Menu

كلام في السياسة.. قضايا ورجال: وجهات نظر (من بدايات القرن الواحد والعشرين) الحلقة الرابعة

غازي الصوراني

كلام في السياسة.. قضايا ورجال

خاص بوابة الهدف

(القُرَّاء الأعزاء: تنشر بوابة الهدف الإخبارية وعلى حلقات متتابعة، تلخيص مكثف مفيد لكتاب: كلام في السياسة.. قضايا ورجال: وجهات نظر (من بدايات القرن الواحد والعشرين)، لمؤلفه الكاتب الكبير الراحل محمد حسنين هيكل، الصادر عن دار المصرية للنشر في طبعته الأولى، فبراير 2000، حيث قام مشكورًا الباحث والمفكر الفلسطيني غازي الصوراني بتلخيصه والتقديم له). 

 

قصة ارتباط حسين ملك الأردن، والحسن ملك المغرب

بأجهزة المخابرات الأمريكية والصهيونية

 

 

مفكرات في ملفات ملكية

المعلوم والمكتوم في دور الملك الحسن وسياساته

 

(1)

لقد كانت المفكرة الأولى في هذه "الملفات الملكية" – ملحقاً أضيف إلى حديث سبق عن "شخصية المَلِك حسين"، والآن فإن المفكرة الثانية في هذه "الملفات الملكية" – مدخل يمهد لحديث جديد عن "شخصية المَلِك الحسن"، وربما أن هذا التمهيد مطلوب لأن المفكرة الثانية من هذه الملفات الملكية" – كانت مساجلة علنية منشورة جرت بين المَلِك "الحسن" وبيني، وقد ظهرت على صفحات جريدة الأهرام في العدد الصادر صباح 25 فبراير 1993، وكان المَلِك "الحسن" وقتها في كامل صحته وأوج سلطته جالساً عل عرش المغرب ومشاركاً رئيسياً وبدور قيادي في توجيه مصائر أزمة الشرق الأوسط.

وكانت المناسبة التي استوجبت المساجلة – علنية وصريحة- بين المَلِك "الحسن" وبينى أن المَلِك قدر في بداية سنة 1993 أن ينشر مذكراته، وبالفعل ظهرت المذكرات باللغة الفرنسية تحت عنوان "La memoire d'un Roi" وترجمتها "ذاكرة مَلِك"، وكان هذا بالضبط هو العنوان الذي صدرت به – فعلا- طبعة عربية من هذه المذكرات نشرتها صحف كثيرة في العالم العربي فصولا مستفيضة.

وكان الداعي إلى المساجلة – بعد مناسبتها- أن المَلِك "الحسن" روى في مذكراته واقعة عنى، ووجدت ضروريا أن أرد عليها بـ"ذاكرة صحفي" في مواجهة "ذاكرة مَلِك".

وكان نص ما ورد في "ذاكرة صحفي" – وهذه هي المفكرة رقم 2 من هذه "الملفات الملكية" – كما يلي:

إن المَلِك الحسن يروي عنى (هيكل) في كتابه – صفحة 93 و 94- عدة أمور:

  1. أنني ساندت انقلاباً ضده قام به قائد جيشه الجنرال محمد أو فقير، وقد كاد المَلِك يفقد حياته – فضلاً عن عرشه- في هذا الانقلاب، لولا معجزة من السماء.
  2. أن مساندتي لهذا الانقلاب جاءت عن طريق علمي المسبق بتدبيره وتعاطفي مع القائمين به.
  3. أن الدليل على ذلك كان طريقة تغطية "الأهرام" الصحفية لهذا الانقلاب، فقد كانت تغطية "الأهرام" – وكنت أتشرف برئاسة تحريره أيامها- تغطية عارف من قبل ببواطن الأمور وليست مجرد تغطية صحفية عادية.

في يناير سنة 1975 – كما ألمحت من قبل- كنت في زيارة للمغرب وعلى موعد مع المَلِك الحسن الثاني، ووصلت إلى مطار الرباط قادماً من باريس.

وصباح اليوم التالي أُخطِرت أنني ضيف عشاء على مائدة المَلِك، وفي المساء كنت على باب قصره في فارس، وبعد دقائق كنت في حضرته.

كان معي الأستاذ جميل مطر، وكان بكفاءته ودقته يكتب محضراً لوقائع اللقاء بينما الحديث جارٍ والحوار متصل.

