عبد العال

مروان عبد العال بيت القصيد.png

مروان عبد العال

يقول فون هردر:"إن ثقافة شعب معين هي دم وجوده"،هكذاجدلية الكلمات،قد تكون كالطلقات التي تقتل بدون جراح، وتنبض كالعروق التيسال فيها الحبر جداولاً من دماء واستحال النص ميداناً فكرياً للدفاع عنرواية الوجود والهوية والحلم الفلسطيني في اشتباكه التاريخي الطويل المقاوم للعدوان والإقصاء وإلالغاء والاقتلاع والطمس والاسكات.

هناك قول شائع أن أكثر القادة لا يقرأون لأن الوقت لا يسعفهم لممارسة هذا الترف!أو ربما لأن القراءة قد تذكرهم بحقيقة ومرارةوقساوة أرض الواقع أو قد تسبب لهم إحراجاً ونوعاً من الإحباط الذاتي، ولأن القادة لا يعيشون في كوكب آخر، هل علينا أن نذكرهم أن تآكل النظام وتجويف سلطة القرار يبدأ بنبذ الثقافة أو في البحث عن مثقف الديكور الذي يجيد مهمة "مسح الجوخ" والبارع في النقل لا النقد، وفي تبرير الهزيمة لا تفسيرها، وبالاستقواء بها بدل وعيها ومراجعتها والانتصار عليها! وهل هذه مسؤولية السياسي وحده أم أن الأمر متعلق بسوء فهم لدور المثقف؟

يكون المثقف فاعلاً حين يعتبر نفسه في دائرة الصراع ولا يتنازل عن دوره المتقدم في الاشتباك المجتمعي التاريخي الشامل، فالحلم بالحرية يقتضي أن يدفع كُلفة نيل الحرية، وأولها أن يعتبر نفسه معني بالمشروع الوطني ولا يسيء فهم التفكير النقدي الموضوعي لتأكيدفكرة الانتماء كمشاركة في صناعة النجاح من خلالتصويب المسار،والمثقف المهزوم الذي يستحق هزيمته الذي يرفض المراجعة،ويصر على هزيمته وعدم مشاركته في كتابة التاريخ.

لم يكتمل المشهد الفلسطيني تاريخياً، دون الوجوه النضرة لمبدعين شكلوا وجدان وعزيمة الشعب الفلسطيني ولعبوا دوراً جوهرياً في صياغة هويته الوطنية، وصاغوا نظرية التحرر الوطني والحرية الإنسانية، وصانوا المعنى من السرقة والتزوير في مواجهة الظلم والظلام والظلامية والجهل والقهر والاستعباد والاحتلال. فالاشتباك الشامل لن يستوي دون البعد الثقافي كمضمونحضاريوإنساني، ولن يستكمل قوام مشروعنا النضال الوطني التحرري إلا بعودة المكوّن الثقافي ليلازم المسار السياسي.

إذا بحثنا في المعنى الايتيمولوجي لكلمة ثقافة نجد في لسان العرب ما يلي:"ثقّفَ الرمح" أي قوّمه وسواه، لتتخذ الثقافة معنى التقويم والتهذيب وإصلاح الاعوجاج؛إذن، لا يمكن للثقافة أن تكون غاية في ذاتها ولا يمكن أن تكون مطلوبة لذاتها، فالمقاومة الثقافية هي العلاقة بين الثقافة كمعرفة وقيمة أخلاقية وإنسانية، والمقاومة كفعل وطني وإنساني، للدفاع عن كل ما هو نبيل وجميل وإنساني، مثل الوطن والكرامة والحرية، ضد الكراهية والتعصب والقبح، والصدق مع الذات ضد الكذب والجهل والظلم. إن استعادة الثقافة لحضورها في السياسة يعني أن السياسة نفسها يجب أن ترتكز على منظومة ثقافية متكاملة ومتوازنة تساعد على تربية النشء تربية حضارية غير متنصلة من ماضيها وغير لامبالية بحاضرها وغير عازفة عن صناعة مستقبلها، وترفع المستوى الثقافي لدى الأجيال الجديدة لتواجه مخاطر فقدان المناعة الوطنية، وتسكن عقول الناس ووجدانهم وتكتسبهم وعياً مستداماً. هذا يستلزم عودة المثقف إلى المكانة التي يستحقها في صياغة المشروع الوطني والمشاركة في القرار، فالثقافة هي عنصر قوة وخير أداة في إدارة صراع ما زال قائم بين جبهتين؛ الأولى تحمي معنى فلسطين، وتعيد إنتاجها باستمرار في العقل والوجدان والروح، وتسمى ثقافة المقاومة، مقابل ثقافة الاستلاب التي تشوه الفكرة وتسعى لخلق التباس بين النضال ومعناه الوطني، وبين معنى الوطن من أجل نفي وجوده وتدميره ومحوه إن استطاع. هكذا يزرع الاستعمار آثاره المدمرة في عقول المجتمعات المستعمرة، وكما وصفها فرانز فانون: "الإمبريالية تترك وراءها جراثيم العفن التي يجب أن نكتشفها سريريًا ونُزيلها من أرضنا ومن عقولنا أيضاً". كيف نزيلها؟ من يتصدى لذلك وأين الجبهة الثقافية المناط بها تطهير جراثيم العفن العالقة في العقول؟ ولماذا تتفشى جراثيم العفن فينا حتى الآن؟

