Menu

كلام في السياسة.. قضايا ورجال: وجهات نظر (من بدايات القرن الواحد والعشرين) الحلقة الأولى

غازي الصوراني

كلام في السياسة.. قضايا ورجال.jpg

خاص بوابة الهدف

(القُرَّاء الأعزاء: تنشر بوابة الهدف الإخبارية وعلى حلقات متتابعة، تلخيص مكثف مفيد لكتاب: كلام في السياسة.. قضايا ورجال: وجهات نظر (من بدايات القرن الواحد والعشرين)، لمؤلفه الكاتب الكبير الراحل محمد حسنين هيكل، الصادر عن دار المصرية للنشر في طبعته الأولى، فبراير 2000، حيث قام مشكورًا الباحث والمفكر الفلسطيني غازي الصوراني بتلخيصه والتقديم له).

كلام في السياسة.. قضايا ورجال: وجهات نظر (من بدايات القرن الواحد والعشرين)

الحلقة الأولى

قصة ارتباط حسين ملك الأردن، والحسن ملك المغرب

بأجهزة المخابرات الأمريكية والصهيونية

تقديم:

تميز الإعلامي والمؤرخ الكبير الراحل أ. محمد حسنين هيكل بحرصه الشديد –في كل كتاباته- على توثيق المعلومات والأحداث التاريخية، كما هو الحال في كتابه "كلام في السياسة" الذي استعرض فيه علاقة كل من الملك عبدالله وحفيده الملك حسين، في المشرق، والملك الحسن في المغرب، مع أجهزة المخابرات الأمريكية والصهيونية، ويكشف عن دورهم الخياني تاريخياً، ذلك الدور الذي بدأ مع حسين بن طلال استمراراً وتواصلاً مع خيانة جده عبدالله وعلاقته بالحركة الصهيونية، إلى جانب دور ملك المغرب "الحسن" الخياني لحساب الحركة الصهيونية، وهي عمالة/ خيانة لم تنقطع (بدعم المخابرات الأردنية ومعظم قيادة الجيش)، بل حرصت أجهزة المخابرات الامريكية والبريطانية والإسرائيلية وغيرها، على متابعة ذلك الدور الخياني، ومواصلته من خلال العديد من الانظمة العربية عموماً وأنظمة السعودية ودويلات الخليج خصوصاً، حيث نلاحظ انتقال عمالتهم من إطار السرِّي إلى الإطار العلني الوقح راهناً في مرحلة الانحطاط والخضوع والتطبيع والاعتراف بالدولة الصهيونية، بوقاحة عز نظيرها دون أدنى شعور بالذنب تجاه استسلامهم وخضوعهم للتحالف الامبريالي/ الصهيوني ، والتخلي الكامل عن حقوق شعبنا ليس التاريخية فحسب، بل أيضاً التخلي عن حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس ، إلى جانب اقرارهم بخطة ترامب أو ما تسمى بـ"صفقة ترامب" وصمتهم عن مخططات العدو الصهيوني الهادفة إلى ضم 30% من الضفة الفلسطينية، كل ذلك لحماية عروشهم ومصالحهم الطبقية على حساب مصالح شعبنا وشعوبنا العربية، الأمر الذي يفرض –وبإلحاح- أن نعود إلى إحياء شعار النضال من أجل إسقاط هذه الأنظمة –في إطار التنسيق مع الحركات والأحزاب العربية التقدمية- انطلاقاً من قناعتنا أن الصراع هو صراع عربي – إمبريالي وصهيوني معاً، ما يفرض علينا العودة إلى الالتزام بكلمات رفيقنا القائد الراحل جورج حبش: "لا يجوز بأي شكل من الأشكال أن نسمح لهذه الأنظمة الرجعية بتغطية حقيقة مواقعنا، إن دور الثورة الفلسطينية على هذا الصعيد، على صعيد الاسهام في بلورة حركة تحرر وطني عربي في السعودية في اليمن الشمالي، في الخليج العربي تبدأ في أن تقول الثورة الفلسطينية وتطرح للجماهير الفلسطينية والعربية فكراً ثورياً ملتزماً، وكلمة مسؤولة، ولن يكون ذلك على حساب الثورة بأي شكل من الأشكال، إن الثورة تستطيع عندما تتثور بالمعنى الحقيقي، وعندما تستند فعلاً إلى طلائع وإلى جماهير معبئة أن تحقق أهدافنا الثورية القومية والوطنية"[1].

