Menu

الثنائية الحزبية والفعالية الديمقراطية - أمريكا نموذجاً

د. محمد السعيد إدريس

يبدو أن السيناتور الأمريكي (الديمقراطى) بيرني ساندرز؛ أحد رموز الحركة التقدمية الأمريكية كان متفائلاً أكثر من اللازم، وهو يتحدث عن فرص النجاح الأمريكية المواتية بعد الإعلان يوم 7 نوفمبر الجاري عن فوز جو بايدن مرشح الحزب الديمقراطي على منافسه الرئيس دونالد ترامب مرشح الحزب الجمهورى. ساندرز الذي خاض المنافسة أمام بايدن داخل الحزب الديمقراطي على الرئاسة الأمريكية وفضل خيار أن يتوحد خلف مرشح واحد، أملاً في أن يتجاوب مع مطالب التيار الليبرالي التقدمي داخل الحزب؛ قال في تصريحات نقلتها شبكة "سي إن إن": "نشكر الرب.. لقد انتصرت الديمقراطية. لذلك أتمنى أن يكون جو (بايدن) وكامالا (هاريس) الأفضل في قيادة بلادنا". وأضاف "سواء اعترف ترامب أم لا.. ليس مهماً. لقد فاز جو بايدن بالانتخابات وسيتم تنصيبه".
هل انتصرت الديمقراطية فعلاً؟
السؤال مهم لأنه يفتح المجال لأسئلة أخرى لا تقل أهمية من نوع: ماذا بقي من الديمقراطية الأمريكية بعد كل الصراع العنيف والدامي على السلطة، ليس فقط بين الرئيس دونالد ترامب الذى ينكر بضراوة حقيقة، أو حتى فرضية، فوز جو بايدن، ويؤكد أن الانتخابات جرى سرقتها وفق مخطط ممنهج في معظم الولايات، وبالذات الولايات التي يحكمها ديمقراطيون، على حد قول كبير محاميه رودي جولياني، ويرفض التنازل عن السلطة، ويؤكد أنه الفائز في الانتخابات وبين منافسه جو بايدن، بل إن الصراع أضحى ممتداً ومتعمقاً بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، والأكثر من ذلك أنه يتسع أيضاً داخل الحزب الجمهوري بين عقلاء اعترفوا بالحقائق المؤكدة، على نحو ما ذكر سكرتير ولاية جورجيا، بأن "الأرقام لا تكذب" وهو يجدد إعلان فوز بايدن بالولاية بعد إعادة الفرز اليدوي، حسب مطالب حملة دونالد ترامب، وبين متشددين انحازوا إلى ترامب، واعتبروا أن كرامة ترامب وفوزه من كرامة وفوز حزبهم على غرار موقف السيناتور ليندسي جراهام (ولاية كارولينا الجنوبية) رئيس اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ الذى دافع عن الرئيس ترامب بعنف وتبرع بمبلغ 500 ألف دولار لمساعدة حملته في جهودها القضائية للطعن بالنتائج في الولايات الحاسمة: بنسيلفانيا وميتشجن وويسكونسن، وقال: "أنا هنا لأقف مع الرئيس ترامب، فهو وقف معي. ولهذا سوف نحتفظ بالأغلبية في مجلس الشيوخ. لقد ساعد الجمهوريين في المجلس، ونحن سنحصد مجالس في مجلس النواب بفضل حملة ترامب".
كلام خطير لا ينافسه في خطورته بالنسبة لتعارضه المطلق مع أبجديات القيم والمبادئ الديمقراطية التي يزخر بها "النموذج الديمقراطي الأمريكي"؛ إلا ما ورد على لسان كيفين مكارثي زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب الذى لم يكتف بتبني خطاب الاتهامات بالتزوير في الانتخابات الذى يردده الرئيس ترامب وفريقه من المحامين وأركان حملته، بل إنه اتجه إلى التحريض على العنف كوسيلة لإفشال فوز جو بايدن الذى أكدته أرقام التصويت في صناديق الانتخابات، مخاطباً المتمردين داخل الحزب الجمهوري ومناصريه من الجماعات اليمينية المتطرفة والمسلحة قائلاً: "لا تسكتوا عن هذا (التزوير وسرقة الانتخابات)، لا يمكننا السماح لهذا بالحدوث أمام أعيننا".
تحريض ينسف أهم أسس الديمقراطية النيابية أو "ديمقراطية التمثيل" التي ترتكز على "شرعية صندوق الانتخابات". زعماء الجمهوريين لا يعترفون الآن بـ "شرعية الصندوق" التي هي ألف باء الديمقراطية النيابية، بل يحرضون أنصارهم على ممارسة العنف، لذلك أضحى ضرورياً التساؤل: هل بقي شيئًا من الديمقراطية الأمريكية؟ وهل هناك أملًا في استعادة المسار الديمقراطي وتصحيح الأخطاء؟
