(القُرَّاء الأعزاء: تنشر بوابة الهدف الإخبارية وعلى حلقات متتابعة، تلخيص مكثف مفيد لكتاب: كلام في السياسة.. قضايا ورجال: وجهات نظر (من بدايات القرن الواحد والعشرين)، لمؤلفه الكاتب الكبير الراحل محمد حسنين هيكل، الصادر عن دار المصرية للنشر في طبعته الأولى، فبراير 2000، حيث قام مشكورًا الباحث والمفكر الفلسطيني غازي الصوراني بتلخيصه والتقديم له).
كلام في السياسة.. قضايا ورجال: وجهات نظر (من بدايات القرن الواحد والعشرين)
الحلقة الثانية
قصة ارتباط حسين ملك الأردن، والحسن ملك المغرب
بأجهزة المخابرات الأمريكية والصهيونية
(5)
إن الأمير "عبدالله" الذي أقام مضارب خيامه على جبل عمان، بدأ يبني بيتا هناك يتخذه مَقَرا يحكم منه إمارته الجديدة "شرق الأردن"، ثم راح يمد بَصَره إلى الضفة الأخرى للنهر حيث الأرض الخضراء والمراكز الحضرية للمجتمع الفلسطيني الذي هزته اليقظة العربية العامة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وإعلان الرئيس الامريكي "وودرو ويلسون" بحق شعوب المستعمرات في تقرير مصيرها، والآمال التي تعلقت بمؤتمر الصلح في "فرساي" حيث كان الرجاء أن يظهر نظام عالمي جديد!
وفي ذلك الوقت وفي تلك الأجواء، فإن الحلم الذي تَبَدَّى على الفور للأمير "عبدالله" والذي أقنعه بقبول إمارة "شرق الأردن" مقدمة لجائزة أكبر منها – كان حلم فلسطين، فلو استطاع أن يمد إمارته من "شرق الأردن" إلى غربه وأطل على البحر الأبيض إذن فإنه يصبح مِلَكاً لمملكة كبرى لا تقل اهمية عن مملكة العراق التي كانت من نصيب شقيقه الأصغر "فيصل" ثم لعله إذا أخذ فلسطين أحاط بعدها بسوريا، وإذن أصبح قريباً من الحلم الذي راود والده وأصحابه – بدولة عربية كبرى تملأ الهلال الخصيب من البحر الأبيض إلى الفرات!
ولم يكن الأمير "عبد الله" في حاجة إلى جهد كبير لكي يدرك أن العقبة الكبرى أمام مشروعه هي الوعد البريطاني بوطن لليهود في فلسطين، ولقد أدرك اهمية "وعد بلفور" – كما أدركه من قبله أخوه الملَكِ "فيصل" حين رَتَّب له "لورانس" أن يلتقي قرب "العقبة" بالدكتور "حاييم وايزمان" رئيس الوكالة اليهودية الشهير (وأول رئيس لدولة إسرائيل فيما بعد)، وفي ذلك اللقاء وكما تبين من نصوص مَحَاضِرَه – فإن "فيصل" تَبَيَّن أن قبوله بحق اليهود في فلسطين هو جواز مروره إلى أي مملكة في المشرق- وقد قَبِل.
ولما كان الامير "عبدالله" أكثر طموحاً من شقيقه، فإنه لم يكن فقط على استعداد لأن يَتَبيَّن ويقبل، ولكنه كان على استعداد لأن يساعد ويُسّهِّل، وهكذا فإنه عرض على الوكالة اليهودية وطنا قومياً في إطار حكم ذاتي (فيدرالي) داخل حدود مملكته.
وبذلك العرض فإن الأمير "عبدالله" أثبت أنه تعامل مع اليهود دون أن يعرف شيئاً عن حجم مشروعهم، وقد تصور أنه يستطيع ان يستعمل طموحهم لتحقيق حلمه، وكانوا أقدر منه على استعمال حلمه لتحقيق طموحهم.
وعندما أصدرت الأمم المتحدة قرارها بتقسيم فلسطين سنة 1947، فقد كان المَلِك "عبد الله" لا يزال أسير أوهامه، يتعامل مع الوكالة اليهودية، ويقابل جميع أقطابها – مدنيين وعسكريين (وايزمان – جولدا مائير- إلياهو ساسون- وحتى موشي ديان) لكنه ظن وحتى آخر لحظة أنه يستطيع إغراءهم بفيدرالية داخل مملكته "حقنا للدم وابتغاء وجه السلم"!
إن الوكالة اليهودية سارت في مخططها الذي اعدت نفسها وسلاحها ونفوذها له منذ صدر وعد "بلفور" وأعلنت قيام إسرائيل، وتلاءم أمير "شرق الأردن" بسرعة مع المخطط الجديد، ولم يكن لديه غير ذلك لأن جيشه كان يحمل رايته دون أن يلتزم بأمره.