تعالوا أيها الرفاق والاصدقاء نقرأ معاً قسماً هاماً من تاريخ الخيانة والعمالة، لا لكي نتعلم الدروس والعبر فحسب، بل أيضاً لكي نتخذ موقفاً صريحاً ومبدئياً مع كافة القوى القومية اليسارية العربية لتفعيل النضال القومي الهادف إلى الخلاص من أنظمة الخيانة، ومن ثم توفير الامكانات العربية لمواجهة وهزيمة دولة العدو الصهيوني، وإقامة دولة فلسطين العربية في إطار المجتمع العربي الاشتراكي الديمقراطي الموحد.

غازي الصوراني

شخصية الملك حسين

ضرورات الفهم.. قبل الحكم

(1)

يقول الإعلامي الكبير الراحل أ.محمد حسنين هيكل: إذا كان هناك دليل مادي مطلوب لكشف أحوال العالم العربي في نهاية القرن العشرين – فإن مشهد جنازة الملك حسين مَلِك الأردن الراحل – هو ذلك الدليل المادي المطلوب!

وليس في ذلك كله ما يسئ إلى جنازة المَلِك "حسين" فلقد كانت جنازة مهيبة جليلة في نواح عديدة منها.

إن ذلك التقدير لدور المَلِك ومشاعر الناس من أبناء شعبه لا يحجب ملاحظات يصح تسجيلها:

أولها: أنه من المؤكد الآن أن المَلِك عاد من الولايات المتحدة الامريكية وهو في حالة "موت طبي"، وكانت الاجهزة الصناعية وحدها تستخرج أنفاسه، وتستبقي دقات قلبه وإن على وهن!

وفيما يبدو فقد كانت تلك فسحة من الوقت مطلوبة لعودة المَلِك إلى وطنه، ولمنح بعض الضيوف فرصة استعداد للسفر إلى عمان، وزاد على ذلك – كما تَكَشَّف فيما بعد- أن فسحة الوقت كانت مطلوبة لتسوية خلافات بين أطراف العائلة خصوصاً في شان ولاية العهد، وكان المَلِك "حسين" من الأصل يرغب أن يخلفه ابنه (من الملكة نور) الأمير حمزة، ولم تمكنه نصائح دولية وإقليمية من إنفاذ إرادته، فأعاد الأمر إلى الأكبر من أبنائه وهو "عبدالله" ثم أصر على ولاية العهد لـ"حمزة".

معرفتي بالمَلِك "حسين" كانت وثيقة، وأظن أن ذلك كان تقديره أيضاً – وأزعم أنني خالطته عن قرب ومن زمن، فقد لقيته لأول مرة وعمره اثنا عشر عاماً، وكان ذلك عندما ذَهبْت لمقابلة صحفية مع والدته الأميرة "زين" في فندق "شبرد" القديم في القاهرة – سنة 1947- وكانت يومها زوجة وليّ عهد الأردن الأمير "طلال" (وأصبحت فيما بعد مَلِكة على الأردن وظل لها اللقب رسميا حتى توفيت).

ثم صادفت المّلِك "حسين" بعد ذلك مرات عديدة يركب دراجته في حديقة قصر "رغدان" مَقَرَ جّدِّه –وكنت وقتها مراسلا مُتَجَوِّلا لـ"أخبار اليوم" في الشرق الأوسط، وكان قصر "رغدان" أهم بؤرة في السياسة العربية في ظروف حرب فلسطين سنة 1948 – ولذلك كثر ترددي عليه للقاء المَلِك "عبد الله"، وكثرت رؤيتى لحفيده ووقوفى مرات عديدة معه.

ثم تابعت المَلِك "حسين" بعد ذلك غداة اغتيال جَدِّه – وكنت أغطي الحدث (سنة 1951) حتى كانت المناداة بوالده الامير "طلال" ملكا على الأردن.