وإذا كانت السياسة بمعناها البسيط هي فن الممكن، فإن الثقافة هي فن المستحيل، فن المقاربة بين مشروعيالتفكير والتحرير، وشرعيتي الواقع والحلم، تدمج بشكل مبدع بين إطلاقية الأيديولوجيا وقسرية الواقع. إن أزمة المشروع الوطني هو نتيجة شلل منظومة العقل التي تجسد موقع المثقف في حركة الوعي وصناعة القرار وإحداث عملية التنوير والتثوير والتغيير، الذي يتجلى في:

 

  1. غياب الوعي: في تشويه مفهوم المشروع الوطني الفلسطيني،الذي تشكل تاريخياً على أسس واضحة ورؤية سليمة وحدت حولها جميع الفلسطينيين، ولتكون الخطيئة السياسية في اختزاله فئوياً وجهوياً وأي شيء عدا تمليكه صفة الوطنية.
  2. هدر الطاقات: في تغييب الوعيبالوحدة الحقيقية، وخصوصية مرحلة التحرر الوطنيالتي لا بدّ أن تتجسد في برنامج سياسي موحد، تبنى على غاية وطنية جامعة، وتتحول إلى استراتيجية عمل مباشرة ومتعددة وممكنة عملياً ومقبولة فكرياً وآنياً ومستقبلياً.
  3. تقزيم الحلم: في عدم إدراك علمي للطبيعة التناحرية للصراع والتيتفترض استثمار كل مكونات القوة على أوسع مديات الصراعواستنادها لمنطق المقاومة وتركيز الهدف الوطني على دحرالاحتلال، وليس الوصول إلى شبه سلطة تختزل القضية الفلسطينية من تحرير كل فلسطين إلىالصراع الداخلي على مهمة "إدارة السكان تحت الاحتلال".
  4. احتلال العقل: واهمال الدور المطلوب في تحرير الوعي الفلسطيني والعربي من ثقافة الهزيمة والاستسلام وذهنية الفشل، فشرط الإصلاح والتغيير يبدأ من سؤال المراجعة النقدية، أي من خلال القراءة الموضوعية للمقدمات التي قادت إلى الأزمة، وبناء الهدف الأساسي الذي قام عليه المشروع الفلسطيني وهو تحرير كل فلسطين.

لنذكر أن غسان كنفاني وصف أدب المقاومة بـ "صرخة شجاعة"، جسدت حالة من حالات "الصمود للمحتل في الحياة اليومية"، وأن "الالتزام بالقضية؛ الالتزام الواعي، هو الإطار الذي أستطاع أن يقود خطوات أدب المقاومة"، وأنه الأدب "المعبر عن الذات (الواعية بهويتها) و(المتطلعة إلى الحرية) في مواجهة الآخر العدواني، على أن يضع الكاتب نصب عينيه جماعته وأمته، ومحافظًا على كل ما تحفظه من قيم عليا... ليس متطلعًا إلى الحرية بمعنى الخلاص الفردي". هذا الأدب المقاوم ساهم في وعي الهزيمة من دون المبالغة بالوجع أو المبالغة بالبطولة، كما فعل الخطاب السياسي السطحي والمناسباتي في صناعة سوبرمان أو شخصية المنتصر الوهمي، وقدم شهادة حية عن سؤال الذات وعمن نكون، فهل نحن أبطال أم ملاحقون؟ بحارة أم غرقى؟ مقاتلون أم قتلى؟ والحقيقة تقول: إن المنتصر قد يكون شريراً، وليس بالضرورة أن يكون عفيفاً. هناك فارق نوعي بين حكايتين، بين الذاكرة والنسيان، بين الحق والباطل، بين المقاومة والاستلاب، وبين البطل والفهلوي وحكاية البطل أيام الثورة الكبرى الذي باع أساور جفرا ليحمي ضفائرها، لا حكاية الشاطر الذي باع جفرا من أجل أساورها.