ومن قبل أن يدوي صوت الرصاص في حرب فلسطين بعد إعلان قيام إسرائيل، فإن المَلِك "عبدالله" رَتَّب نفسه على أن يكون الجزء المخصص للعرب بقرار التقسيم امتدادا لمملكته، لكن إسرائيل لم تترك له الفرصة، وإنما زحفت مندفعة إلى بعيد وراء خطوط التقسيم.
وكان أن تواضع مطلب "عبدالله" إلى القبول بأخذ ما تبقى من فلسطين بعد عاصفة النار الإسرائيلية، وفي سبيل تحقيق ذلك، فإن المَلِك "عبدالله" راح يعمل – وبكل الوسائل- على خروج جميع العرب الآخرين من فلسطين بحيث لا يظل على أرضها من العرب غيره، وقد وصل في ذلك إلى حد التلاقي الكامل في النوايا- وترتيبا على ذلك في الخطط – مع إسرائيل، وكانت وطأة هذا التلاقي شديدة على الجيش المصري في الجنوب كما تؤكد الوثائق.
وعندما سكتت المدافع، فإن حرب 1948 انتهت، وقد استولت إسرائيل بالغزو المسلح على 72% من الأراضي غرب الأردن (مرة ونصف بالزيادة عن قرار التقسيم).
وكان أن قنع المَلِك "عبدالله" بان يأخذ ما تبقى غرب الأردن من أشلاء فلسطين (الضفة الغربية) ويضمه إلى إمارته يحَوِّلها إلى مملكة تعقد له البيعة عليها.
لكن المَلِك "عبدالله" في هذا كله كان يحتاج إلى غطاء شرعي، وكان الغطاء الشرعي جاهزاً، ومن وقتها زاد التركيز على عنصر المسئولية التاريخية الخاصة والدور السياسي الخاص الموكول إلى "الهاشميين" استناداً لهذه المسئولية.
وكانت تلك دعوة راجعة عكس حركة الزمن، وربما أن بعض آثار الماضي البعيد جرى استخراجها من حفائر طبقات غائرة في تربة التجربة العربية والإسلامية، وأعيد بعثها لكي تخدم مطالب مُسَتَجدَّة وطارئة، ومع أن تلك كانت عِلَّة ملائمة أخذ بها الإنجليز في ظروف الحرب العالمية الأولى، فإن الاستمرار فيها وتحويلها إلى سياسة – شملت صياغة اسم البلد ذاته (المملكة الأردنية الهاشمية) – أصبح مخاطرة لا لزوم لها، لأنها تضفي على بعض التصرفات الصحية أو الخاطئة مسحة من العصمة تصد عنها حق الدرس والمناقشة والتقييم بدِقَة وموضوعية وبدون تَحَرُّج من رموز يُعاد بعثها بعد زمانها!
لكن بعض أمراء الأسرة الحاكمة في عَمَّان بالذات، بالغوا في تقديم الأسطورة الهاشمية، وجعلوا منها حقيقة سياسية ليس يحق إنكارها، ووصل بعضهم في المبالغة إلى بعيد!
ولما كان هدف هذا الحديث كله هو الفهم قبل الحكم – فلابد من الاعتراف بأن الهاشميين في بعض الظروف كانوا ضحايا تجربة صنعوها وصنعتهم – لكنه من سوء الحظ أن الأمة دفعت ضرائب هذه الظروف، وكذلك دفع "الهاشميون".
وربما كان المَلِك "حسين بن طلال" نفسه أكثر دافع لضرائب المشكلة والمأساة، وقد بدأ "حسين" يدفع وهو صبي في الثانية عشرة من عمره تصادف وقوفه بجوار جده المَلِك "عبد الله" على أبواب المسجد الأقصى بعد انتهاء صلاة الجمعة في احد أيام شهر يوليو 1951، وكان الذي أطلق عليه الرصاص فلسطينيا – ضمن مليون فلسطيني أضيفوا إلى رعاياه حين أضاف إلى مُلكِه ما تبقى من فلسطين – ولم يكن هذا الفلسطيني الذي أطلق الرصاص مقتنعا بالغطاء الهاشمي عصمة كافية لتصرفات "المَلِك "عبدالله" في فلسطين.
وكان الرصاص المدوي والدم المسفوح على عتبات المسجد الأقصى بداية وَشْم التاريخ بالحريق على لحم صبي هاشمي بدأ يواجه قَدَرَه ويستعد لدوره – مَلِكاً على الأردن لمدة ست وأربعين سنة!
