Menu

كلام في السياسة.. قضايا ورجال: وجهات نظر (من بدايات القرن الواحد والعشرين) الحلقة الثالثة

غازي الصوراني

كلام في السياسة.. قضايا ورجال.jpg

خاص بوابة الهدف

(القُرَّاء الأعزاء: تنشر بوابة الهدف الإخبارية وعلى حلقات متتابعة، تلخيص مكثف مفيد لكتاب: كلام في السياسة.. قضايا ورجال: وجهات نظر (من بدايات القرن الواحد والعشرين)، لمؤلفه الكاتب الكبير الراحل محمد حسنين هيكل، الصادر عن دار المصرية للنشر في طبعته الأولى، فبراير 2000، حيث قام مشكورًا الباحث والمفكر الفلسطيني غازي الصوراني بتلخيصه والتقديم له). 

كلام في السياسة.. قضايا ورجال: وجهات نظر (من بدايات القرن الواحد والعشرين)

الحلقة الثالثة

قصة ارتباط حسين ملك الأردن، والحسن ملك المغرب

بأجهزة المخابرات الأمريكية والصهيونية

(8)

كان الجديد الذي طرأ وحَوَّل الظلال والصور إلى جسد وحياة هو أن "بن برادلي" رئيس تحرير جريدة "الواشنطن بوست" نشر مذكراته تحت عنوان "حياة جيدة" (A Good Life).

و"بن برادلي" ليس صحفيا عاديا في الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما واحد من أكبر نجوم المهنة في الخمسين سنة الأخيرة، فقد كان هو على صفحات "الواشنطن بوست" قائد الحملة على الرئيس "ريتشارد نيكسون" في فضيحة "ووترجيت"، وكانت هذه الحملة هي التي اضطرت أقوى رجل في العالم وفي التاريخ إلى ترك منصبه في البيت الأبيض والهرب إلى ظلال النسيان.

وقال "بن برادلي" في كتابه (ونَشرَ في تدعيم كلامه ما هو أكثر من مجرد رواية) – وابتداءً من صفحة 424 ما يلي بالحرف:

"ذات صباح في نوفمبر 1976 جاءني "بوب وودوارد" (أحد أشهر الصحفيين في الواشنطن بوست وقتها) وقال لى إنه "عرف من مصادره أن أحد رؤساء الدول في الشرق الأوسط موجود باسمه على قائمة المرتبات في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية"، وقلت له "أن هذه قصة إخبارية مهمة، لكن عليه أن يتقصاها أكثر".

ويمضي "برادلي" في روايته فيقول: "إنه سأل وودوارد عن رئيس الدولة المعنى لأنه لن يستغرب إذا كان هناك أكثر من رئيس دولة واحد في الشرق الأوسط موجود على قائمة مدفوعات وكالة المخابرات المركزية"!

ويستطرد "برادلي":

"بعد يومين جاءني بوب يقول لي: "إنه تأكد أن المَلِك حسين مَلِك الأردن هو رئيس الدولة المعنى وأنه يتقاضى مكافأة سنوية (شخصية لا علاقة لها بالمعونات الرسمية للأردن) مقدارها مليون دولار، وهي مرصودة لمصاريف المَلِك الخاصة، وقد بدأ دفعها له من سنة 1957 ولا تزال مستمرة حتى الآن".

ويقول "برادلي":

"إنني طلبت من بوب أن يؤكد معلوماته بمصدر ثان لأننا لا نستطيع في الواشنطن بوست أن نعتمد على مصدر واحد في قصة بهذه الدرجة من الحساسية، وبالفعل فإن بوب اتصل بـ"جودى باول" المستشار الصحفي للرئيس الأمريكي الجديد (في ذلك الوقت) وهو "جيمي كارتر" وروى له ما وصل إلى علمه، وطلب تأكيدا أو نفياً".

وفي اليوم التالي – الصباح الباكر- اتصل "بوب وودوارد" برئيس تحريره "بن برادلي" ليقول له طبقا لرواية هذا الأخير (صفحة 425 من مذكراته): "إن زبجنيوبرجينسكي مستشار الأمن القومي للرئيس الجديد اتصل به ودعاه هو ورئيس تحريره إلى لقاء مع الرئيس في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض" – وذهب الاثنان بالفعل إلى لقاء مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.