رغم الدرجة الرفيعة التي وصلت إليها ثقافة المقاومة يوماً، إلا أنها تكافح في الآونة الأخيرة ضد جملة من العاهات التي أبعدت عنها روح النضال في رونق الإبداع وجمالية الذوق وتدفق الإنتاج.إن استشكال واقع الثقافة واستشراف آفاقها في المستقبل بات أمراً ضرورياً، في وجه ثقافة تجارية استهلاكية استعراضية، نحن بحاجة إلى العمل بجد على الربط بين الثقافة والحضارة في منظومة تلتزم بالنقد وفضح كل أشكال تشويه والاغتراب التي يتعرض لها الإنسان، وتشجع التثقيف الملتزم المرتبط بالقيم الأصيلة والوعي النقدي. نحن بحاجة إلى أدب يربطه فهم إنساني، عميق وجريء وشجاع، ومنفتح بغير محدود على الإنسان في قوته وضعفه، في إيمانه وجحوده. هنا النص يحتفظ بعفويته وإبداعيته وقيمته الجمالية وعمقه الوجداني. نحن بحاجة إلى أدب يواجه عين اللحظة التاريخية ويلاقيها بوعي نقدي عميق يزود الجماهير بقوة الأمل والوعد والحلم، ويؤمن للجماهير إمكانية تحقيق أهدافهم الكبرى ولو بعد حين من الدهر.

لقد كانتالثقافة الفلسطينية الشاملة بأجناسها المتعددة من الأدب والفن والفكرمحفزاً للأمل، بتشاؤم العقل وبتفاؤل الإرادة ومقاومة حالات الإحباط واليأس، إذ هذا ما تطلبته تلك المرحلة الّتي اتسمت بالمقاومة والتحدي. لم تتغير الظروف كثيرًا، إلّا أن الحاضر الفلسطيني يشهد حالة بؤس عامة؛ فالواقع الفلسطيني والعربي مأزوم ومهزوم وهناك شعور مزمن بالهزيمة وسرقةمستقبل الإنسان والأوطان كما السطو على الثورات. كل هذا انعكس بالضرورة على نفسية الإنسان الفلسطيني والعربي، لكن الأمل يأتي نتيجة للخيبةـ

كان محمد الماغوط أكثر المبدعين تشاؤماً وانكساراً، بينما كان أدبه أكبر محرك للحلم وانتظار واقع أجمل. لا نريد ثقافة تبنى على خطاب مخادع؛ لم يعد هذا النوع من النص الثقافي النقدي زائراً أسبوعياً مرحباً به على صفحات الجرائد أو على الشاشات أو المنابر الشعبية، بل ملازماً في مواقع التواصل وهاتف لقارئ يعي ما يعيشه؛ بحاجة إلى مخاطبة عقل الجماهير وعاطفتهم بصدق لا بتجميل واقع ينهار، بل من أجل تحدي الواقع القبيح؛ بحاجة إلى إخضاع الواقع إلى سؤال الشكل، والبحث في أغوار الإبداع والصدام مع السلطة المعرفية من ناحية، ومع البنية الثقافية العربية ومآلاتها في التخلف، وكل رواسب الانحطاط والفساد والرجعية. يكون الأدب مقاوماً حين يكون تحررياً بامتياز وتقدمياً ينطلق في رحاب الحياة لاجتراح معجزة التقدم الإنساني. نحن بحاجة إلى قفزة نوعية في الشكل والمحتوى، لا سرديات ومطولات تعيد إلى الأذهان المنبرية والمباشرة والخطابة. نحن بحاجة إلى حالة طلاق مع الجمود والانتظار والتأملية، والتجاوز الدائم لأشكال ووسائل التعبير المفترضة التي تتجلى ملكاتها الإبداعية وتكتشف في الممارسة النصية، كلمة وروحاً، والتصدي للممارسة هذه برؤى مسبقة.