(6)
"الجغرافيا ظل الله على الأرض"، و"التاريخ ظل الإنسان على الطبيعة" – وبين الاثنين يدير كل إنسان تجربته –أو يحاول- في مناخ عصر بذاته، وهنا يحين موضع الحديث عن دور العصر وحكمه في صنع شخصية المَلِك.
إن طفولة المَلِك "حسين" لم تكن سعيدة، لكن التعاسة في حياة أسرة ولي العهد (الأمير طلال) أن علاقته بوالده المَلِك "عبدالله" كانت سيئة لخلافات شملت كل شيء تقريباً: من المشاكل المادية، إلى صحبة الناس، إلى آراء بدت للمَلِك العجوز طائشة، إلى سلوك كان غالبا موضع انتقاده.
وفي ذات الوقت فإن علاقة ولي العهد (الأمير طلال) بزوجته الأميرة "زين" لم تكن على ما يرام لأن زوجها هجرها إلى فتاة إيطالية اسمها "فلافيا" كان أبوها طبيباً جاء من بلاده إلى عَمَّان يفتح مستشفى صغيرا وجد دَخْلَه أفضل بكثير مما كان يستطيع الحصول عليه لو بقي في بلاده.
وكان الصبي الهاشمي الذي أصبح مَلِكّا على الأردن بعد مشاهد درامية متلاحقة بينها شقاء والدته، ومصرع جده، والحجر بالجنون على أبيه طلال –يرى هذا كله من حوله ويختزن في نفسه ويجتر، وتتراءى له مشاهد من الماضي البعيد ومن الماضي القريب، وتزيد عليه ضغوط المشكلة والمأساة في تاريخ الهاشميين.
ثم إن المَلِك الصبي كان يتأمل أوضاع بلده ويشعر حتى دون أن يُدرِك – ان الدواعي التي تشعره بعقدة الاضطهاد ليست تاريخية، وإنما هي سياسية أيضاً، فمملكته محشورة بين من هم أقوى منها، ونصف شعبه وهو من فلسطين ناقم على أسرته إلى درجة القتل، وموارد بلده منحة من القوى الكبرى التي رسمت حدوده وأقامت عرشه وانفردت بالنفوذ في عاصمته، ومن حوله مجموعة دول عربية كلها تسئ الظن في أسرته لسبب أو آخر (السعوديون بعداء قديم مع الهاشميين، وسوريا باعتقاد ان الأردن جزء سُلِخ من جنوبها، و مصر من تجربة حرب فلسطين).
ثم إن كونه وافدا إلى العرش الأردني شابا جديداً لم يكن كافيا ليُغفَر له إلا إذا تحرك على هوى الآخرين بسرعة يعرف هو قبل غيره أنه ليس قادراً عليها بطبيعة الظروف، خصوصاً وقد كان الجميع (كل العرب) أمام قوة إقليمية (إسرائيل) لديها مطامع تتخطى ما حصلت عليه من أرض، وقد هضمت ما ابتلعت ، وهي الآن شهية مفتوحة لالتهام الضفة الغربية من مملكته، وإذا استطاعت فإنها جاهزة أن تمد يدها إلى الشرق وفي خططها أن تقترب أكثر من منابع النفط في العراق والخليج وأن تدخل بالقوة والقسر- طرفا رئيسياً في موارد المنطقة الاقتصادية والاستراتيجية.
وكان على المَلِك "حسين" – وتلك نصائح جده- أن يوفر لنفسه من الحذر ما يجعله ولو بالغريزة- قبل الحكمة- يرسم لنفسه سياسات تضمن كل متطلبات السلامة والنجاة- وكذلك تحددت خطوط سياسته:
- عليه أن يتمسك بعلاقته بالقوة العظمى المهيمنة على بلاده وفي المنطقة.
- ومع أنه عرف أن جَدَّه حين قُتِل كان يتفاوض على صلح منفرد مع إسرائيل، فإن الظروف تفرض عليه أن يتمهل ولا يتوقف تماماً مع إسرائيل، وأن ينتظر الظروف وفي نفس الوقت لا يتخطى الحدود ولا حتى بالهمس أو باللمس!
- وعليه أن يجد لنفسه قدر الإمكان أصدقاء من العرب – لأن لديه بالفعل بينهم من الأعداء كفاية.
* * * *
وبعد سنة على العرش – 1952- كان المَلِك – فيما بدا أمامه – يواجه ما لا طاقة له به:
أولاً: حدث تغيير كبير في موازين القوة في الشرق الأوسط، وأخذت الإمبراطورية البريطانية تتراجع وتترك موقع السيطرة في المنطقة للإمبراطورية الامريكية الصاعدة إلى قيادة الغرب بسرعة الصاروخ.