ويقول "بن برادلي" بالحرف:

"إن الرئيس قال لنا بداية إن الخبر صحيح!، ثم أبدى لنا دهشته من أن وزير الخارجية السابق (هنري كيسنجر) حين جاء إليه يضعه في صورة الحوادث والرجال في الشرق الأوسط مع بداية رئاسته لم يذكر له شيئاً عن هذه الحكاية – ولا ذكرها له "جورج بوش" (رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في ذلك الوقت) عندما التقاه أيضا لنفس الغرض (كلاهما تعامل بها كأمر عادي روتيني)!

ثم استطرد الرئيس "كارتر" فقال: "إنه يريد ان يقول لنا شيئين: الأول أن نشر الواقعة يضر الامن القومي للولايات المتحدة – والثاني أنه أصدر امرا بإيقاف دفع المبلغ للمَلِك حسين". (وظنه أن المَلِك لم يعد يحتاجه لأنه الآن واحد من أكبر أغنياء المنطقة).

ويقول "بن برادلي" إن الرئيس قال له في نهاية المقابلة: "إنه لا يستطيع أن يتدخل في الطريقة التي يدير بها (بن برادلي) صحيفته – لكنه وضع الحقائق أمامه ويترك له التقدير النهائي، فهذه مصالح بلدك كما هي مصالح بلدي".

ويقول "بن برادلي" (صفحة 426) "إنه بعد اجتماع للتشاور مع هيئة تحرير الواشنطن بوست قرروا أن مهمتهم هي نشر الحقيقة، وبالفعل نشروها".

ثم يقول "بن برادلي" أخيراً: "في اليوم الذي نشرنا فيه القصة تلقيت خطابا على ورق البيت الأبيض وبتوقيع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية نصه كما يلي بالحرف:

إلى "بن برادلي"

أعتقد أن نشركم لقصة المخابرات المركزية الأمريكية بينما وزير الخارجية (سيروس فانس) يقوم بمهمة في الشرق الأوسط الآن – وهذه المهمة على وشك أن تحمله إلى الأردن – هو عمل غير مسئول. إنني أكتب إليك هذه الرسالة كتعليق من قارئ وليس من رئيس الولايات المتحدة.

جيمي كارتر

* * * *

 

وهكذا فإن أمامنا الآن – صريحا وموقفا- ما يؤكد أنه على طول الفترة من سنة 1957 إلى سنة 1977 كان اسم المَلِك "حسين" على قائمة المرتبات السرية في وكالة المخابرات المركزية الامريكية.

وكانت تلك هي السنوات التي شهدت انقلاب الأردن سنة 1957 – وانفصال الوحدة المصرية السورية سنة 1961- والحرب في اليمن سنة 1962- والنكسة سنة 1967- ثم حرب أكتوبر 1973.

والرجل الذي يقدم شهادته هنا هو رئيس الولايات المتحدة نفسه ذلك الوقت وهو "جيمي كارتر"، ومن المفارقات أنه كان واحدا من موكب الرؤساء السابقين الذين صاحبوا الرئيس "بيل كلينتون" في الوقوف أمام جثمان المَلِك "حسين"!

 

* * * *

إن الرؤساء الأمريكيين الأربعة (رئيس حالي هو كلينتون، وثلاثة سابقون هم "بوش" و"كارتر" و"فورد" كانوا بين جميع الأدوار في النص الجنائزي – الأقرب إلى وضوح المشاعر أمام جثمان المَلِك "حسين" لأنهم كانوا الأقرب إلى جوهر الحقيقة الوافية الشافية من أي شك!

بعدهم في قائمة وضوح المشاعر كان قادة إسرائيل الذين لم يتخلف منهم واحد عن الوقوف بالصلاة أمام الجثمان، وقد مشوا جميعاً صفا متصلا رغم أنهم على الضفة الأخرى من النهر منهمكون في معارك تقارب الحرب الأهلية.