حتى الآن لا توجد غير فرضيتين للإجابة على هذا السؤال الأخير؛ الفرضية الأولى تقول أن مشاهد العنف والفوضى، والحرب الأهلية ليست إلا مبالغات، وأن هذا كله سوف ينتهى بمجرد إرسال الأصوات إلى "المجمع الانتخابي"، أي إرسال أصوات الولايات إلى هذا المجمع الذى سيحدد رسمياً من الفائز، وهذا الأمر موعده النهائي يوم 14 ديسمبر المقبل، وبعدها سيتم إعلان جو بايدن ونائبته كامالا هاريس الفائزين بمنصبي الرئيس ونائب الرئيس، وأن ما سيتبقى لدونالد ترامب وحملته ومناصريه من الجمهوريين هو مواصلة التقاضي والتحول إلى "معارضة ساخنة" تتجاوز، ربما حدود الأطر الدستورية وبالتحديد البرلمان إلى الشارع استعداداً لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2024 على نحو ما سبق أن ألمح دونالد ترامب. أما الفرضية الثانية فتتبنى سيناريو القلق والخوف مما سوف يحدث بعد يوم 14 ديسمبر الذي يحذر من خطر "انقسام الأمة الأمريكية" وتفجر الصراعات العنيفة، ليست فقط الصراعات السياسية، بل بالأساس الصراعات العرقية والطبقية التي قد تمتد، حتى إلى صراع بين الولايات.
يدعم هذا التوقع عدد كبير من المفكرين الأمريكيين الذين يرون أن الولايات المتحدة تعاني حالياً من انقسام عميق، وأن النظام السياسي دخل مرحلة "استقطاب" غير مسبوقة، وهذا ما سبق أن حذرت منه صحيفة "الجارديان" البريطانية، في مقال حمل عنوان "أمة منقسمة بشكل خطير".
يقول هذا المقال أن الأشهر التي سبقت الانخراط في حملة الانتخابات الرئاسية هذا العام، كانت أسيرة فرضية نظرية تقول أن "دونالد ترامب كرئيس للولايات المتحدة، ليس إلا ظاهرة استثنائية أو عابرة، وأن هذه الظاهرة سوف تنتهى بانتهاء خسارته للانتخابات، لكن النتائج جاءت لتؤكد عكس ذلك"، فقد أكدت نتائج الانتخابات أن دونالد ترامب وأن "الترامبوية" (إن جازت التسمية) ظاهرة متأصلة الجذور في التربة السياسية – الاجتماعية، بل وأيضاً الاقتصادية الأمريكية. فعندما يذهب أكثر من 71 مليون ناخب أمريكي لاختيار ترامب، بمعدل يفوق كثيراً ما حصل عليه من أصوات في انتخاباته السابقة عام 2016، فهذا يعنى أن مصالح وأفكار هذه الملايين تتطابق مع ما يقوله ترامب ويروج له، وهو على العكس تماماً من الخطاب السياسي للحزب الديمقراطي، وربما أيضاً للحزب الجمهوري الذى بات يواجه فعلياً خطر الانقسام بين تيار تقليدي؛ يحمل الأفكار التاريخية للحزب الجمهوري هو الأضعف، وتيار آخر أقوى هو "تيار الترامبوية"، أي التيار الذى يرجح أن يقوده ترامب ويخوض به الانتخابات الرئاسية القادمة.
خطورة هذا التيار الجديد أن يفضح حقيقة الانقسام الذي يواجه "الأمة الأمريكية"، فهو تيار لا يقوم فقط على تبنى مصالح طبقات اجتماعية بعينها، ولكنه تيار يعبر عن ظاهرة اجتماعية- ديموجرافية وثقافية. فالولايات والمدن التي صوتت لترامب صوتت له بكثافة؛ يتشابك فيها التراجع الاقتصادي مع هجرة السكان من مناطق العوز والفقر إلى مراكز الرخاء، مع ذوبان الروابط الاجتماعية ورؤية السكان لأنفسهم وهوياتهم؛ فالتصويت الذي حدث لترامب يمكن اعتباره "تصويتاً انتقائياً"، لأن غالبية السكان غاضبين ويعبرون عن الغضب برفض المؤسسات والنخبة.
هنا بالتحديد يجدر التساؤل عن مدى مسئولية نظام "الثنائية الحزبية": الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري الذى يحكم الحياة السياسية الأمريكية عن هذا الانقسام. فعلى مدى عقود مضت كانت هناك تحذيرات من وجود مخاطر وشرور لنظام الثنائية الحزبية، من أبرزها أنه يشطر الأمة إلى شطرين، وإذا دخلت عوامل أخرى اقتصادية وعرقية وثقافية تغذى هذا الانقسام الثنائي، فإن الخطر يصبح مروعاً على نحو ما هو حادث الآن، حيث انقسم الأمريكيون في تصويتهم إلى ما يقرب من 80 مليون صوت في صف جو بايدن والديمقراطيين، و71 مليون في صف ترامب والجمهوريين؛ خطورة هذه الظاهرة تتفاقم إذا أخذنا في اعتبارنا أن الأمريكيين يصوتون في الانتخابات الرئاسية وانتخابات الكونجرس كولايات وليس كأمة. 
كان المفترض أن تكون التعددية العرقية للمجتمع الأمريكي أحد أهم عوامل انصهاره كأمة تقبل بالتعددية الفكرية والتعايش والسلمية، ولكن مع وجود فريق يرفض هذه التعددية وينحاز إلى عرق بعينه (العرق الأبيض)؛ تداعت هذه الفكرة، وتحول التمايز الاقتصادي والعرقي إلى غضب وتحول الغضب إلى نار تحرق معها كل الروابط التي كان مأمولاً أن توحد الأمريكيين، في تراجع مخيف لكل ما كان يمكن اعتباره مؤشرات ملموسة للفعالية الديمقراطية الأمريكية. هذا يعنى أن الثنائية الحزبية إن كان لها دورًا، فإن الخطر الذي يتهدد الديمقراطية الأمريكية يتجاوز كل فرضيات الهيكلية الحزبية؛ من أحادية أو ثنائية أو متعددة إلى واقع النظام السياسي- الاجتماعي – الاقتصادي والثقافي الأمريكي الذي أضحى مأزوماً إلى أمد غير منظور.