Menu

طرحت العديد من المحاور..

ندوة غسان كنفاني تُناقش "المناعة الثقافية لحماية الهوية ومجابهة التطبيع"

خاص بوابة الهدف

ناقشت ندوة غسان كنفاني التي تعقدها "بوابة الهدف الإخباريّة" بصورةٍ دوريّة "المناعة الثقافيّة لحماية الهوية ومُجابهة التطبيع"، إذ استضافت من قطاع غزة، الكاتب والأديب والباحث في الشأن السياسي شفيق التلولي، والدكتور في العلوم السياسيّة عماد أبو رحمة، وعبر تقنية الاتصال المرئي الباحث الرئيس في مركز بيسان للبحوث والانماء جبريل محمد.

وفي مطلع النقاش، قالت الصحافية بيسان الشرافي التي أدارت الندوة، إنّه "وفي الوقت الذي تمر به القضيّة الفلسطينيّة في واحدٍ من أخطر وأصعب المنعطفات التاريخيّة؛ نشاهد الهرولة والتسارع نحو التطبيع مع كيان الاحتلال الصهيوني، ويأتي ذلك بالتزامن مع واقعٍ فلسطيني مأزوم، وحالةٍ من التضليل والتهميش للقضيّة".

ولفتت الشرافي إلى أنّ "هذا كله في يأتي في ظل وجود احتلال يسخّر امكانياته وطاقاته وأدواته لنسف كل ما هو فلسطيني لكي الوعي الفلسطيني والعربي".

أوسلو لم يأت من فراغ

بدوره، قال د.عماد أبو رحمة في بداية حديثه، إنّ "ما جرى في الآونة الأخيرة من إعلان لاتفاق التطبيع بين الامارات وكيان الاحتلال برعايةٍ أمريكيّة هو اشهار لعلاقةٍ سريّة، وهذا قبول بإدانةٍ فلسطينيةٍ شديدة، مع العلم أنّه ليس الاتفاق الأوّل الذي يتم مع كيان الاحتلال"، لافتًا خلال ردّه حول ما إذا صح الطرح الذي يقول: أن الفلسطينيين ساهموا بتوفير بيئةٍ وعامل تبرير للمطبّعين من الأنظمةِ العربيّة منذ توقيع اتفاق أوسلو الذي ترتّب عليه اعتراف بكيان الاحتلال، وأيضًا تطبيع لعلاقات الاقتصاديّة، إلى أنّ "هذا الموضوع حيوي؛ إذ يربط بين حالة التشظي التي تعيشها الهويّة الجماعيّة للفلسطينيين، وفي موضوع التسوية السياسيّة من جهة، وعملية التطبيع من جهةٍ أخرى التي خرجت إلى العلن بشكلٍ فج خلال السنوات الأخيرة".

كما أكَّد أبو رحمة على أنّ "أوسلو لم يأت من فراغ، إنما أتى ضمن سياق الصدّع الأوّل في الهويّة الجماعيّة وأتى مع تبني برنامج التسويّة، ونحن نعلم جميعًا أنّ منظمة التحرير الفلسطينيّة أعادت بناء الهويّة الجماعيّة للشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده انطلاقّا من الأحداث التي مرّ بها الشعب الفلسطيني، وإعادة بناء هوية للشعب الفلسطيني تلاقت مع كيان سياسي هو منظمة التحرير الفلسطينيّة التي تبنّت برنامج التحرير أي مشروع تقرير مصير كل الفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم، لكن بعد تبني برنامج النقاط العشرة عام 1974م من قبل المجلس الوطني بدأت عملية التصدّع لأنّ النقاط العشرة التي تحولت سريعًا إلى برنامج الدولة الفلسطينيّة  على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967م".