إن الحديث تداعى بعد ذلك إلى أحوال العالم العربي الراهنة، والأوضاع السائدة فيه، والاحتمالات والنتائج، وكان المَلِك مطلعاً في حديثه وعارفاً.

وبعد ساعة وعشر دقائق بالضبط جاء من يدعونا إلى العشاء، فقام المَلِك وقمنا معه عبر أبهاء طويلة وقف على جانب منها رجال يهللون تحية له صائحين: "عز لمولانا السلطان".

وكان حديث العشاء على أطراف الفن والادب والتاريخ، وقد سرت إلينا من بعيد أصداء موشحات أندلسية، امتزجت مع عبق العطور الملكية فملأت قاعة العشاء بجو مثير للخيار، وكأن ليالي المجد في قرطبة عادت حية نابضة نشوى بالترف والجمال.

بعد العشاء غسلنا أيدينا بماء الورد يصبه خدم المَلِك من أباريق ذهبية، وعدنا لاستئناف الحديث، لكننا لم نرجع إلى القاعة التي بدأناه فيها، وإنما قادنا المَلِك على سلم رخامي بديع إلى بناء أضافه حديثاً إلى القصر العريق في فاس، وكانت قمته قاعة واسعة تعلوها قبة مرتفعة من الرخام أيضاً تتدلى منها أضخم ما رأيت في حياتي من الثريات المصنوعة من أنقى أنواع البللور، وكان طراز القاعة بالطبع أندلسياً، وتتصل فيه النقوش البديعة مع خطوط الذهب، شِعْراً ونّثراً ما بين القبة والجدران.

وأبديت ملاحظة على حجم الثريا إلى درجة التخوف من احتمال سقوط سقف القبة لثقلها، وقال المَلِك: إنها بالفعل أكبر "نجفة" من نوعها في العالم حسب علمه، وأنها صنعت في ألمانيا خصيصاً لهذه القاعة" التي يحب الجلوس فيها لأحاديث ما بعد العشاء، وأقداح الشاي المغربي الأخضر ذهبية مطعمة تدور معطرة على سُمَّار الليل.

واستأنفنا الحديث من حيث تركناه، وراح المَلِك يتحدث عن تجربته في المُلْك، وكان بين ما قاله أنه تلقى أول درس عملي في المُلْك في أول يوم من ولايته، وكان ذلك أثناء جنازة والده المَلِك محمد الخامس.

وفجأة سكت المَلِك "أريد أن اكون صريحاً معك.. فلنوقف هذا الحديث الآن لسؤال يدور في خاطري من لحظة لقائنا.. ولقد كتمته مجاملة لك، ولكني أشعر أنني لن أكون أميناً معك إذا لم أصارحك بخواطري".

أريد أن أسالك: ماذا كنت تعرف عن محاولات الانقلاب التي دبرها أوفقير علي، سواء بمحاولة قتلي بواسطة مذبوح (الجنرال مذبوح مساعد أوفقير) في يوم عيد ميلادي في قصر الصخيرات (في يوليو 1971)، ثم بعد ذلك عندما حاول (بعمل مباشر قاده بنفسه سنة 1972) ضرب طائرتي بالنار وأنا عائد إلى الرباط من باريس"؟

وقلت ودهشتي تزداد: "جلالة المَلِك.. إن صيغة سؤالك بـ"ماذا كنت أعرف" تحمل إيحاء بأنه كان لي علم مسبق بهذه المحاولات ضدك..".

وقال المَلِك على الفور: "الحقيقة أن هذا هو قصدي بالضبط.. لا أقطع بأنك كنت تعرف. ولكني لدى ما يدعوني إلى الشك في أنك كنت تعرف".

وقلت للمَلِك: "إنني أستغرب أن أسمع منه أن مثل ذلك دار في خاطره من قريب أو من بعيد".

ورد قائلاً: "إذن كيف تفسر الطريقة التي صدر بها "الأهرام" صبيحة يوم الانقلاب؟

ورغم أن استغرابي بلغ مداه، فقد رحت أشرح للمَلِك في هدوء أساليب العمل الصحفي الحديث. حاولت أن أشرح كيف تتلقى الجريدة أخبارها، كيف تصل إليها التفاصيل بسرعة ثلاثة آلاف كلمة من جميع الوكالات في كل دقيقة، وكيف، وكيف.. إلى آخره.