ثانياً: ثم إن هذه القوة الإمبراطورية الأمريكية تريد قيادة العالم وليس قيادة الغرب وحده، ولهذا فقد دخلت إلى صراع عنيف عقائدي وسياسي وعسكري (إلى حد ما) مع القوة الأخرى التي خرجت منتصرة معها في الحرب العالمية الثانية وهي الاتحاد السوفيتي.
ثالثاً: وفي إطار الصراع بين الكبار (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي) فإن الولايات المتحدة تطرح على المنطقة حلفاً عسكرياً تحت قيادتها- وبالفعل فقد تَحَمَّس له الفرع الهاشمي في بغداد، وعليه هو الآن في عَمَّان أن يختار، وفي الواقع فلم يكن حق الاختيار الحر مطروحاً عليه، وإنما كان مطلوباً منه أن يسارع ويلتحق.
رابعاً: لكن هناك تيارات في المنطقة تقاوم المخطط الأمريكي الجديد وتخشي منه أكثر من الاستعمار البريطاني العجوز، وكان بين هذه التيارات حزب البعث العربي الاشتراكي، ثم وبطبيعة الأحوال كل الأحزاب الشيوعية التي نشطت تحت الأرض- وفوقها بقدر ما سمحت لها الظروف- في عواصم العالم العربي بدون استثناء تقريباً.
خامساً: وبالتحديد والتخصيص فقد كانت مصر في عهد المَلِك فاروق ووقت وزارة الوفد الأخيرة (1950 – 1951) تعارض هذه المخططات، وكانت المملكة العربية السعودية إلى جانب مصر، وكانت الأسباب عديدة اختلط فيها الوطني بالعائلي والشعبي بالقبلي، إلى آخره.
سادساً: وكانت إسرائيل مع فكرة هذا الحلف العسكري طالما أنه سوف يُدخِلُها بطبيعة الحال – في شراكة مع العالم العربي تفرض بالضرورة قبول أوطانه بالصلح معها على أساس الأمر الواقع- فإذا تحقق ذلك، فإن إسرائيل تثق سلفا في قدرتها أن تكون القوة الإقليمية الأولى في المنطقة بنفوذها في العالم، وبطش سلاحها، وكفاءتها في استيعاب التقدم بما فيه ثورة العلوم التي تراكمت خلال تجربة الحرب العالمية الثانية ثم انطلقت بعد انتهاء الحرب تغزو كل نواحي الحياة المدنية في عالم جديد.
سابعاً: وفجأة وفي هذا المناخ الذي تتزاحم فيه الأفكار والتيارات والسياسات والجيوش – فجأة صباح 23 يوليو 1952 في مصر قامت ثورة 23 يوليو- ثم ظهر "جمال عبد الناصر".
حَكَمَت الجغرافيا – وحَكَم التاريخ – وحَكَمَ العصر، ثم جاء الدور على التجربة الإنسانية المَلِك "حسين" لتكون الوجه الرابع للحقيقة في شأنه وفي شخصيته.
(7)
وجد المَلِك "حسين" نفسه يقترب من مجموعة من ضباط جيشه بطرد "جلوب باشا"، ومع أن تلك كانت خطوة بالغة الخطورة فإن المَلِك قام بتامين ظهره عن طريق إخطار الكولونيل "جيمس سويني" الملحق "العسكري الأمريكي في سفارة الولايات المتحدة في عَمَّان.
ولعل "سويني" لم يحاول إثناء "المَلِك عن عزمه لأن تلك كانت لحظة انتقال الإرث الامبراطوري في المنطقة، ثم إن كثيرين تَصَوَّروا أن فرصة تغيير الحرس الإمبراطوري البريطاني القديم بحرس امريكي جديد كفيلة بأن تفتح الباب لألف فرصة وفرصة.
السفارة الأمريكية في عَمَّان – بما فيها ممثل وكالة المخابرات المركزية الامريكية – تَحَمَّست لطرد "جلوب" لأن ذلك سوف يرفع شعبية المَلِك ويجعله قادراً على دخول حلف بغداد.
ويقول المَلِك أن تيار الحوادث في المنطقة ابتداء من طرد "جلوب" (باشا) من الأردن في مارس 1956 وحتى تأميم قناة السويس في يوليو 1956 تحَوَّل إلى شلال متدفق يهدد بان يجرف أمامه كل شيء بما في ذلك كيان الأردن.
ومع بداية سنة 1957 جاء مفترق طرق بالغ الأهمية في تجربة المَلِك "حسين"، وفي التجربة السياسية العربية المعاصرة كلها.