ثم عدت إلى متابعته أثناء مشاورات سياسية وعائلية جرت في قصر "بسمان"، وكان يديرها رئيس وزراء العراق "ثوري السعيد" (باشا) والسير "أليك كيركبرايد" المُعتَمَد البريطاني في عَمَّان، ومعهما الجنرال الانجليزي "باجوت جلوب" (باشا) قائد الفيلق العربي -!- وكان موضوعها مشكلة الملك "طلال".

وقد أصبحت هذه المشاورات مطلوبة إثر روايات وحكايات شاعت وذاعت عنه –ثم تقرر بعدها الحَجْر عليه وتم ترحيله إلى إستانبول حيث أودع مصحا للأمراض النفسية قضى فيه بقية عمره. 

لم تكن علاقتي بالمَلِك "حسين" بسيطة، ولعها كانت أقرب إلى أن تكون علاقة مركبة، وفي بعض الأوقات معقدة! – والسبب أن كلينا كان يعرف انه يتصرف حيال الآخر من موقف مختلف.

فهو – في اعتقاده واعتقادي- يقف على ضفة – وبنفس المعيار- وفي اعتقاده واعتقادي- فقد كنت أقف على الضفة الاخرى، لكننا برغم التناقض أقمنا صلات بين رجلين، كلاهما غارق مستغرق في الشأن العربي العام مع اختلاف التقديرات والضرورات لدى كل منهما.

وأتذكر على سبيل المثال أنني سنة 1990 ظننت أن الأمور وصلت بيننا إلى درجة القطيعة، لأنني نشرت تحت عنوان "الانفجار" كتابا عن وقائع نكسة سنة 1967 – وفي الكتاب فصول تناولت دور المَلِك "حسين" في تلك الوقائع، وبينها أنه كان يعرف الكثير من تفاصيل مؤامرة جَرّ مصر إلى فخ تلك الحرب، وأن مجيئه المفاجئ إلى القاهرة في 30 مايو 1967 – أي قبل بدء الهجوم الإسرائيلي بأيام – وتطوعه بدخول المعركة مع مصر- وتصرفاته السياسية والعسكرية طوال هذه الحرب-  تثير جميعها أسئلة تطرحها وثائق تحفل بتلميحات وإشارات ترقى إلى مستوى الشك – على أقل تقدير.

وهكذا نَشَرْتُ سنة 1990 – وبغير اتهام – ما توصلت إليه بشأن دور المَلِك "حسين" في حرب سنة 1967، وظننت أن تلك نهاية الطريق في علاقتي مع "سَيِّد عَمَّان".

(2)

والذي حدث بعد شهور من نشر كتاب "الانفجار 1967" (فبراير 1990) – أن انفجارا من طراز آخر وقع في الشرق الأوسط، حين أقدم العراق على احتلال الكويت (أغسطس 1990)، ثم توالت الحوادث خاطفة إلى "عاصفة الصحراء" (يناير 1991) – وكان للمَلِك "حسين" في اجواء تلك السنة الحافلة دور رئيسي ومِحْوّري ، وفي مطلق الاحوال فإنه كان السياسي العربي الوحيد الذي ظل من البداية إلى النهاية على اتصال بجميع الأطراف، مُتابِعا لكل التطورات، وكان من حظه أن أصحاب القرار العالمي في واشنطن – وهُم يعرفون أحواله – تركوا له مجاله يتحرك فيه بحرية لم يتركوها لغيره.

منذ ذلك الوقت سنة 1991 ظللت ألتقي الملك "حسين" عدة مرات في السنة، وأكثر لقاءاتنا في لندن، وساعد على ذلك أننا ننزل نفس الفندق فيها "كلاريدج"، وحتى بعد أن اشترى المَلِك قصرا في "كنستجتون" لإقامته في العاصمة البريطانية، وقصرا في الريف القريب منها (Surrey) لعطلات نهاية الأسبوع – فإنه احتفظ بجناح في فندق "كلاريدج" اتخذه شبه مكتب في قلب العاصمة البريطانية.

شخصية المَلِك "حسين" بما يتداخل فيها إجمالا وتفصيلا يَصعْبُ فهمها – حتى وإن استحال في بعض الاحيان تبريرها – إلا بالنظر إلى وجوه الحقيقة المختلفة، وهي في حالته كما قلت: رسوم وشْمِ جرى دقه دقا على جلد لحمه الحي!