فماذا كان هدف الوقوف بالخشوع من جانب الرؤساء الأمريكيين – الأربعة- والقادة الإسرائيليين – بالعشرات- أمام جثمان مَلِك عربي له بالتأكيد مزايا – لكنه الآن بين يدي ربه وحيث لا تستطيع مزاياه أن تساعد أصدقاءه في هذه الدنيا؟

  • ولا يصلح للإجابة عن هذا السؤال أن يقال إن الخاشعين أمام الجثمان كانوا خائفين على أمن الأردن وبقائه بعد رحيل المَلِك – ذلك ان الكل يعرف أن الأردن ليس مُعَرَّضا لخطر لأن معادلة أمنه مضمونة إقليميا ودوليا، لأسباب تتخطى حدود الأردن، وتصل إلى إستراتيجية الحفاظ على توازن ما بين البحر الأبيض إلى الخليج وما بين البحر الأحمر إلى البحر الأسود.
  • وكذلك لا يصلح للإجابة أن يقال إن أصدقاء الأردن هرعوا إلى عاصمته ليتلقوا درساً في شرعية انتقال السلطة من جيل إلى جيل، سلميا وديمقراطيا، لأن هؤلاء جميعاً كان لهم قول في انتقال السلطة!

وإذن ما هي الإجابة الصحيحة على هذا السؤال الدقيق إذا كان ما سبق ليس صالحا؟ لقد أشرت في بداية هذا الحديث إلى نصوص سبقت ذلك النص الجنائزي الأخير في تشييع المَلِك "حسين".

وأضيف – وهذا الحديث يوشك على بلوغ نهايته- أن هناك فيما يبدو مطالب أخرى- غير ما ورد ذكره من قبل- وكلها مطالب تبحث عن فرصة وراء جلال الموت ووراء زحام الجنازات، وبينها على الأرجح:

  1. أن الولايات المتحدة وإسرائيل – وربما غيرهما – بكل هذا الذي حدث في جنازة المَلِك "حسين" قصدوا أن يقولوا لكل من يعنيه الأمر في المنطقة أن في يدهم وحدهم – وبوسائلهم وليس وسائل غيرهم – الحق والقدرة على تدشين الأبطال وترسيم القِدٍّيسين في منطقة الشرق الأوسط، وتلك قضية لابد أن تُؤخَذ باهتمام وأن تُدرَس بجد لان المعنى الكامن فيها – سلطان!
  2. إن جميع الأطراف عليهم أن يفهموا – عن طريق الحدس إذا لم يقدروا عن طريق العِلْم- أن الأردن طرف في ترتيب إقليمي يضم أربع دول هي الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا والأردن، وهذا الترتيب هو المدير المقيم للأمن في المنطقة، وكل من عداهم مساعد أو مشارك وفق مواقع الأزمات! ولذلك فإن دور المَلِك "حسين" في هذا الترتيب كان اهم الأدوار العربية.

 (يستحق التسجيل هنا أن "إيتان هابر" مدير مكتب رئيس وزراء إسرائيل الأسبق "إسحاق رابين" سئل في برنامج تلفزيوني إخباري (عنوانه "بوليتيكا") أذيع غداة تشييع جنازة الملك "حسين"، عن "السبب الذي جعل كل قيادات إسرائيل تسعى على هذا النحو إلى المشاركة في جنازة الملك حسين؟".

كان السائل هو زعيم حزب "موليدت" وكان رد مدير مكتب "رابين" على الهواء هو قوله بالحرف: "لو عرفت ما فعله المَلِك من أجل أمن إسرائيل لما سعيت وراء جنازته فقط وإنما هرولت"!).

  1.  إن هناك دورا في المنطقة لخليفة يتبع خطى المَلِك – وليس بالضرورة أن يكون ولي عهده – فالمَلِك الجديد في الأردن شباب، ومازال أمامه الكثير يتعلمه رغم كل ما تعلم من والده (ومن سوء الحظ أن "جولدي دور" سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة وقف أمام عدسات الـ C.N.N يوم جنازة المَلِك "حسين" ليقول: "إن أول درس عَلَّمه المَلِك لأولاده هو أهمية العلاقة الحميمة مع إسرائيل".
  2.  وحتى إذا استطاع أحد أن يملأ الفراغ الذي تركه المَلِك حسين"، فقد كان للأردن – كما هو الآن ودون حاجة إلى تجربة- دور يمكنه القيام به إذا وجد العهد الجديد فيه جرأة الخيال وجسارة القبول بالمخاطرة. وهذه محطة على مسار هذا الحديث تستحق التوقف عندها!:

محطة تستحق الوقوف عندها لأن بعض الطريق وراءها – إذا صدقت معلومات أولية مازلت تحتاج إلى تأكيد – سوف يصل بآثاره في مستقبل المنطقة إلى بعيد على خرائط الجغرافيا وخرائط التاريخ وخرائط السياسة فيها – ليرسم عليها ألواناً وخطوطاً وعلامات مستجدة.

وطبقا لمعلومات أولية فإن هناك "سيناريو" تجري كتابته الآن لمستقبل الشرق الأوسط في مطالع القرن الواحد والعشرين، وهذا "السيناريو" نوقش (مرة أخرى) في واشنطن ولندن في الأسابيع الأخيرة من حياة المَلِك "حسين"، وبالتحديد في الفترة التي خرج فيها المَلِك من مستشفى "مايو كلينيك" في شهر ديسمبر 1998 وقضى اكثر من أسبوعين بين واشنطن ولندن – والكل-  بما فيهم هو نفسه- عارف أنه المشهد الأخير قبل نزول الستار!

إن السيناريو –كما أسلفت- جرت مناقشته- لكن غير الواضح هو ما إذا كان اعْتُمِد أو تأجل اعتماده بعد المناقشة – ذلك أن المَلِك رغم حماسته كانت لديه تحفظات على بنيان "السيناريو" وعلى سياقه.

كان "السيناريو" الذي نوقش –ولا يزال- في واشنطن ولندن على النحو التالي:

  1. إن الأردن – في الغالب- قد لا يكون له دور إضافي فيما يسمى بعملية سلام الشرق الأوسط، وذلك سوف يخلق فيه ومن حوله فراغات يمكن أن تكون لها مخاطر.
  2. إن بؤرة التوتر في الشرق الأوسط التي انتقلت سابقاً من شواطئ البحر الأبيض والبحر الأحمر إلى الخليج – تنتقل الآن من الخليج إلى ما فوقه، أي إلى حدود الاتحاد السوفيتي السابق، وبحيث تشمل منطقة التوتر الكبير القادم مستقبل العراق (وإيران؟) – ومناطق الأكراد (وتركيا؟) – وأفغانستان (وممتدة منها إلى كازاخستان وعبر القوقاز وحتى إلى كوسوفو على أطراف البلقان).
  3. إن الاستعداد للتفاعلات المحتملة والمتفجرة لبؤرة التوتر الجديدة يقتضي الخلاص من النظام الحالي في العراق (صدام حسين)، وهذا النظام حتى هذه اللحظة لا يريد أن يذهب – ومع أنه منهك بالحصار الاقتصادي الخانق وبالعمليات العسكرية من "عاصفة الصحراء" إلى "ثعلب الصحراء"، ثم بالغارات الجوية المستمرة إلى الآن – فإن هدف إسقاطه لم يتحقق بعد.

والحل الذي يراه معظم الخبراء أنه لابد من وجود قوة عسكرية قريبة على الأرض قادرة على التدخل بشكل ما في لحظة تتهيأ فيها الأجواء بحدث داخلي يتصادف وقوعه أو يمكن ترتيبه!

  1.  وليس هناك من لديه في المنطقة مثل هذه القوة العسكرية القادرة على التدخل للحسم في العراق إلا الأردن، ذلك أن دول الخليج المعنية قبل غيرها بالتغيير في بغداد لا تملك قوة تقدر على العمل في ميدان قتال حقيقي.

وكان هذا الخيار معروضا على المَلِك "حسين" وكان فيه ما يلبي أحلاما قديمة لديه (سواء من طموحه الشخصي أو من اعتقاد أنه الوريث الشرعي للهاشميين في بغداد)، لكن المَلِك وإن تحمس أحيانا تردد في اللحظات الحرجة شكاً في أوضاع الإقليم المحيط به وقلقا من نوايا بعض الحكام القريبين من حدوده.