وأردف أبو رحمة بالقول: "هذا يعني أنّ المشروع السياسي لم يعد يتطابق مع الهويّة الجماعيّة للفلسطينيين التي هي هوية الفلسطيني في كل مكان.. كان برنامج النقاط العشرة، ثم البرنامج المرحلي، وهو برنامج تقرير المصير للفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67، هذا تحوّل أساسي من برنامج التحرير إلى برنامج تسويّةٍ سياسيّةٍ على قاعدة قرارات الشرعيّة الدوليّة، الكفاح المسلح الذي كان له دورًا أساسيًا في عملية إعادة بناء للهويّة الفلسطينيّة وأعطاها بعدًا تحرريًا وطنيًا تغيّرت وظيفته من التحرير الشامل إلى أن أصبح أداة من الأدوات التي تخدم التوجّه السياسي لقيادة المنظمة من أجل الوصول إلى إقامة دولة على الأراضي المحتلة عام 67"، مُشددًا على أنّ "هذا التوجّه أوصلنا إلى اتفاق أوسلو الذي أقام السلطة على جزء من الاقليم الفلسطيني بدون سيادة، وأدى إلى انتقال مركز ثقل كل الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة إلى الداخل، والهوية التي نشأت في مناطق اللجوء والشتات عاشت تصدّعات لأن قيادة المنظمة أصبح مشروعها السياسي يرتكز على السلطة ضمن وهم أنّ هناك إمكانية أن تنتقل مؤسسات السلطة إلى دولة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67، وضمن هذا المجرى انسحبت منظمة التحرير من مناطق اللاجئين في الدول العربية خاصة في لبنان و سوريا إذ وجد اللاجئين أنفسهم دون هيئاتٍ وطنية تعبّر عنهم ووجدوا أنفسهم خارج المشروع السياسي الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 48".

مشروع التسوية لا يُعبّر عن الكل الفلسطيني 

وأشار أبو رحمة إلى أن "تبنّي مشروع التسوية عام 77 أخرجهم من محددات المشروع السياسي، وبالتالي بتنا أمام مشروع لا يعبّر عن الكل الفلسطيني، وبتنا أمام منظمة كانت تمثل أو تعبّر عن الهوية الجماعيّة لكل الفلسطينيين بناءً على مشروع سياسي واحد لم تعد تعبّر عن هذا الأمر لأن مشروعها السياسي يوجد في الأراضي المحتلة عام 67، ثم السياق اللاحق للانقسام الذي كرّس عملية التجزئة وكرّس عملية التشرذم في الهويّة الفلسطينيّة؛ فكانت المحصلة هي بروز الهويات الفرعية سواء كانت أيدلوجيّة أو كانت جهويّة على حساب الهويّة الجامعة لكل الفلسطينيين".

أمَّا الباحث جبريل محمّد، فقال في بداية حديثه، إنّه "وقبل أن نتطرّق إلى الوضع الراهن لابدّ أن نتطرّق إلى محورين أساسيين: الأوّل هو أنّ البعد الاجتماعي لثقافة التطبيع مع الكيان لا يتحمّل مسؤوليتها الفلسطينيين فقط خاصة أنّ مجموعة من المثقفين العرب حضروا افتتاح الجامعة العبرية في القدس عام 1925م، أي أنّه كان هناك نوعًا أو حالة من الانبهار بشكلٍ أو بآخر بحاملي المشروع  الصهيوني على المستوى الثقافي والحضاري في البلاد منذ تلك الفترة، وهذا الانبهار لم يرى المشروع الصهيوني وأخطاؤه كما رآها نجيب نصار، وأحمد لطفي السيد من مصر، وآخرون من بينهم فلسطينيين".

وفي ذات السياق، رأى محمّد أنّ "هذا الوضع يجعلنا نرى بشكلٍ واضح أنّ التطبيع مع الحركة الصهيونيّة لم يكن تطبيعًا ناتجًا فقط عن حالة انهيار، إذ أنّ هناك نوعًا من الانبهار الثقافي الذي يؤدي إلى تشبه المستعمَر بالمستعمِر التي تحدّث عنها فرانز فانون وآخرون"، لافتًا إلى "وجود حالة من الانبهار الثقافي عند بعض العرب، ويستشهد على ذلك من كتاب الأرشيف السري للثقافة المصرية للكاتب غالي شكري الذي قال فيه: أنّه خلال اجتماع ما للمثقفين المصريين، وهذا الكلام قبل اتفاقية كامب ديفيد، وطرح خلال هذا الاجتماع مسألة الاعتراف بـ"إسرائيل" كـ"توجه منطقي"  والذي طرحه كاتب من المثقفين المصريين الكبار وهو توفيق الحكيم، وبصراحة وحتى لا نفكّر أنّ التطبيع اقتصر على المشروع السياسي فقط، إنّما هناك نوع من انبهار العاجز أمام المتحضّر، وهذه هي أزمة الحركة الليبراليّة العربيّة التقليديّة التي نشأت عن الاستعمار وبداية الاستقلال التي قضت عليها الثورات الوطنيّة التي حدثت في مصر وسوريا والعراق".