وكان المَلِك يسمعني بصبر، وكان كل الجالسين معنا – أربعة شهود- يتابعون حوارنا مأخوذين لم يتدخل واحد فيه بكلمة، ولوهلة بدا لي أن المَلِك يفكر فيما قلته له – لكنه عاد بعد قليل يطرح سؤالاً أو تساؤلاً آخر:

"هل تعرف أن أحد المتآمرين مع أوفقير (في محاولته المباشرة الثانية بعد شهور من محاولة الجنرال مذبوح) اعترف بأن خذا الخائن (أوفقير) كان ينوي بعد نجاح انقلابه أن يبعث إليك بدعوة لكي تجئ وتكتب عن انقلابه، كما كتبت عن انقلاب معمر القذافي في ليبيا ؟.. إنك كنت أول واحد ذهب إلى ليبيا نفس ليلة انقلاب القذافي".

ولم أتمالك نفسي، فابتسمت وقلت للمَلِك:

"جلالة المَلِك.. إن نية أوفقير بدعوتي لم تصل إلى علمي.

وعلى فرض أنه نجح في انقلابه ضدكم ودعاني إلى المغرب، فقد كان لدى كل سبب يدعوني إلى عدم الاستجابة، وأهم الأسباب أنني اعرف الرجل وأعرف ماضيه، أما القذافي فقد استجبت لدعوته لأنه كان ظاهرة مفاجئة.. جديدة ومثيرة".

ثم أضفت: "الغريب أنك تعرف رأيي في أوفقير، فهو رأي لم أخفه أبداً، وقد كتبته مراراً وبإلحاح.

إننا جميعاً في مصر – وجمال عبد الناصر أولنا- كنا نعرف أن أوفقير هو رجل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في المغرب العربي كله.

كنا دائماً نشك في الرجل، وكنا دائماً نتهمه، وقد كنت أنت الذي اعتبرت أن بعض هجومنا العلني عليه هجوم مستتر عليك، وبصفه رجلك، فهل تتصور أنني أو أي واحد غيري كان يمكن له أن يظن أو يخطر بخياله أن أوفقير رجل مهيأ لأي عمل وطني أو قومي، وذلك على فرض أن انقلابه عليك يمكن أن يعتبر عملاً وطنياً أو قومياً؟

لا أستطيع أن أخفي عنك أنني أستغرب ما سمعته منك الآن"، ثم أسعفتني الذاكرة بواقعة قريبة، فقلت للمَلِك:

"إن أنور السادات الآن رئيس للجمهورية في مصر، فهل تعرف كيف جاء اختياره؟.. إن "أوفقير على نحو أو آخر له ضلع في هذا الاختيار".

وكان المَلِك يسمعني باهتمام، واستطردت:

"في ديسمبر 1969 كان جمال عبد الناصر يستعد للسفر إلى الرباط لحضور مؤتمر القمة العربي الذي دعوت جلالتك إليه، وجاءت معلومات بأن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تدبر مؤامرة لاغتياله في المغرب، وأن المكلف بها هو أوفقير وزير داخليتك والمسئول عن الأمن في مملكتك، ووقتها فكر جمال عبد الناصر طويلاً في توصيات من أجهزة أمنية مصرية دعته إلى التغيب عن مؤتمر القمة، لكنه صمم على الذهاب، ومن باب الاحتياط فقد راى تعيين نائب لرئيس الجمهورية (أنور السادات) فترة غيابه حتى لا يحدث فراغ على قمة السلطة في مصر إذا حدث له شيء في المغرب.

فهل الرجل الذي بلغ شكنا فيه هذه الدرجة – هو الرجل الذي أسانده في انقلاب يستولي به على السلطة في المغرب؟

ووجدتني أقول للمَلِك: "إنني أؤكد لك أنني لم أكن أعرف على الإطلاق، وأكثر من ذلك فقد كان أوفقير آخر رجل كنت أظنه ينقلب عليك، لقد كان أمامنا موضع ثقتك وسرك، وكان أقرب المقربين إليك، ولقد كانت صدمتنا بانقلابه مفاجأة لنا جميعاً لا تقل عن مفاجأتك أنت".