  1.  وكان بين بنود "السيناريو" المقترح تَصَوُّر يرى بإضفاء الشرعية والطمأنينة على أي دور أردني في هذا السيناريو عن طريق دعوة الأردن للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي – خصوصا وقد تَكفَّلت الأقدار بشكوك لدى "بعض الشيوخ" في موقف المَلِك "حسين" أثناء غزو الكويت – والأمل أن يقوم خلفٌ له في عهد جديد بما هو مطلوب ضمن شرعية خليجية توفر له في نفس الوقت مطالبه المادية والسياسية والمعنوية (بما في ذلك مخزون معدات عسكرية مكدَّسة تبحث عمن يستعملها) – إن المَلِك "حسين" لم يكن قادرا على التأقلم مع مثل هذا التصور، وكان بين تحفظاته أنه يريد أن يعرف بالتحديد ما يحق للأردن أن يتوقعه في ختام هذا "السيناريو" (وإذا كان يستطيع ضمان عرش العراق لواحد من أبنائه) – علماً بأن إسرائيل كانت على استعداد لإعطاء ضوء أخضر لهذه الفكرة (باحتمال أنها تستطيع تهجير مئات ألوف من الفلسطينيين إلى شمال العراق).

إن الذين فكروا وناقشوا في واشنطن ولندن كانوا يعرفون طبيعة المَلِك "حسين"، وقد خبروا ما اعتبروه ترددا وبالذات في موضوع السلام مع إسرائيل، فقد تصوروه مقبلا على صلح منفرد معها – بحقائق الأشياء- بعد سنة 1967، وبعد سنة 1973، وبعد "كامب ديفيد" لكن المَلِك لم يرض بمجاراة تصوراتهم رغم علاقته الوثيقة دون اتفاقات صلح مع إسرائيل- لأنه لم يكن يريد أن يكون السابق علانية، ولا الثاني – كان يريد لمقتضيات سلامته أن يكون الثالث أو حتى الرابع إذا استطاع.

لكن البعض في واشنطن ولندن يرون الآن ظروفا متغيرة، وإمكانيات متاحة، وأهدافا جاء وقت تحقيقها خصوصا أن مطلب الصلح بين العرب وإسرائيل يمكن اعتباره الآن عصفوراً في اليد وليس بين العصافير على الشجرة!

هكذا فإن دور الرؤساء الامريكيين الأربعة في النص الجنائزي لتشييع المَلِك "حسين" لم تكن له علاقة بالماضي أو التاريخ، ومع أن هذا النص الجديد تشابه مع نَصَّين سابقين فإنه في هذه المرة الثالثة تخطى وتجاوز رغم كل ما قالت به الصور.

وكان يقال في وقت من الأوقات أن الصور لا تكذب، ولكن الأزمنة الجديدة أثبتت أن الصور (خصوصا في الشرق الأوسط!) يمكن أن تكون أكبر محترف للكذب في التاريخ، ويكفي أن يتذكر أحد صورة الملك "حسين" في ذهابه إلى الأردن – حيا آخر مرة- وهو يطل على مستقبليه من مقعد قائد الطائرة وكأنه كان يقودها عبر الاجواء من لندن إلى عمَّان، بينما هو يعرف أن أيامه معدودة وأنه وداعه الأخير لعاصمة مُلكِه!

وربما أن خداع الصور تفوق على نفسه عندما تجري المقارنة بين صور تفصل بينها ساعات قليلة، صور للمَلِك يُصَلي على أرض مطار عمان شكرا على أن الله شفاه – ثم صور تالية لها تظهر فيها رسالة المَلِك إلى شقيقه الأمير "حسن"، فإذا الصور لرجل مختلف لم يَعُد ليقيم صَلاته على أرض وطنه، وإنما عاد –وربما كانت لديه أعذاره فهو الأدرى- ليُصفى حساباته مع شقيق له – بألفاظ مثل الهمز واللمز، واغتياب الزوجات والأبناء، والغدر بالأحباب والأصدقاء، والحنث بالوعود والعهود، واللعب غير المسئول بالأمن والسلاح. وكانت الساعات بين أداء الصلوات شكرا وتصفية الحسابات مع الشقيق علناً مأساة إغريقية تؤكد لمن يهمه الدرس أن الحضارة والتكنولوجيا لم تتركا في العالم الثالث إلا خدوشا على السطح، وأما تحت السطح فمعظمه لا يزال حيث كان قبل قرون من الزمان في مشاهد القتل والاقتتال والنحو والانتحار في ملاحم الإلياذة وفواجعها الدامية!