(3)

واذا بدأنا بحكم الجغرافيا وهو بالفعل أهم وجوه الحقيقة فيما يتعلق بالأردن وملكه – فسوف يتأكد أن الجغرافيا كانت شديدة الصرامة مع الاثنين، فتلك دولة اصطُنِعتَ بقرار سياسي خلافاً لما هو طبيعي في نشأة الدول، وكان إنشاؤها بتوجيه من "ونستون تشرشل" وزير المستعمرات البريطاني أثناء مؤتمر عُقِد في القاهرة برئاسته في فندق "سمير أميس" (عام 1921)، وعلى جدول أعماله مستقبل الممتلكات البريطانية في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى وما وقع خلالها وبعدها من أحداث أهمها معاهدة "سايكس بيكو" التي قَسَّمت إرث الخلافة العثمانية أنصبة بالاتفاق بين بريطانيا وفرنسا، ومن ثم رَسَمَت للمنظمة خريطة جديدة.

كان وزير المستعمرات البريطاني "ونستون تشرشل" هو المهندس الأول للخريطة على الجانب البريطاني، وقد راح يخطط، وبين ما خط موقعٌ تَحَيَّر الذين رسموه في اختيار اسم له، ثم كان أن استعملوا وصفا جغرافيا بسيطا هو "شرق الأردن".

والدول لا تسمى في العادة على هذا النحو، والمألوف أن الدول الجديدة تستعيد اسما قديما ينسب نفسه إلى أصل تاريخي، أو سلالة بشرية، أو قبيلة، أو نهر، او حتى لغة – لكن نسبة الأوطان إلى اتجاهات أو مواقع على خريطة، سابِقَةٌ لم تحدث من قبل، وعلى أي حال فقد كانت للضرورات أحكامها، وظهرت إمارة "شرق الأردن" و"عبد الله" على عرشها عام 1921 [2].

لكن الخريطة كان عليها موقع آخر اختار له أصحابه اسما من أساطير التاريخ وليس من تضاريس الجغرافيا: إسرائيل.

والواقع أن قرار إنشاء "شرق الأردن" يمكن اعتباره ملحقا إضافياً إلى معاهدة "سايكس بيكو"، وهو رابط بينها وبين وعد "بلفور" الذي اعطى اليهود حقاً بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين.

والشاهد أن "شرق الأردن" تكاد تكون مساحة على خريطة تنطق حدودها بالمطلوب منها مجملاً على النحو التالي:

  1. إذا كانت المملكة الجديدة هي "شرق الأردن" – فإن غرب الأردن هو فلسطين حيث أعطت بريطانيا لليهود حقا بإنشاء دولة يهودية، وإذا كان إنشاء دولة يهودية مطلوبا- فإن نقطة مراقبة وحراسة – بريطانية وعربية إذا أمكن – تصبح مطلوبة، على مقربة.
  2. إن موقع "شرق الأردن" محشور بين الحجاز (المملكة العربية السعودية فيما بعد) وبين سوريا – وفي نفس الوقت محشور بين العراق وبين الدولة اليهودية الموعودة وإلى حد ما بين العراق وسوريا أيضاً.
  3. إنه مع ظهور احتمالات البترول المؤكدة في مناطق الخليج وشبه الجزيرة العربية – ومع إمكانات ظهور دولة يهودية لا يزال قيامها وحجمها وقدرتها وقبول الجيران بها، أسئلة تنتظر – فإن "شرق الأردن" وحتى يبين جواب الأسئلة يمكن أن يقوم بدور حاجز بين اليهود في فلسطين ومنابع النفط العربي، وخصوصا إذا تأزمت العلاقات – وهي مُعَرَّضة في الغالب أن تتأزم – بين اليهود والعرب!
  4. إن المنطقة التي اقتُطِعت لإمارة "شرق الأردن" فقيرة وتكاد تكون بلا موارد، ثم إنها في حالة شبه حصار حيث حشروها، وهذا يجعلها في حاجة دائمة إلى مساعدة أجنبية، وذلك يجعل بريطانيا في وضع فريد، فهي الغريب القريب في نفس الوقت، وإذا كانت هي التي خططت ورسمت وأنشأت وساعدت، فإن الكلمة العليا لابد أن تكون لها، ومهما يكن فإن التكاليف محدودة – اثنا عشر مليون جنيه استرليني سنوياً، نصفها لحكومة المَلِك "عبدالله"[3]، ونصفها الآخر لجيش يرفع رايته.
  5. إن قيام كيان سياسي في "شرق الأردن" تحميه بريطانيا وتتحكم فيه، يصنع بالفعل نقطة اتصال أساسية بين أهم القواعد العسكرية الإمبراطورية في الشرق الأوسط، وكانت قاعدة قناة السويس غربا في مصر وقاعدة الحبانية شرقا في العراق هما أهم هذه القواعد، وفي "شرق الأردن" جرى إنشاء قاعدة "الزرقاء" في المفرق وهي نقطة في الوسط تماما من خط المواصلات البريطاني بين وادي النيل وأودية دجلة والفرات.