قال المَلِك: "إنني أصدقك .. وقد انتهى الموضوع فيما يتعلق بي".

واستأنفنا أحاديثنا من حيث توقفت، وفتحنا أشرعة الحوار للسهر يأخذنا إلى بحار واسعة حتى قرب الساعات الأولى من الصباح، وطالت سعادتي – في هذا الموضوع- ومرت السنوات طوالا حتى فاجأني كتاب "ذاكرة مَلِك".

في بداية الصفحة 94 من الكتاب، قال المَلِك بالحرف:

"لقد انساق المذبوح (أحد جنرالات أوفقير، وكان هو الذي قاد محاولة الانقلاب الدامية والفاشلة الأولى في الصخيرات سنة 1971) وراء المصريين، ومعلوم أن الجرائد المصرية تصل إلى المغرب بعد ست ساعات من طبعها، وفي يوم 10 يوليو وبعد سويعات على المحاولة الانقلابية كتبت صحيفة الأهرام القاهرية واسعة الانتشار على خمسة اعمدة وتحت عنوان بارز "مقتل الطاغية الحسن الثاني، انتهى الديكتاتور وانتصرت القوى الحية والوطنية بالجيش"، - وكان محمد حسنين هيكل من رجالات جمال عبد الناصر.

وقد التقيت فيما بعد بمحمد حسنين هيكل وتباحثنا طويلا في الموضوع، ولقد وعدته بألا أبوح أبداً بما دار بيننا"، وانتهيت من قراءة هذه العبارة وما تلاها، وأدركت متأخراً أن الشكوك ما زالت عالقة بـ"ذاكرة المَلِك".

ثم خطر ببالي أن أعود إلى مراجعة عدد الأهرام الصادر غداة الانقلاب، العدد الذي أثارت مواده شكوك المَلِك وهواجسه، وهو عدد 11 يوليو 1971، ولم تكن عناوينه على النحو الذي حفظته "ذاكرة مَلِك".

وفي الطبعة الثانية من نفس العدد تغيرت العناوين مع تغير مسار الحوادث – فأصبحت: "المَلِك ينجو من الهجوم".

ولقد ذهبت أبعد من ذلك خطوة في التثبت والمراجعة، ذلك أنني عدت إلى ما كتبته بنفسي في ذلك الوقت فضلاً عما نشره الأهرام من تغطية إخبارية، وإذا بي أتبين أنني أبديت رأيي بصراحة في أوفقير بعد محاولة الانقلاب الأولى، وكان بين النصوص التي وردت في مقالي – المقع التالي بالحرف: "إن الجنرال أوفقير كان دائماً تجسيداً حياً لأداة القمع والإرهاب.

وأذكر مناقشة دارت بيني وبينه أمام المَلِك وأمام شهود من بينهم السيد خالد الحسن أحد قادة فتح البارزين، وقد جرت أثناء مؤتمر القمة في الرباط سنة 1969.

لقد جاء الجنرال أوفقير يسلم على، وأحس بحيرتي وأنا أمد يدى إليه، فقد كان في ذهني ساعتها بن بركة (الزعيم المغربي الذي تولى الجنرال خطفه وقتله بشهادة الرئيس الفرنسي شارل ديجول).

وقال لي أوفقير: إنني أتحاشى الصحافة والصحفيين دائماً ولكني أتابع ما تكتب .. لماذا تهاجمني (يقصد اتهامي له بخطف بن بركة) وأنت لا تملك دليلاً؟

وقال له متأدباً لأن المَلِك كان يتابع باهتمام كما أن غيره كان قد لفت انتباههم منظري واقفاً مع أوفقير بينما صداقتي لبن بركة معروفة لديهم بتفاصيلها..

قلت لأوفقير: أنت رجل غامض على الأقل، والرجل الغامض متعب لخصومه ولأصدقائه على السواء.. خصومه لا يعرفون بالضبط .. ماذا؟ وأصدقاؤه لا يعرفون بالضبط.. كيف؟

وقال أوفقير: إنك تحيرني .. لم أفهم قصدك بماذا ولا بكيف؟

قلت: لأنك غامض فإن الخصوم لا يعرفون بالضبط ماذا فعلت؟ كما أن الأصدقاء لا يعرفون بالضبط كيف يدافعون عنك.. هل كلامي الآن واضح؟

(انتهى مقال "ذاكرة صحفي- ردا على كتاب "ذاكرة ملك")

 

(2)

الاعترافات تنهمر مع الدموع!.. والتاريخ وحده يستطيع أن يحكم

 

عندما أُعْلِن عن وفاة المَلِك "الحسن" يوم 23 يوليو 1999، كانت ردود الفعل في إسرائيل عاجزة عن السيطرة على النفس، وكذلك أدى الإعلان عن وفاة المَلِك إلى خلل في التوازن أعقبته لحظة تحولت إلى ثغرة تدفقت منها دون تحسب أشياء طال الحرص عليها وتمكن الحذر.