انتهت حرب السويس في ديسمبر 1956 باضطرار بريطانيا وفرنسا إلى الانسحاب من بورسعيد، وكان ذلك الانسحاب هو الإعلان الرسمي بنهاية الإمبراطوريات القديمة (بريطانيا وفرنسا).
ثم انتقل المطلب الإمبراطوري في المنطقة إلى الولايات المتحدة التي طرحت في بداية سنة 1957 وفي مطلع مدة الرئاسة الثانية للجنرال "دوايت أيزنهاور" – مشروعا لحماية المنطقة أطلق عليه فعلا اسم "مبدأ أيزنهاور".
وكان "مبدأ أيزنهاور" في تقدير السياسة المصرية ذلك الوقت مجرد تعبئة أمريكية جديدة مزوقة لنفس مطلب السيطرة الذي اهترأ وعاؤه البريطاني القديم.
لقد استطاع أن يقاوم دخول حلف بغداد، لكنه هذه المرة يواجه ما هو أصعب، فالولايات المتحدة التي تقدمت لتمسك بمقادير الشرق الأوسط- ليست الإمبراطورية البريطانية التي غرقت في مياه قناة السويس – وإنما هي قوة أخرى تملك وسائل السيطرة العالمية.
وكان في بنود هذا المشروع كثير عن مساعدات مالية للأردن هو في حاجة إليها ولا يستطيع ببساطة أن يرفض عرضاً امريكياً سخياً بها، وقد وصل المَلِك في النهاية إلى أن مصلحة "العائلة الأردنية" تقتضيه أن يقف ضد الرأي العام في البلد، ثم هاله أن أصداء ما يجرى في الشارع الأردني وصلت إلى الجيش، وكان عليه أن يتصرف بأقصى الحزم وأقسى الإجراءات.
وكانت الدعاية المصرية ضد مشروع "أيزنهاور" زيتا صَبَّتْه إذاعة "صوت العرب" على نار مشتعلة في عَمَّان.
وفي المحصلة النهائية فإن المَلِك "حسين" قاد انقلابا ضد قوى شعبية كثيرة في بلده، وقوى وطنية معروفة في جيشه.
والمشكلة أن الانقلاب لم يكن عملية محض أردنية، وإنما كانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية طرفا فاعلا فيه بالتمويل والتخطيط والتنفيذ وبطريقة كادت تكون علنية، جرت بحضور وتخطيط "كيرميت روزفلت" مسئول المخابرات المركزية الأمريكية الشهير في الشرق الأوسط ، ثم إن عشرات ملايين الدولارات صُرِفَت في عَمَّان لتدبير الأمور! والظاهر أنه في تلك الظروف، مشي المَلِك "حسين" مع مفترق الطرق إلى الحواف الاكثر وعورة.
إن المَلِك "حسين" ظهر بعد ذلك، خلال أزمات مهمة مما عرفته المنطقة وعاشته، وبين هذه الأزمات بالتحديد أربع:
- الأزمة الأولى: هي ازمة الانقلاب على الوحدة بين مصر وسوريا، ففي يوم وقوع ذلك الانقلاب (28 سبتمبر 1961) وُصِلَتْ إذاعة الأردن نفسها بإذاعة الانفصاليين من دمشق، وذهب المَلِك بملابسه العسكرية ومسدسه في حزامه إلى رئاسة أركان حرب الجيش الأردني مستعدا للطوارئ، وكان الحديث في رئاسة الأركان الأردنية أن "سَيِّدنا (أي الملك حسين) هو مُدَبٍّر ذلك الانقلاب لطرد مصر من سوريا عقابا لها على تأييدها لانقلاب العراق (14 يوليو 1958) – الذي قُتِل فيه كل أفراد الفرع العراقي من الأسرة الهاشمية، ولما كان المَلِك "حسين" قد اعتبر الثأر لأبناء عمومته واجبا يلقيه "التاريخ الهاشمي" عليه، فقد كان مطالبا أن يتصرف" .
والواقع إن المَلِك لم يتصرف وحده، وإنما كانت معه (كما تَظهِر الوثائق) وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (كيرميت روزفلت – شخصيا- مرة أخرى) ، وكان المُمَوِّل الرئيسي لمؤامرة الانقلاب على الوحدة، هو المَلِك "سعود" (الذي قال لي بنفسه أثناء لقاء بيننا بعد لجوئه إلى مصر في ديسمبر 1966 أنه دفع حوالي خمسة عشر مليون دولار ضمن تكاليف هذا الانقلاب.