ثقافة منبهرة بالصهيونية

أمّا المحوّر الثاني بحسب محمد، فاستشهد خلاله بما قاله الأديب غسّان كنفاني في كتابه الأدب الصهيوني وهو أنّ "الصهيونية قاتلت على الجبهة الثقافية كما قاتلت على الجبهة العسكرية والاقتصادية والسياسية إلخ، من خلال اظهار المستوطن المتحضّر في مقابل المواطن العربي الفلسطيني الجاهل المتخلّف"، هذا الكلام إذا نظرنا له في الأدب الصهيوني، وعلى المستوى الثقافي نجده في الكثير من الروايات الصهيونية، خاتمًا حديثه بالتأكيد على أنّه "وأمام العجز وغياب البعد الثقافي الحقيقي، قد نشأت حالة من الثقافة كانت هامشيّة في تلك الفترة إلّا أنّها كانت منبهرة سواء في الانجاز الصهيوني أو الإنجاز الغربي بشكلٍ عام".

تاليًا، تحدّث الكاتب والباحث شفيق التلولي والذي اعتبر في بداية حديثه أنّ "التطرّق إلى عنوان هذه الندوة وفي هذا الوقت له أهمية خاصة من أجل بناء سدٍ منيع تجاه كل المخاطر المحدّقة بالثقافة والقضيّة الفلسطينيّة، بل بالوجود الفلسطيني والتي ترمي إليه حكومة الاحتلال ومن قبلها كل الكيان الصهيوني منذ أن اغتصب أرض فلسطين".

ولفت التلولي خلال حديثه إلى أنّ "موجة التطبيع الثقافية ليست ظاهرة جديدة، والكاتب غسّان كنفاني أصاب في كتبه، خصوصًا في رواية عائد إلى حيفا، وفي حواره الذي أتى على لسان دوف أو خلدون وأبيه إلى سرقة الانسان وسرقة الهويّة الوطنيّة الفلسطينيّة. منذ أن حطّت النكبة، ونحن في صراعٍ حضاري".

وأردف حديثه بالقول: "الحكومة الصهيونيّة ومنذ قيامها تحاول إيجاد علاقات طبيعية مع المنظومة العربيّة، وتزامن ذلك من نشأة "صراع الروايات"، الأولى هي الرواية العربيّة الفلسطينيّة في مقابل رواية إسرائيلية- صهيونية، لكنّ الرواية الفلسطينيّة استطاعت أن تهزم الرواية الاسرائيلية القائمة على الزيف"، مُؤكدًا أنّ "مصطلح المثقف هو مصطلح اشكالي، ويجب على المثقف الانتقال من الأفعال إلى الأقوال، فبعد أن ينتقد الواقع عليه أن يسعى إلى تعريته وتغييره".

وبيّن التلولي أنّ "هناك تداخلاً بين الموضوعين السياسي والثقافي، لأنّ الثقافة والهويّة التي تشكّلها يجب أن تبقى ثابتة، فيما يمكن للسياسة أن تكون متغيّرة وفق حاجة الواقع"، مُشدّدًا على أنّ "إسرائيل تسعى إلى تزييف الوجدان الفلسطيني وتعمل على تغييره، وهنا يأتي دور المثقف في تعريف الناس بما يحدث حولهم، والدفاع عن إرث وحضارة هذا الشعب".

هل استطاع المثقّف الدفاع عن الهويّة؟

كما تساءل التلولي: هل استطاع المثقّف الدفاع عن الهويّة العربيّة والهويّة الفلسطينيّة بشكلٍ خاص؟، مُؤكدًا أنّ "أكبر مثال أمامنا هو اتفاقية كامب ديفيد، فقبل توقيع مصر للاتفاقيّة حدثت محاولات لاختراق الهوية الجمعيّة، ولكن تصدى لها المثقفين والفنانين والأدباء"، مُعتبرًا أنّ "أعلى درجات الصراع مع هذا الكيان هو الصراع الحضاري والثقافي، وأخطر أنواع التطبيع هو التطبيع الثقافي".

وبشأن اتفاقات التطبيع الأخيرة مع الكيان الصهيوني، قال التلولي إنّها "لم تأتي من فراغ، ولكن سبقه الكثير من المقدّمات، من خلال المسلسلات الخليجيّة والعربيّة التي بدأت باختراق الوجدان العربي تحت ذريعة احترام الأديان، وصوّرت الإسرائيلي كمحبٍ للسلام".

يُشار إلى أنّ الندوة التي تعقدها "بوابة الهدف الإخباريّة" بصورةٍ دورية قد ناقشت هذه المرّة أيضًا العديد من المحاول الأخرى التي أثرت العنوان المطروح حول "دور المناعة الثقافيّة في مُجابهة التطبيع" خاصة في زمن الهرولة نحو الكيان الصهيوني، وبإمكانكم مُتابعة الندوة كاملةً عبر الفيديو المُرفق.