وهكذا فإن التعبيرات انفلتت إلى حد الاعتراف على مستوى الحكومة الإسرائيلية وهي مسئولة، وعلى المستوى الإعلامي الإسرائيلي وهو لسوء الحظ أكثر مصداقية من غيره في المنطقة!

وقد يكون من المفيد استعراض بعض النماذج مما انفلت إلى حد الاعتراف:

القدس 24 يوليو 1999: بيان من رئيس الوزراء "إيهود باراك" بمناسبة وفاة المَلِك "الحسن الثاني" مَلِك المغرب:

"إن قائداً عظيما لشعبه لم يعد الآن موجوداً، لقد كان رجلاً بعيد النظر وصديقاً لكل حكومات إسرائيل في محاولاتها للتوصل إلى سلام مع الشعب العربي.

لقد صُدِم الشعب والحكومة في إسرائيل بإعلان وفاة المَلِك الحسن الثاني مَلِك المغرب، فطوال حياته أظهر الحسن الثاني شجاعة نادرة وحكمة سياسية جعلت منه رائداً في التقارب مع إسرائيل، وفي بناء جسور سياسية واقتصادية بين البلدين.

وقد أصبح صديقاً لشعب إسرائيل كما كان حبيباً ليهود المغرب، إن إسرائيل كلها تحنى رأسها أمام ذاكره وتشارك في الحزن العميق للشعب المغربي".

المؤتمر اليهودي – الأمريكي ينعي وفاة المَلِك الحسن صديق السلام وحامي اليهود في مملكته:

نيويورك 26 يوليو 1999: "بعد شهور قليلة من وفاة المَلِك حسين مَلِك الأردن اختفى من الساحة نهائياً وقبل الأوان المَلِك الحسن مَلِك المغرب.

إن المَلِك حسين والمَلِك الحسن كليهما أدرك جنون سياسات العداء مع إسرائيل، وقد لعب كلاهما دوراً رئيسياً في دفع تقدم عملية السلام بما في ذلك اشتراكهما سراً وعلناً في جعل اتفاقيات كامب دافيد بين مصر وإسرائيل ممكنة. ولم يقلل مرور السنين من ولاء المَلِك لرفاهية اليهود وبخاصة يهود بلده، فقد كان المَلِك الحسن فخوراً بدوره في حماية الجالية اليهودية.

24/7/1999، إعلان في كل الصحف الأمريكية كان السطر الأول فيه باللغة العربية والثاني باللغة الإنجليزية والثالث باللغة العبرية – يقول: فلتكن ذكراه مباركة للأبد.

بتواضع أمام الله الذي خلقنا جميعاً ننعي مع الشعب المغربي وفاة صاحب الجلالة المَلِك الحسن الثاني كقائد ممتاز وشجاع ومفتوح وعظيم قام بأعمال جسورة وملهمة في سبيل قضية السلام في الشرق الأوسط، وسوف نحيي ذكراه إلى الأبد بعملنا من أجل الأهداف العظيمة التي سعى لها بعزيمته.

اللجنة الأمريكية - اليهودية

 

في عددها الصادر يوم الأحد أول أغسطس نشرت جريدة "الجيرو زاليم بوست" مقالاً لمحرر القسم السياسي فيها جاء فيه:

"لقد كان سلوك المَلِك الحسن صاحب الوجه الصخري والعلاقة الوثيقة مع الغرب تجاه اليهود وتجاه إسرائيل سلوكاً يدعو للإعجاب، وفي حين أن معظم النظم العربية ناصبت إسرائيل العداء إلى درجة التهديد بإبادتها فإن الحسن سمح للموساد (جهاز المخابرات الإسرائيلي) بان تقيم مركزاً كبيراً لها في المغرب.