- وكانت الأزمة الثانية التي ظهر فيها المَلِك، هي أزمة حرب اليمن التي قامت ضد أسرة "حميد الدين" (يوم 26 سبتمبر 1962) – وكانت قوات الملكيين في اليمن قد خيمت على الحدود مع السعودية وراحت تضغط عسكريا على الثورة الوليدة في صنعاء، وتدخلت مصر لحماية الثورة، وسارع المَلِك "حسين" إلى إرسال طيرانه من عَمَّان يحمل أسلحة وذخائر إلى بقايا النظام القديم في اليمن.
وكانت المفاجأة القاسية التي تلقاها المَلِك وأصدقاء له أن قائد الطيران الأردني (العقيد سهل حمزة) قاد سربا أردنيا إلى القاهرة بحمولات طائراته من السلاح والذخيرة مرسلة إلى الملكيين في اليمن! وأعلن تأييده لعبد الناصر والثورة اليمنية.
وحين أدرك أصحاب هذه الخطط الملكية أن استخدام قوات مسلحة عربية ضد التيار الكاسح للحركة القومية – مخاطرة غير مأمونة، فإن الجميع لجأوا إلى الاستعانة بقوى خارجية، ثم إن عملية واسعة لاستئجار مرتزقة اجانب نشطت في باريس ولندن، وكانت النتيجة أن مسرح القتال في اليمن شهد دخولا واسع النطاق لجيش (بضعة آلاف) من المرتزقة الأوروبيين من الإنجليز إلى الفرنسيين إلى الألمان، وحتى من إيطاليا وأسبانيا والبرتغال!
والملفت أن ترتيب هذه العملية آل إلى مجموعة من النواب البريطانيين كان على رأسهم "جوليان إيمرى" رئيس مجموعة المحافظين المعارضة للانسحاب البريطاني من السويس ومن العالم العربي بأسره، وكان "جوليان إيمري" شخصا يستحق التوقف – أو التوقيف- لفحص هويته:
هو – أولا- ابن اللورد "ليو إيمري" الذي كان سكرتيرا عاماً لمجلس الوزراء البريطاني أثناء الحرب العالمية الأولى وهو الذي كتب بخط يده مسودة "وعد بلفور" تعهداً بريطانياً بوطن قومي لليهود في فلسطين، وتكشف أن "ليو إيمري" يهودي هاجرت أسرته من أوروبا الشرقية في أواخر القرن التاسع عشر – إلى الغرب.
وكان "جوليان إيمري" – ثانياً- مرتبطا بمصاهرة رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت "هارولد ماكميلان" وبالتالي فإن "إيمري" الابن أيضا أصبح شديد القرب من مركز صنع القرار البريطاني فيما بعد العهد الإمبراطوري.
وثالثا- فإن "جوليان إيمري" كان هو الذي تولى في شهر مارس سنة 1965 ترتيب اجتماعات بين شخصيات عربية وشخصيات يهودية، وكان ضمن الاجتماعات لقاء بين المَلِك "حسين" وبين الجنرال "موشي ديان" وقد تم هذا اللقاء في بيت "جوليان إيمري" نفسه في "إيتون سكوير" –لندن-.
وقد روى لي "إيمري" "أن المَلِك حسين قدم نفسه متحدثاً باسم آخرين معه في المنطقة يشاركونه أهدافه لكنهم لا يملكون جرأته"، وقال لي "إيمري": "إن هدف الاجتماع كان تنسيق جهود أعداء عبد الناصر العرب مع إسرائيل"، وقال مُعَقِّباً: "إن أطرافا كثيرين في العالم العربي كانوا على استعداد للتعامل مع الشيطان ضد ناصر".
وأخيراً- ولم يكن آخرا- تجئ الازمة الثالثة التي ظهرت فيها ظل المَلِك "حسين" وصورته، وهي الدور الذي قام به في سنة 1967:
- أنه عندما بدأت أزمة الحشود الإسرائيلية ضد سوريا تتفاعل مع موجبات تأهب مصري لنجدتها، وصلت المشاعر في العالم العربي إلى درجة غير مسبوقة من التعبئة، ثم ولت التعبئة إلى الذروة الخطرة عندما أغلقت مصر خليج "العقبة" أمام الملاحة الإسرائيلية، وكان ذلك نذيرا بان الحرب مسألة أيام – وفجأة يوم الثلاثاء 30 مايو وصل المَلِك "حسين" إلى القاهرة يطلب اجتماعا مع جمال عبد الناصر" قائلاً: "إن الشعب الأردني لن يسمح له بان يظل بعيدا عن المعركة رغم أي خلافات سبقت، ثم إنه هو نفسه – مع شعب الأردن- لا يستطيع أن يقف متفرجاً في معركة عربية مقدسة!
ومع أن التغيير المفاجئ في موقف المَلِك "حسين" أثار تساؤلا – فقد نسبه الجميع إلى إحساس المَلِك بضغط الرأي العام في بلده إلى جانب تَوَصُّله أكيدا إلى أن العرش الأردني نفسه سوف يكون في مهب الريح إذا قامت الحرب وبقي الجيش الأردني بعيداً.