 

(9)

عندما كتبت عن "شخصية الملك حسين" فقد حاولت تطبيق هذا المنهج الذي أعتقد فيه عندما يفكر بشر في بشر، وحين يقوم إنسان بالنظر إلى إنسان.

وأحسب أنني أعطيت للملك "حسين" ما له حين توقفت طويلا امام أحكام الجغرافيا والتاريخ وقد أحاطت به إلى درجة الحصار.

وتوقفت طويلا أمام غير ذلك من اعتبارات حكمت خياراته، ومنها طبائع الهاشميين الجدد في القرن العشرين وصداقاتهم، ومنها أن المملكة الأردنية الهاشمية تقع على تماسٍ مباشرٍ مع خط الانفلاق البركاني الحرج أمام إسرائيل، وذلك موقع وموضع له محاذيره وله مخاطره.

وفي نفس الوقت فقد ذكرت ما على المَلِك "حسين" وتوقفت امام مشاهد ذهب فيها سواء بتصوراته أو بطموحاته إلى أبعد مما فرضته عليه الظروف، فقد ألقى عليها كل حساباته امام الناس وأمام نفسه تفسيراً وتبريراً، ومضى في ذلك متجاوزاً خطوطاً حمراء كانت شبه مقدسة.

ومن المفارقات أنه بعد نشر مقالي عن "شخصية الملك الحسين" ظهرت شهادات أصلية محققة وموثقة آثر البعض إغفالها والسكوت عنها، وكان الصمت هنا نوعاً من الاستهانة أو الإهانة للعقل وللوعي!

وهنا أشير إلى شهادتين كلتاهما محققة وموثقة، وكل شهادة منهما فيها أكثر مما قلت.. وأخطر!

الشهادة الأولى من "بوب وودوارد" نفسه، وقد نشرها في أحدث كتبه –بعد شهور من وفاة المَلِك "حسين" – وعنوانه "الظِل" Shadow، الذي صدر في مايو سنة 1999 -.

وعلى صفحات كتاب "الظِل" ومن الصفحة 44 وحتى الصفحة 52 عرض "بوب وودوارد" تفاصيل واقعة علاقة المَلِك "حسين" بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية- كما يلي:

"في شهر فبراير سنة 1977 وبعد أسابيع قليلة من أداء "جيمي كارتر" لليمين الدستورية – رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية – علمت من مصدر واسع الاطلاع في وكالة المخابرات المركزية أن هناك دفعات مالية كبيرة- مليون دولار سنوياً- تُدفَع للمَلِك حسين من وكالة المخابرات إلى جانب تكاليف أخرى".

(تتصل بحياة المَلِك الشخصية، ولم أجد داعياً ولا نفعاً في ترجمة فقراتها لأن التفاصيل السياسية وحدها شاغلى هنا).

ويستطرد "وودوارد":

"كانت القصة الصحفية فيما رأيته كبيرة، فهذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها الإدارة الجديدة (إدارة جيمي كارتر) فضيحة سياسية مبكرة تعترض تعهداتها الباكرة والمتكررة عن إدارة منفتحة وبغير أكاذيب (وبالذات بعد التجربة المرة لفضيحة ووترجيت).

واتصلت بالبيت الأبيض، ولدهشتي الكبيرة فإن الرئيس كارتر وافق على أن يقابل بن برادلي رئيس تحرير الواشنطن بوست وأنا بوفقته يوم الأربعاء 16 فبراير (1977) في مكتبه بالبيت الأبيض.

وعند باب المكتب وَجَدْنا الرئيس "كارتر" واقفاً في انتاظرنا مُرتَدياً حُلَة رمادية مخططة بخطوط بيضاء عريضة، وكان يبتسم، وبدا سعيداً بهذا اليوم الثامن والعشرين من رئاسته.