وكذلك فقد كان هو الرجل الذي استضاف الاجتماع الأول بين موشى ديان وبين حسن التهامي مبعوث الرئيس السادات وكان هذا اللقاء (سنة 1977) هو الذي مَهَّد فيما بعد لاتفاقية كامب دافيد".

جيروزالم بوست يوم الثلاثاء 27 يوليو 1999:

"في ظروف شهور قليلة فقدت إسرائيل اثنين من أغلى أصدقائها في المنطقة وهما المَلِك حسين والمَلِك الحسن، فكلاهما كان لديه الإلهام والشجاعة لدفع العالم العربي إلى التصالح مع إسرائيل.

وبالنسبة لنا في هذا البلد (إسرائيل) فإن هذبن الرجلين لعبا دوراً حيوياً في النشاط الخفي الذي مكن إسرائيل من اختراق الطوق الفولاذي للسلبية التي أجمع عليها العالم العربي في تعامله مع ما سموه بـ"الكيان الصهيوني" .

كان الرئيس السادات هو أول زعيم عربي خطا في العلن خارج هذا الطوق، ولكن الحقيقة أن المَلِكين سبقاه في إحداث شروخ وفجوات مؤثرة في هذا الطوق".

الثلاثاء 27 يوليو 1999

كتب إريك سيلفر وهو واحد من أشهر الصحفيين الإسرائيليين مقالاً في جريدة "الإندبندنت" البريطانية جاء فيه:

"إن وفاة "المَلِك الحسن يوم الجمعة الماضي لابد لها ان تذكرنا بالعلاقات الخاصة بينه وبين إسرائيل وهي علاقات استفاد منها المَلِك كما استفادت إسرائيل، فقد كانت المخابرات الإسرائيلية هي التي أشرفت على تنظيم المخابرات المغربية وتدريب عملائها.

ولمدة أربعين سنة فإن العلاقات بين الجانبين كانت علاقات غير عادية وبخاصة في مجال المخابرات وضد أعداء مشتركين في الشرق الأوسط.

وإلى جانب تنظيم المخابرات المغربية وتدريب عملائها فإن إسرائيل أمدت المَلِك بأسلحة كثيرة بينها الدبابات، كما لعبت أدواراً مهمة في مطاردة وتصفية أعدائه والمعارضين له.

إن العلاقات السرية بين الطرفين بدأت في عهد المَلِك محمد الخامس الذي سمح لعشرات ألوف من اليهود المغاربة بالهجرة إلى إسرائيل، ولكن المَلِك الحسن بعد جلوسه على العرش طَوَّر العلاقات المغربية الإسرائيلية وأرساها على قواعد مؤسسية، وكان ذلك بعد لقاءات مطولة بينه وبين مائير آميت رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي الذي وصل إلى مدينة مراكش في شهر مايو سنة 1964 للقاءاته مع المَلِك.

وكما يكشف يوسى ميلمان في دراسته الهامة عن المخابرات الإسرائيلية فإن الموساد كانت تتولى بطريقة منظمة إمداد المَلِك الحسن بمعلومات وتقارير عن النوايا العدائية لزعيم مصر الثوري جمال عبد الناصر.

وطبقاً لتقارير مؤكدة فإن الموساد تولت إمداد المغرب بمائة دبابة لتقوية موقف الحسن إزاء الجزائر أثناء التوتر الذي حدث بين المغرب والجزائر في الستينات.

وكانت الموساد هي التي تولت متابعة تحركات المعارض الشهير للمَلِك المهدي بن بركة والإبلاغ عنها تمهيداً لخطفه وقتله بواسطة رجال المَلِك لكن الموساد نفسها لم تشترك في عملية القتل".

جريدة "معاريف" الإسرائيلية 26 يوليو 1999:

كشف أمير أورين (مسئول بارز في الموساد) في مقابلة مع هذه الجريدة (معاريف) أن المَلِك الحسن سمح للموساد بأن تَتَسَمَّع على المناقشات التي دارت بين الزعماء السياسيين والقادة العسكريين للعالم العربي وذلك أثناء مؤتمر قمة عربي عُقِد في الرباط سنة 1965 وكان موضوع البحث الرئيسي فيه هو خطط القيادة العربية الموحدة في المواجهة مع إسرائيل، ولابد من الاعتراف أن هذا التَسَمُّع كانت له نتائج مخابراتية هامة في الجهد الذي أدى إلى انتصار إسرائيل في حرب الأيام السنة سنة 1967.