- وكان داعي التساؤل مرة ثانية – أن المَلِك طلب تعيين قائد مصري للقوات الأردنية في المعركة القادمة، بل واختار بنفسه واحدا من ألمع الضباط المصريين وهو الفريق "عبد المنعم رياض" .
ثم أصر المَلِك "حسين" على أن يأخذ "عبد المنعم رياض" معه في الطائرة ليتولى قيادة الجيش الأردني من أول لحظة، وكان السفر إلى عَمَّان مساء 31 مايو 1967.
- إن المَلِك "حسين" أثناء اجتماعاته في القاهرة مع "جمال عبد الناصر" تَطَوَّع بالسماح للجيش العراقي بدخول الأردن للمشاركة في المعركة، والجميع يعرف أن دخول قوات عراقية إلى الأردن واحد من النذر التي تعتبرها إسرائيل مبررا لشن الحرب، وبدا ذلك مستدعيا لتساؤل ثالث – لكن أحدا لم يدقق.
ثم إن المَلِك "حسين" اجتمع أيضاً في القاهرة – وفي حضور "جمال عبد الناصر"- بالسيد "أحمد الشقيري" رئيس منظمة التحرير الفلسطينية وأخذه – مع الفريق "عبد المنعم رياض" – في طائرته إلى عَمَّان. وكان ظهور رئيس منظمة التحرير الفلسطينية في عَمَّان بدوره نذيراً آخر مما تعتبره إسرائيل مبررا لشن الحرب – والمَلِك "حسين" أول من يعرف ذلك. ومع أن تصرفه في هذا الامر أثار هو الآخر تساؤلاً رابعاً.. وخامساً وسادساً، إلى آخره – فإن أحدا- رغم تكرار التساؤلات- لم يتوقف ليدقق لأن الكل كان مشغولا بالاحتمالات القادمة.
- وذهب الفريق "عبد المنعم رياض" إلى عَمَّان، وعاد منها بعد انتهاء القتال وهو يحمل هواجس وهموما ضاغطة على أعصابه.
فهو من البداية – رغم لقاءات متكررة بالمَلِك "حسين" وعدد من قيادات الجيش الأردني جرت في إطار القيادة المشتركة – لم يكن مستريحاً لفكرة أن يجد نفسه على رأس قوات لم يعرفها ولم تعرفه – وأن يكون ذلك في ظروف حرب.
ولقد راوده على نحو ما إحساس بأن صلته بالقوات في الميدان ليست سالكة، ولقد أحس أن بعض ما يُعرض عليه من المواقف التي تتطلب قراره، يحمل دواعي الشك في دقته، وطبقا لتعبيره فقد أحس أنها كانت "Hollow" (مُجّوفَّة – فارغة من الداخل) – ثم تَحَوَّلَت هواجسه وهمومه إلى شكوك مُعَذِّبة حين عرف من مصادر خاصة – وقبل أن يغادر عّمَّان عائدا إلى القاهرة – أن خسائر الجيش الأردني في الدفاع عن الضفة الغربية بما فيها القدس لم تزد على 16 شهيداً- وبدا ذلك له مذهلا على ضوء ما كان يتلقاه من التقارير عن سير العمليات بواسطة ضباط الاتصال الذين ألحقوا بقيادته.
وفيما بعد ظهرت وثائق تتماشى في أقل تقدير مع هواجس وهموم "عبد المنعم رياض" وقد أتيح لـ"عبد المنعم رياض" أن يرى واحدة منها، لكنه استُشهد قبل أن يرى بقيتها أو يعرف شيئاً عنها.
وكانت الوثيقة الواحدة التي عَرَف بها تقريراً من المخابرات العسكرية الامريكية حصل عليه مندوب مخابرات مصري في نيويورك، وكان حصوله عليه في ظروف لا تحتمل الشك في صحة ما حصل عليه، وكان نصها: "علمت أن مقابلة جرت بين رئيس الأركان الأردني الجنرال "خماش" وبين السفير الأمريكي في الأردن يوم الخميس أول يونيو 1967، وفي هذه المقابلة طلب رئيس الأركان الأردني من السفير الأمريكي سرعة نقل الطائرات المقاتلة "ف 104" من الأردن وعددها 25 طائرة – وذلك بصفة مؤقتة حتى تنتهي الأزمة بين الدول العربية وإسرائيل.
وكان "عبد المنعم رياض" يستطيع أن يفهم معنى هذه البرقية أكثر من غيره، فقد تذكر وكتب في تقريره عن مهمته في الأردن "أن الطائرات من طراز "ف 104" لم يظهر لها أثر رغم تكرار سؤاله عنها".