وشرح له بن برادلي رغبتنا في نشر القصة الخاصة بالمَلِك حسين، واستمع إلينا كارتر بصبر وبرقة، كما لو أنه في مواجهة ناخبين يهمه الحصول على أصواتهم.

واستأنف كارتر حديثه بصوت رين واضح العبارة، فقال: "إن هذا الأمر كان يحدث طوال العشرين سنة الماضية، أقصد مدفوعات وكالة المخابرات المركزية للمَلِك حسين، وأريد أن أقول لكم أن مثل هذه الأشياء تتعارض مع سياساتي، ولكني لا أستطيع أن ألغى ما حدث في الماضي حتى ولو كانت غير مسئول عنه".

ويستطرد "بوب وودوارد" في روايته فيقول إنه: "عندما سمع ذلك من رئيس الولايات المتحدة قال لنفسه إن رئيس الولايات المتحدة ينفض يده من المَلِك حسين".

وكان كارتر ما زال يتحدث موجهاً كلامه إلى رئيس تحرير الواشنطن بوست وإلى: "لكنى أريدكم أن تعرفوا أن هناك عنصراً هاماً في هذا الموضوع لابد من أخذه في الاعتبار، فالمَلِك حسين حاكم عربي معتدل، وهو المفتاح لتسوية سلمية في الشرق الأوسط، وأنا أحتاج إلى حسين، لأن أول أهداف سياساتي الخارجية هو سلام في الشرق الأوسط.

إن هذه العملية (المدفوعات السنوية للمَلِك حسين من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية) بدأت سنة 1957 وكانت أكبر من ذلك بكثير في ذلك الوقت، والحقيقة أن الوكالة دفعت للمَلِك أيضاً مبالغ إضافية خصوصاً لحراسته وحراسة أسرته لأن وكالة المخابرات المركزية لم تكن تريد أن تكون مسئولة مباشرة عن سلامة الجميع، فقد يقتضي الأمر إطلاق النار على فلسطيني يحاول إصابة أو خطف أحد أفراد الأسرة، ونحن لا نريد أن يكون احد من رجالنا مسئولاً عن مثل ذلك إذا وقع".

ثم مضى الرئيس بعد ذلك فقال لنا: "على أن ما يهمكم أن تعرفوه هو أنني فور تأكدي من الواقعة عندما عَرَفْتُ بسؤالكم عنها أصدرت الأمر بوقف الدفع فوراً، وذلك ما أريد أن أعيد تأكيده مرة أخرى".

وتوجه بن برادلي بسؤال إلى الرئيس صاغه بطريقة مهذبة، قائلاً: ولكن يا سيدي الرئيس ألا يمكن اعتبار هذه المدفوعات رشوة"؟ ورَدَّ كارتر: لا أستطيع أن أناقض ذلك". ثم أضاف: "لكني أريدكم أن تعرفوا أن وزير الخارجية سايروس فانس سوف يصل إلى عمان في ظرف يومين للعمل على دفع مسيرة السلام في الشرق الأوسط، وإذا قامت الواشنطن بوست بنشر هذه القصة فإن أصداءها سوف تغطى على كل شيء قبل لقاء فانس من المَلِك حسين، وأنا لا أريد ذلك".

ويستطرد بوب وودورارد فيقول: "إنني سألت الرئيس عما إذا كان سعيداً بما رآه من تصرفات وكالة المخابرات المركزية"؟ - ورَدَّ الرئيس بقوله: "إنني أوقفت تصرفات أخرى مماثلة". وحين سألناه عنها رفض أن يجيب، ولكنه عاد يؤكد لنا "أنه يحاول بناء علاقات مباشرة مع عدد من زعماء الشرق الأوسط، ومع أنه لم يقابل المَلِك حسين بعد فإن نشر أسرار علاقات المَلِك بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية في الشهر الأول من رئاسته الجديدة (رئاسة كارتر) – سوف يكون عملاً مؤذياً وسوف يقُنع رؤساء دول آخرين بعدم الثقة في الولايات المتحدة، لان بعضهم سوف يظن أننا قصدنا تسريب هذه الأخبار عنهم لسبب أو لآخر، ونحن نريد منهم أن يثقوا فينا لأن سنة 1977 لابد أن تشهد تقدماً نحو السلام وإلا فإن الأمور سوف تزداد تعقيداً".