وهكذا جرى رسم حدود دولة "شرق الأردن" وتعيين "عبدالله" اميرا عليها – وكذلك تقرر إنشاء جيش لها روعي أن يكون جنوده من البدو بتصوٌّر أن ولاء المقاتل البدوي مضمون لشيخ قبيلته – أو للأمير الكبير فوق شيخ القبيلة، وقد اختير لهذا الجيش اسم "الفيلق العربي" ، ونُصِّبَ على قيادته ضابط بريطاني هو "جون باجوت جلوب"، وبقصد تعريب الجنرال البريطاني، فقد منحه الأمير "عبدالله" رتبة الباشوية الهاشمية فأصبح اسمه" جلوب باشا"!

إن ذلك الدور الذي حكمت به الجغرافيا على إمارة "شرق الأردن" ظهرت فوائده في الحرب العالمية الثانية حين أصبحت منطقة "المفرق" مرتكزا رئيسيا لقيادة القوات البريطانية في الشرق الأوسط – كما أصبح الفيلق العربي الذي اتخذ قيادته في قاعدة "الزرقاء" طليعة القوات البريطانية التي ضربت انقلاب "رشيد عالي الكيلاني" -1940 – وأعادت الفرع "العراقي" للأسرة الهاشمية إلى عرش بغداد بعد طرده منها.

وقد تكرر نفس الشيء بعد ذلك حين أصبح الفيلق العربي (والفيلق اليهودي أيضاً) – طليعة قوات الجنرال "ميتلاند ويلسون" عندما طُرِدَ الألمان من سوريا – يوليو 1941- بعد أن جاءوا إليها بسماح من حكومة "فيشي" التي قامت في فرنسا بعد سقوط باريس واستسلامها أمام جيوش "هتلر"!

إن ذلك الموقع الجغرافي بعد ذلك هو الذي وضع الفيلق العربي داخل فلسطين عندما بدأ مشروع إنشاء الدولة اليهودية يأخذ شكله النهائي بعد الحرب العالمية الثانية، وكان دخول هذا الفيلق إلى فلسطين ضمن قيادة قائد القوات البريطانية فيها وتحت تَصَرُّف حاكمها العام الجنرال "آلان كنجهام".

وهكذا، فإن حكم الجغرافيا وضع عرش "شرق الأردن"(الأردن فيما بعد) وسط دوامة السياسة، وفي قلب الحدود والتخوم بين مصر والعراق، وبين سوريا والسعودية، وبين العرب واليهود، وبين فلسطين وإسرائيل، وبين بريطانيا وأمريكا.

وباختصار، فإن موقع الأردن الذي كان بالجغرافيا الطبيعية بقعة ساكنة على الخريطة أصبح بالجغرافيا السياسية فوهة بركانية متفجرة أو مستعدة للتفجير عند أي حركة محسوبة أو غير محسوبة، ذلك عن حكم الجغرافيا وقد كان قاسياً!

(4)

إذا كانت تلك قسوة الجغرافيا على مملكة المَلِك "حسين" وقت إنشائها في عهد جده – فإن قسوة التاريخ كانت أشد.