وكشف أورين أن العلاقات بين البلدين فَتَرَت بعد حرب يوم الغفران سنة 1973، فقد تضايقت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل من أن المَلِك بعث بقوة رمزية للقتال مع سوريا كبادرة للتضامن العربي.

وبرغم أن المَلِك (الحسن) أوضح لأصدقائه الإسرائيليين أنه كان مضطراً إلى ذلك وأن مشاركة قواته في الحرب كانت رمزية فإن جولدا مائير لم تغفر له ولم تعد الصداقة إلى مكانها إلا عندما أصبح إسحق رابين رئيسا لوزراء إسرائيل بعد استقالة مائير وقام برحلة سرية إلى المغرب حيث قابل المَلِك الحسن وعادت المياه إلى مجاريها.

وأوضح أورين أن المَلِك كان بين أكثر المشجعين للرئيس السادات على الاتصال المباشر بإسرائيل وقد رتب بنفسه وفي قصره أول لقاء سري بين البلدين، وقد شجع الرئيس السادات على الذهاب للقدس.

26 يوليو 1999: نشرت صحيفة "النيويورك تايمز" كبرى الصحف الأميريكية تقريرا لمراسلتها في القدس "ديبورا سونتاج" جاء فيه:

"لقد خصص الإعلام الإسرائيلي كل مساحاته أمس لعقود من العلاقات السرية بين إسرائيل والمَلِك الحسن، وقام بتقديم العرفان لزعيم عربي بدأ حياته بتوجيه مُرَبِّية يهودية.

وقد روى الإعلام الإسرائيلي تفاصيل واسعة عن اللقاءات السرية التي قام بها ساسة إسرائيليون وقادة سياسيون وعسكريون إلى جانب رؤساء أجهزة أمنية للقاءات لم تنقطع مع المَلِك الحسن، والرأي السائد هو ان العلاقات بين إسرائيل والمَلِك كانت ذات فائدة مشتركة للطرفين.

فالمَلِك الحسن اعطى للموساد ولغيرها من أجهزة الأمن الإسرائيلي الإذن بأن تَتَسَمَّع على مناقشات ومداولات مؤتمرات عربية وإسلامية على مستوى القمة، وفي نفس الوقت فإن الموساد كانت مسئولة عن حماية المَلِك من أية محاولة لاغتياله سواء في بلاده أو خارجها وخصوصاً في فرنسا التي كان المَلِك دائم التردد عليها، وقد قال جوزيف ألفر وهو مسئول كبير سابق في الموساد: "بالنسبة للمَلِك فإن المخابرات الإسرائيلية كانت درعاً لحماية نظامه، وبالنسبة لإسرائيل فإن المَلِك الحسن كان نافذة تطل منها إسرائيل على ما يجري داخل العالم العربي وعلى أرفع مستويات صنع القرار فيه".

ثم جاء اخيراً تكريم المَلِك "الحسن" إسرائيلياً على نحو لم يسبق له مثيل، فقد أُعْلِن رسمياً يوم 30 أغسطس 1999 عن تشكيل لجنة على مستوى عالٍ في إسرائيل للبحث في خطة تكريم "لا يُنْسى" للمَلِك "الحسن"، وكانت اللجنة برئاسة "إيهود بارك" رئيس وزراء إسرائيل، وكان بين أعضائها "شيمون بيريز" رئيس الوزراء السابق ووزير التعاون الإقليمي في الوزارة الإسرائيلية الحالية، و"دافيد ليفي" وزير الخارجية، وشلولوبن آمي" وزير المالية الأسبق، وغيرهم.

وكان أول اقتراح تقدمت به اللجنة وجرت الموافقة مبدئياً عليه هو تسمية 70 موقعاً (ميادين وشوارع متنزهات وحدائق) باسم المَلِك "الحسن"، وإلى جانب ذلك فقد طلبت اللجنة أن يحمل طابع البريد التذكاري الأول سنة 2000 صورة للمَلِك "الحسن"!

وكان ذلك كله موجباً لوقفة ضرورية تتساءل عربياً عن كل هذا الذي جرت به الاعترافات مع الدموع – إسرائيلياً!!