ويستطرد بوب وودوارد:

"وفي نفس اليوم بعد الظهر طلب مني بن برادلي أن أتصل بجودى باول المستشار الصحفي للرئيس وأن أخطره بأن الواشنطن بوست قررت أن تنشر، وأنه طبقاً لتعهده للرئيس يخطره الآن – قبلها بـ24 ساعة، وفعلت، وكان واضحاً أن المستشار الصحفي للرئيس متضايق من الرسالة التي نقلتها إليه وتمتم قائلاً: "أنها سوف تكون مفاجأة غير سارة لسايروس فانس "المسكين" عندما يخطو من الطائرة إلى أرض المطار في عمان".

ثم مضى بأول في حديثه معي وكأنه يحاول أن يشدنى إلى وجهة نظر: "إنكم سوف تسببون بهذا الشكل حرجاً شخصياً للرئيس، فبعض مستشاريه اعتبروا مقابلته لكم من الأصل والأساس خطأ وقع فيه، وبين هؤلاء زيجنيوبرجنسكي مستشاره للأمن القومي، وقد قال برجنسكي للرئيس "أن نشر القصة على هذا النحو سوف يكون إشارة تحذير إلى كل المصادر التي تدفع لها وكالة المخابرات المركزية الامريكية بأن ترتيباتهم السرية مع الوكالة ليست آمنة".

"وصباح يوم الجمعة 18 فبراير 1977 نشرت الواشنطن بوست القصة تحت عنوان بعرض الصفحة الأولى كلها، وتصادف ذلك بالفعل – دون قصد منا – مع نفس الوقت الذي حطت فيه طائرة وزير الخارجية سايروس فانس بادئاً رحلته لدفع مسيرة السلام.

ويوم 25 فبراير 1977 نقلت وكالة الأسوشياتد برس من مكتبها في الكونجرس أن الرئيس كارتر روى أمام اللجنة الرئيسية لمجلس الشيوخ تفاصيل ما دار بينه وبين بن برادلي وأنا.

ورأت اللجنة تسجيل إجابته في مذكرة خاصة نُقِل فيها عن الرئيس قوله "إن الملك حسين كان أهم مصدر للمعلومات لنا في الشرق الأوسط".

ويجئ الدور الآن على الشهادة الثانية التي آثر الكل إغفالها بالسكوت استهانة أو إهانة للعقل، وتَرِدُ هذه الشهادة في الكتاب الذي تعرض بطريقة مؤثقة للتاريخ السري للموساد بعنوان "جواسيس جدعون"، وقد صدر هو الآخر بعد وفاة المَلِك "حسين" بعدة أسابيع.

ذلك أنه على صفحتي 58 و 59 من هذا الكتاب أوْرَدَ مُؤَلٍّفُه "جوردون توماس" وهو من أبرز الخبراء في تاريخ الاجهزة السرية في الغرب – حصراً بالمنجزات الهامة التي حققها جهاز الموساد على عهد مديره الأشهر "إيسر هاريل"، وقد وردت على النحول التالي:

  1. إدخال سياسة الاغتيال المنظم لأعداء إسرائيل.
  2. إنشاء علاقات –حتى بالاختراق- مع جهاز المخابرات السوفيتي الـ K G B.
  3. إعطاء أولوية أولى لتنظيم الهجرة السرية ليهود أوروبا الشرقية إلى إسرائيل (قبل أن يسمح بها رسمياً ثم تتحول إلى نزوح جماعي عقب انهيار الاتحاد السوفيتي).
  4. إتقان فنون استعمال المرأة والجنس والابتزاز في خدمة أعمال المخابرات.
  5. (وهنا ما يتصل بالمَلِك "حسين") تنظيم اختراق القصر الملكي في عمان والدوائر المحيطة به، لكن هذه المحاولة توقفت فيما بعد عندما أصبح الحاكم الهاشمي مسئولاً رئيسياً لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية في المنطقة.