إن المملكة كانت بغير تاريخ قديم يخص الشعب الذي يعيش فيها حين أنشئت الدولة الجديدة وأقيم عرشها – إلا بمقدار ما يخص التاريخ العربي في مجمله كل العرب في عمومهم.

والشاهد أن المنطقة التي أنشئت فيها إمارة "شرق الأردن" كانت محرومة من وفرة الموارد، ولهذا فإنها لم تعرف مجتمعات مستقرة تترك وراءها، بمضي العصور، تراكمات حضارية متواصلة، لكن المنطقة في عموم أحوالها كانت ممراً أكثر منها مقاماً.

كانت عَمَّان التي وصل إليها ركب الأمير "عبد الله بن الحسين" معاتبا لأبيه ومغاضبا لشقيقه الأصغر منه – قرية صغيرة تتناثر بيوتها على مجموعة من التلال، وكانت حياتها تجارة محدودة وزراعة في واحات محصورة حول بئر هنا أو بئر هناك، ثم بعض مبانٍ إدارية تركتها الإمبراطورية العثمانية وراءها حين كانت عَمَّان محطة ضرورية على الطريق من دمشق إلى مكة والمدينة في الحجاز.

ولم يكن الأمير "عبد الله" شديد السعادة بالإمارة التي أقطعه إياها وزير المستعمرات البريطاني، وقد قال وقتها، وظل يقول حتى سمعتها منه سنة 1948 – أن هناك "ممالك دون ملوك" وهناك "ملوكا بدون ممالك".

وفي صميم قلبه – وعلى لسانه إذا وجد من يسمع ويكتم السر – فإن الملك "عبدالله" لم يكن سعيدا على الإطلاق بمن يراهم حوله من ملوك العرب، فالملوك السعوديون مغتصبون للملك مرتين: من أسرة "الرشيد" في نجد، ومن أسرته هو –والده مباشرة- في الحجاز.

والملوك المصريون "ألبان" ، لا هم من العرب ولا هم من قريش، ثم إنهم يتعاملون مع بقية الأمراء باستعلاء، رغم أنهم بلا حسب ولا نسب يعطيهم سببا للفخار، وحتى ملوك العراق رغم أنهم إخوته وأبناؤهم – خانوا الأخ والابن، وخطفوا العرش العراقي ممن يستحقه وهو (عبدالله) أولهم وأكثرهم جدارة لأنه أكبر من شقيقه الملك "فيصل" وأسبق في الاتصال بالإنجليز لترتيب الثورة ضد العثمانيين.

ومن هنا بالتحديد، فإن تاريخ الهاشميين يصبح مقدمة لاغنى عنها في فهم سياسة الأردن من عصر الجد "عبد الله بن الحسين" إلى عصر الحفيد "حسين بن طلال"!

  • وتاريخ الهاشميين بالدرجة الأولى مشكلة.
  • وحكايتهم من القرن السابع الميلادي وحتى القرن العشرين مأساة.
  • ثم إن التعقيدات التي صنعوها وصنعتهم – مشكلة ومأساة- تركت آثارها عليهم وعلى التاريخ الإسلامي، وعلى السياسة العربية المعاصرة من وقتها وإلى اليوم – وكانت النتائج- ولازالت- مُرْهِقة!

 


[1] مقطع فيديو للرفيق القائد الراحل جورج حبش حول الموقف من الأنظمة الرجعية، منتصف سبعينات القرن الماضي.

[2] يقول تشرشل في مذكراته، أن وايزمن (رئيس الوكالة اليهودية آنذاك) اعترض على قيام "إمارة شرق الأردن" فقال له تشرشل: عليك أن تفهم يامستر وايزمن أننا قررنا إقامة هذه الإمارة لكي تستوعب الفلسطينيين الذين سيخرجوا من فلسطين بعد إقامة دولتكم، وعلى الفور قدم وايزمن اعتذاره وشكره إلى تشرشل وبريطانيا (د.ث)

[3] كان مُرتٌب الملك "عبدالله" ثلاثة آلاف جنية استرليني في الشهر (36 ألف في السنة) – وكان المَلِك يشعر أن المبلغ لا يكفيه، وابتداء من الثلاثينات بدأ المَلِك يتلقى عائدا منتظما من جهات يهودية تولت أمر استغلال أملاك له في فلسطين (هيكل).