وكذلك عرف القائد المصري المنتدب لقيادة القوات الأردنية على الجبهة أن الطيران الذي كان مفروضاً أن يخدم خطته خرج من الأردن قبل الساعة التي تسلم فيها مسئوليته!
ولم يتح لـ"عبد المنعم رياض" أن يعيش ويطلع على وثائق أخرى إضافية لديها ما تقوله وبينه:
- أن المَلِك "حسين" قابل ضباطا إسرائيليين على مستوى عال في الأردن يوم 26 مايو 1967 وأنهم أبلغوه بشكل ما هو قادم دون تفاصيل، وتركوا له مسئولية اختيار موقفه مع تحذيرات له بألا يتدخل فيها.
- وفي ذلك الاجتماع مع قادة إسرائيليين فإن المَلِك "حسين" أبدى أنه لا يستطيع في حالة نشوب عمليات أن يقف موقف المتفرج لأن ضغط الشعب الأردني عليه يمكن أن يطيح بالنظام، وأنه من الضروري لسلامته أن يُسمَح له بهامش مناورة يُمَكِّنه من مقاومة الضغوط.
وكان الرئيس الأمريكي "ليندون جونسون" (وهو المهندس الأكبر لعملية 1967) على استعداد لتقدير موقف المَلِك، لكن الحكومة الإسرائيلية أبلغته (الرئيس جونسون) أنها تستطيع أن تتفهم وإنما إلى حد.
- إن إسرائيل في الصباح الباكر من يوم 5 يونيو بعثت برسالة من رئيس الوزراء "ليفي أشكول" حملها كبير مراقبي الهدنة الجنرال "أد بول" طلبت فيها إلى المَلِك "حسين" أن يبقى بعيداً، وإذا أراد تغطية موقفه فلابد ان يفعل ذلك بحذر.
وبالفعل فقد سُمِح للجيش الأردني بحرية إطلاق نيران محدودة وبدون رد عليها. وفي الساعة الحادية عشرة والنصف صباح يوم 5 يونيو، وبعد أن تأكد أن الضربة الجوية ضد مصر نجحت، طلب الجنرال "أوزي ناركيس" القائد الإسرائيلي لقوات الجبهة الشرقية إذناً ببدء هجوم على الأردن، وقد رُفِض طلبه مرة ثانية، ثم رُفِض طلبه مرة ثالثة في الساعة الثانية عشر والنصف. وبعد ساعتين تماما أي في الساعة الثانية والنصف بعد الظهر تلقى الجنرال "ناركيس" أمراً بالهجوم الشامل لاحتلال الضفة الغربية بما فيها القدس (كان إغراء حلم أرض إسرائيل أكبر من أن يقاوم، وإذا أراد الملك أن يناور مرة فإن إسرائيل لها نفس الحق في مناورة العمر).
- أخيراً -أخيرا- جاءت الأزمة الرابعة التي ظهر فيها ظل المَلِك وصورته، وقد أعلنتها هيئة الإذاعة البريطانية في برنامج قدمته أواخر سنة 1998 في مناسبة مرور خمسين سنة من حياة الشرق الأوسط شهدت ظهور قوة إسرائيل – وكان مؤدي ما أعلنته الإذاعة البريطانية مؤكدا وموثقاً أن المَلِك "حسين" ذهب – يوم 25 سبتمبر 1973- إلى مقابلة سرية مع رئيسة وزراء إسرائيل (قبل أيام من 6 أكتوبر 1973) وحذر "جولدا مائير" من أن مصر وسوريا تدبران لشن معركة مفاجئة ضد القوات الإسرائيلية في سيناء والجولان، وأن "جولدا مائير" لم تأخذ هذا التحذير جَدَّاً.
والمزعج أن هذه الواقعة لم تكن شراً، فقد نشرها الجنرال "إيلي زائيرا" رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية في مذكراته عن حرب سنة 1973 وقد ظهرت في كتاب باللغة العبرية وحدها، وجاءت الواقعة الخاصة بالمَلِك "حسين" مع كل تفصيلات اللقاء في صفحة 95 من المذكرات.
(ثم ألحق بها ما أذيع نفس الفترة – عن تعيين "أبراهام هالفي" رئيساً للموساد، وقيل – رسمياً- أن مبررات تفضيله على غيره أنه كان لثلاثين سنة صلة وصل خاصة مع المَلِك "حسين"، وأن لقاءات بينهما كانت منتظمة كل أسبوع للتنسيق السياسي والأمني!).
كانت تلك كلها ظلالا وصُوراً – ثم طرأ جديد!