هذه القفزات لا يصنعها إلا "المثقف الملتزم" العضوي، الذي هو أداة واعية للعمل الثوري بحسب غرامشي، المثقف الذي يكون أول من يقاوم وآخر من ينكسر؛ لا "مثقف رسولي"، كما وصفه إدوراد سعيد، أو صوت "الوجدان الشقي" كما في مفهوم هيجل، بل المثقف المقاوم والمشتبك والمناضل والنقدي والذي يقول لا في زمن نعم، والذي ينتصر لثقافية أصلانية،كما أبدع الكاتب الكيني نغوجي واثينغو بوصفها بقوله: "المقاومة، أجدى أشكال البقاء، فهي موجودة حتى في الـ (لا) التي تقال في وجه الظلم والطغيان. إن كنت تؤمن بأنك على الحق، تمسك بمعتقداتك وهي التي ستساعدك على النجاة". قوة الرفض هذه هي حركة نقدية لتأصيل وتحديث المشروع الوطني، من داخل الصراع وفي قلب حركة التاريخ وليس من خارجه، لإعادة تشكيل الروح في وجه مشاهد الخراب، وبناء حجارة المشهد السياسي من جديد؛ لأن لغة اليقين لا تعني أبداً تفكيك العلائق بقضية الالتزام بالثورة في الإبداع والواقع، بل إلى الإفضاء بهذه القفزة إلى مختبر فني يفتح انشغالاته على مغامرة تخلق بذاتها حدودها داخل أدب يقيم علاقة جدلية بين الجماعي والفردي، بين العام والخاص، كما صادق وملتزم ونقدي وجميل وصالح وعمومي وعميق.

أمام مشروع متكامل، مطلوب إنتاج ثقافة تحرر مكتوبة من لحم ودم، قادم من الحياة، معجون بتجربة البشر، ليس ابن لحظته بل يتذكر سابقه ويحلم بالقادم.. أن يكون برزخاً بين عالمين، حيث القطائع غير نهائية ولا انعطافية، بل تكميلية باتجاه الارتقاء، دون قطع الأدب والسياسة عن واقعهم أو عن التاريخ، ودون جعلهم أسرى الطارئ الدخيل حتى لا نموت معه وفيه.

أمام مشروع متكامل، مطلوب رؤية بديلة وحديثة تجدد وتؤصل الصراع وأدوات فعل جديدة قادرة على الابتكار. نعود دائماً إلى الزمن الكنفاني الذي امتلك استراتيجيته في المقاومة الثقافية المتعددة والمتنوعة والشاملة، والتي عجزت عنها أنظمة وأحزاب ومؤسسة كاملة؛ تجربة جسدت روح الثورة الفلسطينية المعاصرة وأحلام الجماهير الجماعية تحركها حوافز إنسانية ورغبات سياسية وقيم وغايات نبيلة، في بوتقة واحدة تحتفي بها كل الأشياء، وتظل مرتبطة بالأسئلة الوجودية الكبرى. فالإنسان في نهاية الأمر هو قضية، قضية صناعة المستحيل، أن تقرأ الماضي لصناعة المستقبل لأن فلسطين ليست حفنة ذكريات، بل استعادة الذاكرة في صناعة المستقبل ونظرية الأمل التي تجسر الهوة بين التحدي والاستجابة، تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة والتاريخ والثقة بالانتصار من أجل أن نستعيد العافية للنسيج الوطني والشخصية والوطنية والهوية ولثقافة نقدية ومنتجة، تقوم على الاستقواء على الهزيمة من خلال وعيها ودراستها وتفكيكها لتجاوز مقدماتها وأسبابها وتفسيرها، وليس تبريرها والخضوع لنتائجها كما في ثقافة الهزيمة. فالتاريخ لا يكتبه المنتصر فقط، بل أيضاً يكتبه المهزوم وأكثر عمقاً وإشراقاً في مراجعة جادة طليعتها الثقافة كتعبير عن الضمير الجمعي التي تمتلك فرصاً هائلة للإلهام الإيجابي وتحقق شرعية البقاء.

لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، كما أن الكهرباء لا يصنعها الأميّون! فالثورات دائماً تخذلها العقول الفارغة والقامات القصيرة، نحن الآن أمام تحدي استعادة منظومة العقل وسلطة القرار وإدخال الثقافة إلى مؤسسة القيادة، القوة الروحية والأخلاقية للنضال التحرري المقاوم، دون إحداث تناطح أو خلق تناقض بين الثقافة والمقاومة، أو المثقف والسياسي، هذه خدمة مجانية لدعاة ثقافة الاستسلام، ودعوة صريحة لتجويف العمل السياسي من قيمته الثقافية، بل ليكن المثقف مسيساً والسياسي مثقفاً.. ولا حياة لمشروع وطني فلسطيني حقيقي دون مانيفستو الثقافة، وإلا كل فصيل سيظل كسيحاً دون مقاومة ثقافية متطورة ومتجددة تواكب العصر، وتتجسد فيما نكتبه ونغنيه ونرسمه وننحته ونبدعه سرداً وشعراً وتربية ودراما وفيلماً وتواصلاً اجتماعياً للرقي بفكرة المقاومة كرافعة لقيم الحرية والعدل، وكفن من فنون صناعة المستقبل وتحقيق المستحيل، كما في طموح درويش في ختام قصيدته: "لم ينتصر ليموت، ولم ينكسر ليعيش/ فخذ بيدينا معاً، أيها المستحيل".